بسام الهويمل
بسام الهويمل

@bhoymal

13 تغريدة 58 قراءة Aug 02, 2023
تعرَّفت إلى البَرّ في سن مبكرة. في الصف الثالث الابتدائي أو دونَ ذلك بقليل. كان أبي رحمه الله لا يمكث عطلة نهاية الأسبوع في الرياض مطلقاً. يذهب إلى القنص في المقام الأول، أو لغرض الراحة وإطلاق النظر، والتفكير الحر. كان مولَعاً به إلى حد التفريط. ينفق فيه ماله، فيعود مفلساً!
أخذني معه على كره منّي. كنت أود أن أمكث بعد عناء المدرسة و كربها في البيت ألعب،ثم نزور بيت جدي ألتقي أقاربي فنمرَح.
كنت في السابعة،و يراني في العشرين! لم أستطع أن أقول له(ودي أقعد)ولا هو سرّحني مرَّة واحدة. فالمرء حينذاك لا يخرج عن شور والده أبداً،يمشي في ساقته بكل فخر وهو منطم.
أخرج من المدرسة يوم الاربعاء، وأبدأ في تجهيز سيارة جيب التويوتا الربع ٨٩م.
خلف المراتب درببل و أسلحة، رشاش وشوزن. حدر مرتبة السائق مسدس أبو محالة برازيلي مخشّب حديده مطلي فضة.
ثم عزبة الطبخ، ثم الفِرش،ثم الحطب أو الماء.قرب الباب أضع كيس شعير مطوي نحشر بداخله هريفي أو تيس سمين.
ذهبت برفقته إلى البر مدة ١٠ أعوام أو تزيد. في الصيف أكثر من الشتاء.نمنا أسفل شجرة،و فوق بطحاء شعيب،وفي غار أظلَم،وفي داخل السيارة حين يغمرنا سيل.
أذكر رحلة في العام ١٤١٣ ذروة القيظ. كنت في التاسعة،بحثنا من السابعة صباحاً حتى الثانية ظهراً عن الضبان في منطقة الغزيز ولم نجد شيئاً..
عدنا إلى البيت بوجوه سود من أثر الشمس وحسرة الحرمان. استقبلتنا أمي بكؤوس الليمون،ثم وضعتنا في غرفة باردة،وأمرتنا أن ننام. كنا نطيعها ونمشي وفق إشارتها كأننا بلا وعي، وقد كنا كذلك!
اصطدنا الحمام، والحجل، والأرانب، والضبان، والوبر، والكروّان. ولطرد الأرنب متعة عظيمة لا يضاهيها شيء.
عرفت عشرات الرجال من قبائل نجد الذين رافقهم إلى البر. أُناس يختلفون عن أهل المدينة، لهم خصائص مختلفة. منها:سعة الصدر، وحب الفكاهة،وقرض الشعر، ومنه:المرادّ أو المحاورة. وقد كان عندي أشرطة مسجل بها محاوراته الشعرية مع أصحابه.
منهم:محمد بن مخيمر بن حنّوب، و مبارك بن علاج، وغيرهم.
لم يكن آنذاك ماجلان، أو غوغل ماب. ولا جهاز نداء. كان يقتحم الصمان وكأنه يتمشّى في وادي نمار. كنا نقطع عشرات الأميال في الليل دون هادٍ الكتروني. نصل إلى وجهتنا الصحيحة دون ضياع أو زيادة في الزمن.
أسوأ من ذلك عندما تعترض الأرنب ثم يختلف على الصاحي الشمال من الجنوب لطغيان الموقف!
من المواقف الطريفة:
اجتمعنا مع بعض أبناء العم للذهاب إلى الصمان. فنزل بنا عج مروّع،فرّقنا يوم الأربعاء ولم نلتق إلا عصر الجمعة في محطة، مصادفة!
كان يحب البر جهة عالية نجد،القويعية و نساح، والمناطق التي قضى فيها ردحاً من عمره. يفضلها على الشمال بكل ما فيه من ربيع واغراءات.
حينما تعرض لجلطة في عامه الأخير. مكث في المنزل أسبوع فضاقت به الأرض. أمرنا بإعداد السيارات للذهاب إلى البر!
وبعد جهد،استطعنا أن نقنعه بالمناطق المحيطة بالطائف لقربها من طبيعة نجد العِليا ولقرب المستشفى.
كان يفضل النوم في الخلاء،ولقلة حيلته يستسلم للنوم في الفندق.ليغادره مع الفجر.
هجم الموت فصرمَ كل ذلك. مات أبي.
كرهت البر كرهاً عظيماً. ومع أني أذهب برفقة أخوالي إلى البر عدة أيام، لها لذّة كبيرة. إلا أنها تختلف عن البر القديم الذي عرفت.
كنت أرفض الذهاب، أو أذهب على مضض.
فقد تغيّرَت الوجهات، و تبدَّلت الوجوه. وأصبحنا نحمل كلام المدينة إلى البريّة.
أزيد على ذلك أنني مللت البر. أحمل عليه بالسِلبِ لأنه حرمني من اللعب بالكرة و كمبيوتر صخر و الأتاري.
بالإضافة إلى أنني عرفته في وقت لم تكن هذه الأجهزة الكترونية و الجوالات متوفرة.
فضلاً عن محلات تجهيز الرحلات والتسهيلات التي تقدمها لأصحاب القنص و الرحلات. فقر في كل شيء تقريباً.
لم يكن هناك غير التدرب على إجادة الرمي، أو إطلاق النظر،أو ممارسة المشي لغرض قص جرّة أرنب،أو غسل أواني الطبخ.
وحين كنت أقول لأبي أريد تعلّم القيادة وأنا بعد صغير،يقول لي:هذي للبزران وأنا أبوك.
كنت أنا الطفل الوحيد بين عشرة رجال أعمارهم بين الخمسين و الستين،أكاد أبكي إذا رأيت طفلا.
ثم أجدني أحن إلى كل ذلك. أشتهيه كما الماء. مثل حاجة مريض إلى إبرة أنسولين.
أجدني أعود إلى أثر الجينات، إلى الطِباع القديمة. لا أتمثّلها، إنها جزء من تكويني.
أفكر في ترميم حياة قديمة. أن أمضي وقتي في البر. أن أُفارق البنيان. أن أجمع الصلوات.
كل ذلك قادم مذ رأيت لساني يعود إلى أبي.

جاري تحميل الاقتراحات...