مريم القحطاني
مريم القحطاني

@MQahtanite

18 تغريدة 759 قراءة Dec 13, 2019
اليوم سأحدثكم عن رحلتي مع الجري وكيف أصبح جزء من حياتي.
أولاً أرجو أن تؤخذ هذه السلسة من التغريدات بحرص شديد، فهي لا تتضمن نصائح صحية أو طبية، وليس هذا الهدف منها، بل هي تجربتي أنا والتي أتمنى أن تحفز البعض منكم، وقد تكون فيها أفكار تساعدكم على اكتشاف بعض الأمور.
كانت مراهقتي كمعظم الناس، صعبة، معقدة، بل قاهرة. مسؤوليات فوق عمري تسحقني، قبل أواني. ولكن كنت أتحلى بطاقة إيجابية عالية تصيب جميع من حولي بعدوى التفاؤل، وممتلئة بالمرح والفرح، لكنني كنت أيضاً (ومازلت) عندما أغضب لا أستطيع أن أخفي ذلك، بل أعبر عنه تماماً كما أفعل مع كل عواطفي.
في يوم من الأيام حدث هذا تماماً، غضبت بشدة، ووجدتني أخرج من المنزل للمشي فقط، لأنني لم أتحمل جو المنزل، لكنني كنت غاضبة أكثر مما أدرك، فكنت أمشي بخطوات سريعة، كأنني أحاول التنفيس عن النار التي تشتعل بداخلي، أو الابتعاد والهرب مما يحدث لي، مشيت ومشيت حتى وجدتني أركض وأركض وأركض.
توقفت بعد أن بدأت أشعر بحرقة في صدري، خارت قواي تماماً وجلست قليلاً أتأمل. كل شيء بدا صافياً رائقاً في سلام وكأن كل ما حدث كان مجرد حلم. لم أركض مسافة طويلة، ميل واحد بالكثير، ولكنني شعرت وكأنني ركضت حول الكرة الأرضية. عدت إلى المنزل وأنا هادئة، أبتسم للجميع كطفل، ونمت قليلاً.
عدت بعدها إلى روتيني اليومي، دون أن أفكر كثيراً بالجري أو شعوري بالإسترخاء الرائع ذاك بعده. لسبب ما، كنت أعتبر نفسي شخص ضعيف غير قادر على المشي الطويل، فما بالك بالجري (مع أنني لم أكن قد تعديت السادسة عشرة بعد). وكان هناك دائماً من يذكرني بالحركة؛ شخص يركض هنا أو شخص يركض هناك.
كنت أرى من يركضون كأنهم أناس خارقون للعادة. أشاهدهم يركضون دون توقف ودون لهاث وبتركيز على الطريق، وفِي أحيان كثيرة بسرعة جيدة متسقة. كيف وصلوا إلى هذا النقطة؟ وإذا وصلوا إلى هذه النقطة فهل هذا يعني أنني أستطيع أيضاً؟ قررت أن الجواب سيكون 'نعم.'
لحسن الحظ كان لدينا في حينا السكني نادي رياضي. اشتريت ملابس رياضية وارتديت أحذية الرياضة وقمت أمشي ببطء ثم أركض وأسرع الحركة لاهثة كشخص يفارق الحياة ومن حولي يبتسم في سره. لم أكن أفهم كيف يركضون بدون لهاث؟ فأدركت أن الجري مثلهم لن يحدث بسرعة ولكنه سيحدث بوقته، فكنت أهرول ببطء.
أهرول ببطء، ثم أتعب، أو أجري بسرعة ثم أحترق، فقلت يا الهي إن هذا الأمر فوق قواي البشرية. ☹️🥺
في ذلك الوقت لم يكن يوتوب موجوداً كمجيب ومعلم لكل "كيف تفعل كذا" ولم يكن غوغل خارقاً كالآن، يعني لم أسأل أي واحد منهما. كنت فقط أراقب الناس حولي، ومن يبهرني أطلب منه نصائح وإرشادات.
أفكار ساعدتني كمبتدئة حينها:
عدم دفع الجسم بل تسخينه ببطء حتى ينطلق.
التحكم بالتنفس بالتركيز عليه: شهيق عميق وزفير عميق، هذا يجعلك تقطع مسافات دون اهدار طاقتك.
