#رمضان_كريم
تحت هذه السلسلة سأتكلم عن فنّ اختلاف الرأي وهو فنّ قلّ من يتقنه في زمننا هذا
تحت هذه السلسلة سأتكلم عن فنّ اختلاف الرأي وهو فنّ قلّ من يتقنه في زمننا هذا
وكم نحن في أمس الحاجة لأن نذكر أنفسنا به.
وقبل البدء أردت أن أذكر تجربة شخصية لي أثناء دراستي الماجستير في كندا قد تسهّل علي طرح ما أريد من أفكار.
يتبع...
وقبل البدء أردت أن أذكر تجربة شخصية لي أثناء دراستي الماجستير في كندا قد تسهّل علي طرح ما أريد من أفكار.
يتبع...
عندما كنت بصدد اختيار الكورسات (المواد) لدراسة الماجستير كنت استشير من سبقني وأحاول أن أجمع معلومات أكثر عن مختلف المواد والكورسات لكي يكون عندي تصور واضح قبل أن أقوم بعملية الاختيار.
لفت انتباهي أن أكثر من شخص نصحني بأخذ كورس له علاقة بطريقة التفكير العلمي. وكنت متردد في البداية. حيث أنني قرأت عن الكورس ولم أجد فيه المادة العلمية الدسمة التي وجدتها في الكورسات الأخرى. لكن من شدة مدح الآخرين لهذه المادة قررت أن أضيفها في سلتي
بدأت الماجستير وكنت أبحرت في محيط من العلوم وعمق كبير في مواد علمية دسمة وصعبة. أما كورس التفكير هذا كان بالنسبة لي غريب جداً.
يتبع...
يتبع...
كنا ندخل القاعة فإذا بالمحتوى مجرد كلام. او هكذا ظننت. كانت المعلمة كل درس تأتينا بضيف ومن ثم تتيح للضيف أن يطرح ما عنده من أفكار. كان تقريباً كل ضيف يأتي بشيء خارج عن المألوف!
ضيف يتكلم عن العلاج بالطاقة! ضيف يتكلم عن العلاج بالأعشاب، ضيف مقدم إعلامي، صحفي، الخ.
كنت وقتها في مرحلة من حياتي الطبية يمر بها كثير من الأطباء وهي مرحلة تجاوزتها ولله الحمد ولكن الكثير غيري لا زال لم يتجاوزها. وهي مرحلة الاستفزاز من أي طرح "غير علمي" أو هكذا ظننت.
يتبع...
يتبع...
كان من المميز في الكورس أن دكتورتنا المعلمة للكورس (بروفيسورة) تقدم الضيوف بكل احترام وتتيح لهم المجال لطرح أفكارهم التي نراها "غريبة" وكانت لا تستنقص من أفكارهم ولا تستهزيء بهم ولا تقلل من قدرهم. وكانت تعمل جاهدة على محاولة فهم طريقة تفكير هذا "الآخر".
ونحن كنا في ذهول كيف نتعلم في الكورسات الأخرى طرق العلم الحديث والدراسات العلمية المحنكة والإحصاء وغيرها ثم نأتي لهذا الكورس ليتحطم كل ماتعلمناه أمام ضيف يتكلم عن عشبة أو ضيفة تتكلم عن العلاج بالطاقة!
لم أفهم وقتها الغرض من هذا الكورس.
ولا اخفي عليكم كنت متذمر جداً، وحانق، وأصابني ندم على اختياري له. وكان يسليني أنه مادة خفيفة وغير دسمة وكنت أظنها سطحية.
يتبع...
ولا اخفي عليكم كنت متذمر جداً، وحانق، وأصابني ندم على اختياري له. وكان يسليني أنه مادة خفيفة وغير دسمة وكنت أظنها سطحية.
يتبع...
ويدور في ذهني كلام من نصحني بهذا الكورس وكنت في قمة الاستغراب. اذكر أن أحد البروفيسورات نصحني بهذا الكورس وقال كنت طالبا فيه وقال لي بأن معلمة الكورس البروفيسورة الفلانية هي نفسها التي درستهم وهذا الكورس أعظم كورس أخذه في حياته. وقال لي ضروري تأخذه.
كنت اتذكر كلامه واستغرب جداً.
