منذُ سنوات يتمنّىٰ -وما تُفيد الأماني!- أن يتخلّص من لغلوغه السّمين، وجسمه البدين، تزداد هٰذه الرغبة في رمضان، منذ وقت الإمساك لحين الأذان؛ يُريد أن يصبح من آكلي الشّوفان، الذين يضعون أكلهم بالميزان، رغبةً بتخسيس الأوزان، وكل هذا يريد نتائجه قبل نهاية رمضان!
كان من عادتي المألوفة، وحالتي المعروفة، أن انصرف بعد الفطور إلى أصحابي وخلّاني، أتعلل معهم بالحديث، ونتفكّر بحالنا القديم والحديث؛ فرأيت صديقي منشغلا بكرشه، يرفعه، يهزه هزة عنيفة، فانحدرت دموعه، زمّ شفتيه وقال: الفزعة تكفون خطوبتي في العيد، فوالله لن تقبل بي صاحبة الحظ السعيد!
كان يجب أن ينزع منه على الأقل 20 كيلوغرامًا، أو يذهب لمتخصّصٍ يشفط ويقص ويغير حتى ينضبط ولو قليلًا؛ فأرشده أحدهم إلى مدربٍ سيحقق بُغيته، فقال لكني أريد عبدالرحمن معي؛ اشدُد بهِ أزري، وأشركه في أمري، فقلت له أُوتيت سؤلك؛ قد غضب الله عليه وأطاحه بمدربٍ ملتحق بالخدمةِ العسكرية
مدرب غريب التكوين والرّصف، لايُوفي حقه نعتٌ ولا وصف، فارع الطول، مفتول العضلات، له وجهٌ فسيح، وعينان ضيّقتان، جسدُه لم يعرف طريق الأطِبّة، ضخم الجثة، عظيم الهامة، صحته علىٰ أحسن ما يُرام، الوحيد بعائلته الذي يستطيع أن يُسيطر على الناقة حال هياجها، كانت شدّتُه مضرب مثل ..
النادي بالنسبة إليه مقدس! لا يتأخّر عنه إلَّا نادرًا، ويكون ذلك بسبب مرض حلّ بجسده أو طارئ حبسه، رأيناه عند دخولنا ويداه خلف ظهره، صدره بارز، عيناه كالكاميرا المتحركة تستعرض المتدربين نفرًا نفرًا، لا تبحث عمن استوفوا التمارين؛ فهؤلاء مفروغ منهم، ولا شكر على واجب، بل تفتش عن العكس
كلماتٌ ناريّة اندلعت من فَمهِ الواسع، وقد انتفخت أوداجُهُ على آخرِها: الأطعمة الغنية بالملح، البهارات والسكريات، المشروبات الغازيّة، البطاطس المقلية، والمشروبات التي تحتوي على الكافيين؛ محرمٌ على متدربيني تناولها، صوتٌ يصدر من صديقي قائلًا: يعني ماناكل شيء! لاتقتل المتعة يامسلم!
بالمناسبة، هذا الصوت كان حديث نفس؛ هو لايملك الجرأة أن يُحارش هذا الأسد، وفي الحقيقة أقسم ثلاثا بأن يلبي أوامره، مسيّر لا مخيّر ..
ومن يوم الغد وبعدما تناولنا الفطور، في غبطةٍ وحبور؛ ذهبنا إلى النادي فرأيناه وصيد الباب جالس، وليس عنده مُجالس، فحيّا وسلم، وشرح لنا تمرين اليوم دون أن نتكلّم ..
ركز المدرب على صديقي، دار حوله، دقق النظر فيه، ثم ركز على بطنه، ومد الإبهام والسبابة الغليظين، وضغط بهما عليها وصديقي ثابت كالتمثال، ثم تسربت همهمات لضحكات مكتومة؛ لم نعلم أنه يضحك إلا عندما بدأ جسمه بالارتجاج والخضخضة! سمبوسة والكثير من المعجنات يُخبئها في معدته الكبيرة
"تقول لي وزنك زايد رغم أنك تتبّع نظام غذائي قاسٍ!" تلك هي الصيحة الأولى من المدرب، كانت نُذر الكارثة تلوّح لكل ذي بصيرة، فحكم عليه بأن يهرول على السير؛ وبعدما هرول لمدة طويلة جدًّا تُقدّر بعشرةِ ثوان! انهمك وتوقّف؛ وكأنَّ أقدامَه وطأت لغمًا يَخشى أن يرفع قدمَه، فينفجر ما بداخله
يترك كرشَه وينطلق وهو يصرخ: لم أعد أحتمل هذا الهراء، يمسكه المُدرب من رقبتِه ويرفعه عاليًا، ثم يجلد به الأرض، يركلُه بعنفٍ، يسحبُه من قدمه إلى منتصفِ النادي، دهونه ترتعش داخل قميصِه الممزق وهو يُجر ببطءٍ، ليضعه على السير من جديد؛ فحكم عليه أن يحرق 2000 من الكالوريز! حالًا ..
حشد كل ما في طاقته وسنوات عمره للهرولة، يضغط على شفته السفلىٰ، يتعرّق، تضطرب أنفاسه، لهاثه يزداد شدة، فارتطمت جثمانه بقوةٍ على الأرض، فأتيت بعُودي النحيف، أمشي على أطراف أصابعي، أنقذته بلوحِ شوكولاته من باتشي؛ كي أشحذ همته
فنظرَ لي المدرب بأسىٰ كنظرة والدي إلي؛ عندما لا أصلي الفجر مع جماعة المسجد، بأنه قد خرجت من الملّة ولا ريب .. 400 سعرة حرارية! نعوذُ بالله من الضلال؛ هم هكذا لايطلقون علىٰ الأشياء بأسمائها؛ بل بسعراتها
فرفع الراية البيضاء صديقي كدلالة علىٰ استسلامه ثم قال: "جميعنا سنموت في نهايةِ المطاف، والمرء دون كرش، مايسوى قرش، والقرش هو من سيحدد قيمتك عند زوجتك، لا هيئتك" قالها وهو يحاول إعادةَ كرشِه المتدلي إلىٰ بنطاله العريض، ثم أنشد مقتبسًا ..
"إن الدراهم في المواطن كلها
تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة
وهي السلاح لمن أراد قتالا"
تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة
وهي السلاح لمن أراد قتالا"
جاري تحميل الاقتراحات...