المثابرة، عدم التوقف عند التعب ولكن تغيير السرعة. مشي. جري. هرولة. مشي. جري. هرولة. حتى تنقضي ١٠ دقائق على الأقل.
لابد من تحديد الهدف من الركض كل يوم لأن تحقيق جميع الأهداف: السرعة، المسافة، الدقائق، صعب بالبداية. ركزت على السرعة ولم يكن هذا مفيداً، فركزت على المسافة، ولم أكترث للدقائق كثيراً. وكان هذا أفضل. قررت تحقيق ٢ ميل، وكان هذا يأخذ ٣٥ إلى ٤٠ دقيقة.
أمران مهمان:
كان البقاء في الجري لهذه المدة ممكناً لأنني: ١- شربت *ماء*طوال اليوم. فالعطش يصيبك بالدوار والتعب وحتى الإغماء. لذلك كنت أشرب بما فيه الكفاية خلال اليوم وبعد الرياضة أيضاً.
٢- قمت بعمل قائمة للأغاني، أعد نفسي أنني سأغير السرعة قليلاً حين أصل إلى الأغنية التالية.
أحياناً كنت أعرض نفسي لعدوى الحماسة والطاقة، أيضاً، فكنت أختار الجري بالقرب من شخص يركض بسرعة، أو يركض لفترة طويلة، فكان هو رفيقي الرياضي السري، لأنه يدفعني ويريني ما يمكن تحقيقه. (هذه الفكرة ليست للجميع فالبعض يُحبط ممن يكون أداءه أفضل). - لم أكن أقلده تماماً، فقط ألتمس طاقته.
وهكذا بقيت أركض سنوات من حياتي، ومع كل مسافة أقطعها أحس أنني إنسان سعيد وقوي وجديد. أنام جيداً، لا أعرف المزاجية ولا تعرفني، منتعشة، أجري بشكل شبه يومي، لا تعرف قدماي حدود. أركض في النادي، في الشارع، أو حتى في بيتي حول الأثاث، أو أركض في مكان ثابت. تعلمت طرق مختلفة لأتحرك.
هل يعني ذلك أن طريقي في الجري كان محفوفاً بالزهور والمتعة واليُسر؟ لا طبعاً. تعززت علاقتي بهذه الرياضة وهي تتذبذب بين الكراهية والمحبة. لأنها في النهاية روتين، ومهما حاولت أن أحبها سيصعب ذلك لأنني ألزمت نفسي بها. كل نصف ساعة أو ساعة أركض فيها مقيتة لكنني أركز على النتيجة لأستمر.
حصلت لي حوادث لا علاقة لها بالجري؛ لويت كاحلي مرتين، ومرة كسرت ساقي، ومرة وقعت من الدراجة وضربت ركبتي، وفِي كل مرة كان ينصحني الطبيب بعدم الجري، كنت أنتظر فترة قصيرة حتى تخف الأورام وأعود للجري على مهل. لا تفعلوا مثلي. استمعوا للطبيب. أنا فعلت ذلك لأنني عنيدة ولا أحب عرقلة نمطي.
حسناً، الآن سندخل في الأمور العملية الدقيقة التي تعلمتها كمتمرسة، وأرى أنها مهمة للغاية في الجري رغم بساطتها.
أولاً، لابد من اختيار حذاء جيد ومريح. الحذاء الذي سترتديه لتركض على جهاز المشي مختلف عن الذي سترتديه لتركض في الشارع أو في طريق وعرة أو للمشي.
أربط الحذاء جيداً ليكون مريح ومشدود، لأنك لا تريد أن تدوس عليه، أو أن يعلق في شيء.
البس *جوارب رياضية* لأن غيرها سيسبب احتكاك غير مريح.
إذا كنت ستركض في الشارع، الحديقة أو مكان عام فيجب أن تكون لديك فكرة جيدة عنه: إلى أي مكان يؤدي، مستوى الخطورة كالسيارات والثعابين، نوعية الأرضية التي ستهبط عليها قدماك، هل هناك رصيف، الخ.الجري على أرضية صلبة كالخرسانة متعب للجسد والعظام، على عكس آلة المشي، فاستعد ليوم راحة بعدها.
