15 تغريدة 1 قراءة Jun 02, 2023
دون وعي:
قد تملكني الخوف في الخامس من يناير لهذه السنة حيث كان الجو باردًا وتشوبه الكآبة، ولقد كان هذا الخوف مألوفًا لديّ، خوفٌ يراودني مع نبضاتي وكأنه نقر منتظم في الصدر كلّما تناهت إلى مسامعي أخبارٌ جادة حتى لو كانت مفرحة…!
فللوهلة الأولى من تلقي الخبر…
أي خبر مهما كان، سيخيفني للوهلة الأولى، حتى لو كان سعيداً، يكفي أن يكون غير متوقع ولا مدروس ليثير خوفي للوهلة الأولى، إلا أن خبر الخامس من يناير كان خبرًا يستحق الخوف فعلًا، إذ كنت أمكث في شقتي بمدينة جدة…
حيث أعمالي وسائر نشاطاتي التجارية هناك ، بأقصى الغرب من حدود الدولة في أبعد نقطة عن أهلي القابعين بأقصى الشرق.
وصلتني الصورة السوداء كلون شؤومها وهي تنعى خبر وفاة أحد أقارب الدرجة الثالثة.
وجدتني كالمعتاد خائفةً من وقع الخبر ومن كآبة الأفق الهادئة…!
فما يصاحب هذا النوع من الأخبار فراغ طويل ووقت مديد ولكنه غير مناسب لأي نشاطٍ البتة، فمهما حاولت أن أمارس أي شيء يلح علي ضاغط في صدري ويقول لي
" هل هذا هو الوقت المناسب؟ من أين لك هذه الأنانية والبلادة؟"
لا أعلم لعلي لم أوفق بالتوضيح لكنني متأكدة بأنني لا….
أريد أن أمارس أي شي على الاطلاق سوى الالتحاق بأهلي، فهناك سأجد الأمان، هناك سأرمي مخاوفي وأشعر بالطمأنينة.
وجدتني بالفعل أُلبي نداء الواجب متجهة إلى أهلي لالتحق بالعزاء، سأرى الجميع هناك يجب أن أراهم لاكون منقادة منصاعة للواجب بأمان…
توجهت إلى هناك جوًّا وخلال ساعة ونصف صرت بينهم وروعي قد هدأ، توجهت مع سائر عماتي حيث العزاء وقمت بتعزية أهل المتوفى رحمه الله كما ينبغي.
رأيت الحزن بادٍ على وجوههم وقد أحزنني، رأيت بكاءهم على فقيدهم وقد أبكاني،
لكن مالم أدركه حتى اللحظة…
ماذا لو لم يحزن اهل الميت ولم يبكوه؟
كيف ستكون ماهية مشاعري ازاء ذلك الخبر؟
لقد بكيت لبكاءهم وحزنت لحزنهم…!
ماذا لو لم يحزنوا ولم يبكوا؟
لم يخطر هذا التساؤل على بالي قبل اليوم، ولكني الآن أظن بأني لما كنت قد تأثرت سوى ترحمًّا على الميت ذاته لبضع ساعات متقطعة أو ليوم واحد…
بل إنني قد تشافيت من هذا الخبر بأسرع مدة يشتافى بها انسان، فما لبثت إلا أن تطمنت على ورثته وذويه حتى سكنت عن خوفي وبدأت الحياة تدب في الارجاء من حولي وبمن حولي أسرع مما كنت أظنه في ساعة تلقي الخبر، فحين تلقيت الخبر للوهلة الاولى شعرت بانتهاء كل شيء ولكن ما إن اجتمعت بأهلي…
وأهل المتوفى رحمه الله تلاشى بشكل تدريجي وسريع وقع هذا الخبر علي.
ليست قسوة قلبٍ مني ولا أنانية وعدم اكتراث، لكن هذا مابوسعي، بالإضافة إلى أنني لطالما شدت أزري إذا ما مسني الخوف دائما بمن هم حولي فاستفيق وهذا مايحصل فعلًا إثر كل خبر يصيبني بالخوف، ولقد رأيت الكثير من هذه المخاوف
وبفضل الله وبكل مرة تنجلي بابتسامة أحد عماتي، أو بزئير أبي أو أحد اعمامي وهو يوبخ أحدهم على أمرٍ تافه يدل على أن الأمور مستتبة، والدنيا بخير.
فلطالما شعرت بالطمأنينة إذا ما رأيت من اتخذته سيدًا علي يهتم لتوافه الأمور…!
على الدوام كنت اعتبر الموت دون وعٍ مني بأنه تجمع لنساء بعباءتهن السوداء ويبكين بصمت وحرقة لا أدركها حق ادراك.
كنت أظن هذا البكاء رحمةً وشوقًا للميت ليس إلا. فاتعاطف لمشاعر الرحومين المشتاقين، ولكن هناك شيء في أعماقي يقول"سيبرد هذا الشوق، فالزمن كفيل بغسل صدورهم"
لم تتجاوز نظرتي لموت أي شخص حدود هذه المشاعر العاطفية والتي كنت اراها عظيمة ومثيرة للشفقة على حدٍ سوا.
الرحمة نعم هي الرحمة التي تجعلني أرى حزن أهله فقط الرحمة.
فحينما أرى أشخاصًا اعتدت أن اراهم بأبها اطلالتهم بادق التفاصيل غير متأنقين ولا مكترثين باشكالهم فقط وجوهٍ تعتصر وشفاهن تختلج اتعاطف معه واشعر بالشفقة تجاههم، ولكن ما إن اراهم بعد حين قد عادوا لممارسة حياتهم…
حينها أشعر بأن الوضع قد عاد لسابق عهده وكأن شيئًا لم يكن.
هذه هي نظرتي للموت لسنوات طويلة في كل عمري كانت هكذا.
هذا ما اعتقدته دون أن أعي اعتقادي دون أن ادركه
فلو سألني احدهم قبل هذه اللحظه عن اعتقادي حول الموت لما استطعت أن أجيبه كما أخبرتكم لاني لم أكن أدرك هذا المعتقد…
الان فقط ادركت أن معتقدي حول الموت كان تافهًا وكان غير حقيقًا وبأن كنت جاهلةً لا أعي شيئًا في هذه الحياة….

جاري تحميل الاقتراحات...