كنت اتذكر كلامه واستغرب جداً.
اذكر في يوم من الأيام جاءنا ضيف معالج شعبي "كندي" من الهنود الحمر. وبدأ يتكلم عن الأعشاب ونحن مستفزون أيما استفزاز. ثم في النهاية قام أحد الطلاب وسأل ماهو الدليل العلمي على ماطرحه من أفكار!
يتبع...
يتبع...
السؤال كان وجيهاً لكن اسلوب طرحه للسؤال كان في الحقيقة مستفز نوعًا ما وفيه نوع من التعالي. الضيف رد بشيء من القسوة وقام بسرد تاريخ الهنود الحمر وإعمارهم للأرض الكندية مئات السنين ومن قبل أن يظهر العلم الحديث،
يتبع
يتبع
وأن آباؤهم وأجدادهم كانوا متناغمين مع البيئة واستخدموا البيئة في علاج أمراضهم واستمروا في إعمار الأرض بشكل سليم لفترات طويلة من الزمن
وبأن طريقتهم للعيش والعلاج نجحت لقرون عديدة فلا يحق لنا أن نأتي في آخر كم سنة من هذا الزمن الطويل السحيق ثم نهدم كل خبرات البشر بكل بساطة لكي نعتمد على دراسات علمية كثير منها ركيك ومتناقض.
طبعاً بدأ بعضنا يرى جزءا من طريقة تفكير هذا الآخر!
يتبع
يتبع
في أحد المرات الأخرى كان ضيفنا إعلامي.
ورأينا هذا الإعلامي كيف يرى الطب بعدسته الخاصة،
ورأينا هذا الإعلامي كيف يرى الطب بعدسته الخاصة،
مثلاً سبق إعلامي، خبر مثير، قصة يتداولها الناس، الخ
الإعلامي ليس عالم طب ولكنه يحاول جاهداً فيما آتاه الله من علم محدود في الطب أن يظهر المعلومة (وهو ليس من المتوقع منه ان يعلم التحليل العلمي الطبي لها) ثم يغلفها بغلاف إعلامي مثير ليكسب بها خبرً عاجل أو سبق إعلامي مثير!
الإعلامي ليس عالم طب ولكنه يحاول جاهداً فيما آتاه الله من علم محدود في الطب أن يظهر المعلومة (وهو ليس من المتوقع منه ان يعلم التحليل العلمي الطبي لها) ثم يغلفها بغلاف إعلامي مثير ليكسب بها خبرً عاجل أو سبق إعلامي مثير!
فيما كنا نحن في المجال الطبي لا يهمنا السبق الإعلامي بقدر مايهمنا صحة المعلومة نفسها.
يتبع
يتبع
كان في كل مرة يخيّل إلي بأن بيننا وبين كل ضيف في القاعة رقم ٧.
ومهما حاولنا جاهدين بأن نكسر من هذه المعلومات "المغلوطة" يكون هناك بالمقابل تفكير منطقي "نوعاً ما"يعتمد عليه الرأي الآخر.
في نهاية الكورس قامت معلمتنا بطرح منهجية علمية للتعامل مع الآراء المختلفة ودحض الإدعاءات. وقامت بتكليف كل منا بمشروع البحث عن إدعاء محدد في الطب ثم محاولة دحضه بالطريقة المنهجية التي علمتنا إياها.
انتهينا من الكورس والماجستير وعدت السنين. وكأن الكورسات العلمية الأخرى بقت على ماهي عليه عندي. وكورس طريقة التفكير هذا بدأ يكبر ويكبر ويكبر.
بدأت أفهم سبب مدح الناس لهذا الكورس. والصراحة كان بمثابة مفتاح لا زلت استخدمه عند كل طرح غريب في الطب. ولو يرجع الزمن لأخذت نفس الكورس ولنصحت فيه وهو أفضل كورس مر علي على الإطلاق.
وفهمت الغرض منه فقط بعد سنين من الانتهاء منه.
وفهمت الغرض منه فقط بعد سنين من الانتهاء منه.