قبل أن تنطلق عليك أن تتأكد أن وضعيتك سليمة: تنظر أمامك وليس للأرض، كتفاك مسترخيتان، لا تقبض بشدة على يديك، جذعك مستقيم، ذراعاك يتحركان ويتأجرحان، أي لا تضمهما، ركبتاك مقوستان قليلاً، وأنك تهبط بشكل سليم - أي بين الكعب وأوسط القدم - ، تتنفس باتساق وبعمق: شهيق عميق وزفير عميق.
بالنسبة لمط الجسم (stretching) إذا لم تقم به في البداية فلا بأس، الأهم هو القيام به في النهاية بعد الجري أو أي رياضة أخرى، وإلا ستشعر بأوجاع وعُقد وعدم ارتياح عام، وقد تعرض جسدك لإصابات.
هناك جدل بخصوص الأكل. هل نأكل بعد الجري أم قبله؟ شخصياً أكل عندما أجوعُ لكن إذا كنت سأجري، لا أكل شيء يُثقلني إلا بعد الجري، لأن المعدة الثقيلة تجعلك بطيء ومتقاعس. لكن هذا أمر يعود لصاحبه. الأهم هو أن تشرب الماء خلال اليوم بكثرة، وألا تعرض نفسك للجفاف وبالتالي التعب والإنهاك.
إذا قمت ببذل جهد شديد أثناء الجري(high intensity)، خاصة إذا كنت تركض بسرعة في الهواء الطلق، قد يبدأ جسمك بالجفاف وتشعر أن لعابك أكثر صلابة ولزوجة وأنه يتكور، ويصعّب عليك التنفس. إذا حدث ذلك فلا تحاول أن تبتلع، بل ابصقه مع الحفاظ على الذوق العام. لذلك مثلاً، أحمل منديل معي دائماً.
هذا جدول يعطيك فكرة عن كيف تنتقل من المشي إلى الجري خلال ٣٠ يوم.
من فوائد الجري اعتدال المزاج،الصفاء الذهني، الإسترخاء، الطاقة، تقوية جهاز المناعة، السيقان وشدها وبناء العظام. مارست رياضات متعددة في حياتي ولم يساعدني في الحفاظ على منطقة الخصر مسطحة ورشيقة أي شيء مثل الجري.إذا توقفت عن الركض لفترة قصيرة فإنني أشعر بالفارق في هذه المنطقة بالذات.
إذا ركضت ولاحظت أن ظهرك يؤلمك فعليك التأكد من جودة الحذاء ودعمه، ثم تقوية منطقة الوسط والبطن وشدها وقت الجري بدل الإعتماد على الظهر. هنا مدربة ممتازة أحب تمارينها، تعلمك تقوية الوسط ( core) في خمس دقائق. فيديو: youtu.be أيضاً يمكنك عمل هذه التمارين بالصورة هنا:
بخصوص الحذاء، شخصياً أفضل أحذية New Balance لأنها متينة ومريحة وداعمة وتناسب تسطح قدماي، وكل قدم ستناسبها نوعية أحذية مختلفة. فمثلاً أحذية Nike لا تناسبني بسبب تقوسها وضيقها من منتصف القدم، بل تصيبني بجروح، بينما أخي تناسبه وتريحه. فقط لا تعتمدوا على شهرة الماركة بل تجربتكم لها.
إذا لم يكن هناك مكان للركض فهذا ليس سبباً كافياً لعدم الركض واستبعاد الفكرة، لأن بإمكانك أن تُمارس ما يسمى الركض الثابت (running in place / or high knees)، أي الركض في مكانك كما يبدو في الصورة.
ختاماً إذا كنت تستطيع أن تركض عشر دقائق فأنت تستطيع أن تركض لساعة وأكثر. الجري أنقذني من الكآبة، ساعدني على تنظيم يومي ونومي، عزز ثقتي بنفسي. نعم لا أبدو شديدة النحول والطول كالشكل النمطي للعداء، ولكنه بنى لي جسداً أكثر قوة. مع كل وثبة يبتعد القساة، تتبخر همومي، وتنتعش نفسيتي.
رابط السلسلة rattibha.com

جاري تحميل الاقتراحات...