قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" ليست نَصًّا مِن القرآن الكريم، ولا نصا من السنة النبوية، إنما هي قاعدة استنبطها الفقهاء والأصوليون بتتبعهم للنصوص. والقائلون بها هم القائلون بتحريم المعازف والاختلاط والتبرج والسفور والمجون، وقد جعلوا للقاعدة ضوابط وقيود، وليست عبثًا على إطلاقها ..
ومعنى القاعدة: أن للإنسان أن يترخص ببعض الحرام إذا أضطر اضطرارًا، وهي مستفادةٌ مِن نحو قوله تعالى بعد تحريمه لحم الخنزير والميتة: ﴿فمَنِ اضطُرَّ في مَخمصةٍ غيرَ متجانفٍ لإثمٍ فإن الله غفور رحيم﴾، وقوله: ﴿فمَن اضطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه﴾ ..
ثم ضبطَ الفقهاءُ هذه القاعدة -حتى لا تُتخذَ غرَضًا لانتهاك المحرمات- بقاعدة أخرى، وهي "الضرورةُ تُقَدَّرُ بقَدْرِها"؛ فمَن اضطرَّ لأكلِ الميتة فلا يأكلُ كما يشاء، بل قيل: يأكل بقدر ما ينجو من الهلاك فقط، وقيل: حتى الشبع ولا يزيد ولا يتزوّد ..
ثم إن الفقهاء فرَّقوا بين الضرورات والحاجيّات، والضرورات هي التي لا يستقيم الأمر بدونها، بخلاف الحاجيّات، فإن الحياة تستقيم بدونها وإن كان في عدمها شيءٌ من المشقة.
والضرورات كذلك على درجات؛ فيوازن بينها، وبعضها أهم من بعض، وجعل الفقهاء أهم هذه الضرورات وأولاها بالحفظ: الدِّين ..
والضرورات كذلك على درجات؛ فيوازن بينها، وبعضها أهم من بعض، وجعل الفقهاء أهم هذه الضرورات وأولاها بالحفظ: الدِّين ..
والضرورات عندنا خمس: حفظ الدين، والنفس، والنسب، والعقل، والمال، ولا يُقدَّمُ حفظُ المال على حفظ الدِّينِ بحالٍ؛ فمَن أضرَّ بدينهِ بإحلالِ الحرام، وتحريم الحلال لأجل التزوُّدِ من المال، واحتج بـ" الضرورات تبيح المحظورات"؛ فقد خالف ما وضعت القاعدةُ لأجله، وخالف فقهَ واضع القاعدة ..
وفي الأخذ بهذه القاعدة بلا قيود ولا ضوابط مخالفةٌ لقوله جل وعلا: ﴿غيرَ متجانفٍ لإثم﴾، ولقوله: ﴿غيرَ باغٍ ولا عادٍ﴾؛ فتقديمُ الضرورة الأضعف على الضرورة الأهم بغيٌ وعدوان ومَيلٌ بقصدٍ للإثم؛ فما بالك بتقديم الحاجيات والكماليات على الضرورات! ..
ولا يجوز لإنسان مثلا أن يقتلَ مسلمًا بحجةِ أنّه مُكرَهٌ ومضطرٌ لقتلِهِ، ويقول: الضرورات تبيح المحظورات، قال ابن العربي: " ولا خلاف بين الأمة أنه إذا أكره على القتل أنه لا يحل له أن يفدي نفسه بقتل غيره، ويلزمه الصبر على البلاء الذي نزل به "؛ فهذه القواعد تؤخذ من فقه أهلها حتى تصح.
وانتزاعُ القواعد مِن سياقاتها كانتزاعِ النصوص الشرعية مِن سياقاتها بلا فرق، وكلُّ ذلك يؤدي إلى الانحراف في الأحكام والمعاملات، والمؤمنُ يراقبُ اللهَ تعالى فيما يختار، ويأخذُ العلمَ مِن أهلِه، وليس له أن يختارَ اعتباطًا، ويفهم اعتباطا، والله وليُّ التوفيق، ومن استهدى اللهَ هداه ..
جاري تحميل الاقتراحات...