ألا وهو:احترام الرأي الآخر! أنت ترى ٨ وهو يرى ٧، عدم التقليل من الآخرين ولو اختلفت معهم بالرأي، مناقشة الفكرة وليس الشخص الذي يطرح الفكرة (تجنب الشخصنة)، عدم الاستهزاء، عدم التنابز بالألقاب، إعطاء فرصة للطرف الآخر بأن يدلو بدلوه، عدم المقاطعة، الإنصات، الاحترام الاحترام الاحترام!
ثم في الأخير وفقط في الأخير يأتي الدحض! ولكن بطريقة علمية، بدون استهزاء، بدون تعالي، بدون تقليل من الآخر، بدون لبس نظارتك الشخصية التي ترى فيها الأمور ولم تكلّف نفسك عناء لبس نظارة هذا الآخر الذي يرى به هو الأمور بطريقة أخرى!
ياااااه على القيم! يااااااه على جمال الكورس!
استوعبت متأخر فعلاً ولكني حمدت الله أن أصل متأخراً خيراً من أن لا أصل أبداً.
ولمت نفسي على شيء. ألا وهو بأن هذه الدروس التي تعلمتها متأخراً هي أصلا من صلب ديننا ولكن لسبب أو لآخر كنت مقصر فيها أم غافلاً عنها. وبدأت أسأل نفسي:
ألم يستمع الرسول صلى الله عليه وسلم لكفار قريش وينصت لهم رغم أنهم على خطأ وهو على صواب؟
ألم يستمع الرسول صلى الله عليه وسلم لكفار قريش وينصت لهم رغم أنهم على خطأ وهو على صواب؟
ألم ينصت الرسول عليه الصلاة والسلام لعتبة بن ربيعة حتى أخرج جميع ما بجعبته ثم لما فرغ قال له: أفرغت يا أبا الوليد! إنصات، احترام، تأدب، استخدام أجمل الألفاظ "أبا الوليد"!
سألت نفسي ألم يقل الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام عندما ارسله يخاطب فرعون بأن يقولا له قولاً ليناً! لمن؟! لفرعون!
سألت نفسي نحن في قرآننا العظيم لدينا ما هو أعظم وأجل من كل ماتعلمته في الكورس وهي هذه الآيات العظيمة:
"يَاأَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُوا لَايَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًامِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ
وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"
"يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا"
ما أعظم هذا الدين!
أليست الحكمة ضالة المؤمن فأنى وجدها فهو أحق الناس بها؟!
أليست الحكمة ضالة المؤمن فأنى وجدها فهو أحق الناس بها؟!
ألسنا أحق بأن نعلم العالم أجمع أخلاقيات المسلم في التعامل مع الرأي الآخر؟
ألم يحن الوقت في عام ٢٠٢٢م أن نطبق ما نزل علينا قبل أكثر من ١٤٠٠ سنة! أن نتوقف عن الاستهزاء بالغير، أن نستمع للآخر، أن نحترم الرأي ولو لم نتفق معه، أن نتعلم منهجية دحض الرأي علمياً ونبعد عن اللمز والهمز والاستهزاء، أن ندحض الرأي بالعلم والفكر، أن نقول قولاً لينا؟
أن نبتعد عن اللمز والهمز والسخرية؟
قد يعتبر بعض من يقرأ كلامي بأن هذا كلام فيه مثالية ووو. ولكن سأقول لا بأس فأهلا بالمثالية التي تأتي من أوامر الله في قرآننا الكريم وأهلا بخلق الأنبياء.
خصوصاً في هذا الشهر الكريم، يكاد لا يمر يوم بدون مانرى في تويتر كمية هائلة من السخرية بالآخر، وإني أنصح نفسي أولاً والجميع ثانياً (من باب الدين النصيحة) بالبعد عن السخرية واللمز والهمز، من أي شخص كائن من كان، ومناقشة الطرح بشكل علمي رصين محترم،
تحترم فيه نفسك قبل الآخرين!
تحترم فيه نفسك قبل الآخرين!
وترضي به ربك في ليالي كريمة وأيام فضيلة، وليلة هي خير من ألف شهر!
فهل آن لنا أن نستمع للآخر؟
وهل آن لنا أن نتعلم مهارة فن الخلاف؟
أترك لكم الجواب!
وهل آن لنا أن نتعلم مهارة فن الخلاف؟
أترك لكم الجواب!
جاري تحميل الاقتراحات...