في أحد نوبات الاكتئاب قبل تشخيصي توقفت عن الاستحمام وتمشيط شعري لمدة شهرين ونصف، كان وقت إجازة الصيف وكنت أرفض الخروج من المنزل، ورغم كل محاولات عائلتي لدفعي للاستحمام لم ينجحوا إلا بعد شهرين ونصف، ولشدة تشابك شعري قمن ثلاثة من اخواتي بالتعاون لتمشيط شعري، كان عمري 16 عاماً
قد يعتقد الكثير بأن الاكتئاب نتيجة لضعف الوازع الديني أو ضعف شخصية او غيرها من الاسباب غير المنطقية، لكن الاكتئاب بدأ معي من عمر 11 عاماً، وكانت أول محاولة انتحار لي بنفس السنة، كيف "لطفلة" بأن تتخذ قراراً بقتل نفسها، رغم انعدام الانترنت وقتها وكل وسائل الاتصال وأي مؤثر خارجي ؟
اليوم الذي قررت به أن انهي حياتي في بداية الألفين الميلادية، ولأني لم اسمع بمصطلح "الانتحار" كنت أتحدث لنفسي بأنه يجب علي قتل نفسي، ولانعدام مصادر المعلومات اخترعت طريقة للموت مستفيدة من أحد دروس مادة العلوم، ونفذت الخطة واغمى علي لفترة من الزمن وعندما صحوت أحسست بالغضب لأني حية
لكن وبعمر 11 عاماً اقدمت ثلاثة مرات على الانتحار وفشلت جميعها، فحدث شيء عجيب وهو أن يأسي من اليأس قادني إلى الحياة! وهذا ما حدث فعلاً حيث يأست من الموت فقررت العيش بكل ما أملك من قوة وهكذا فعلت حتى اصبح عمري 28 عاماً
لا أعلم كيف استطعت العيش بسلام حتى عمر 28 لكن كنت اعاني في الاهتمام بنظافتي الشخصية ونظافة غرفتي ويزورني اليأس من فترة لاخرى ليلقي علي تحية الموت، بعد زيارتي للطبيب النفسي شخصني باكتئاب Dysthymia والذي فيما بعد قاد إلى اصابتي بالاكتئاب المضاعف بعمر 28 عاماً
بعمر 28 عاماً عدت إلى فكرة الانتحار وتسلقت شرفة شقتي بمانهاتن في يوم ربيعي بارد لأقذف بكل شيء من الطابق الثالث، لكن فكرة صغيرة وجدت طريقها الى عقلي، كانت الفكرة تقول " إذا كان ما اعانيه لديه اسم فسوف أقضي عليه، وان لم يكن يملك اسماً حينها فسوف أنهي كل شيء"
وفي اليوم التالي ذهبت إلى أول شخص وجدته في طريقي لطلب المساعدة وكانت امرأة كاثوليكية، استمعت إلي بانصات تام وصادف بأنها تحمل شهادة ماجستير في علم النفس، وقامت بنفسها بحجز موعد لي لمقابلة طبيب نفسي لأول مرة في حياتي، حينها عرفت فقط بأن كل ما كنت اقاسيه يحمل اسماً بشعاً .. "اكتئاب"
أجرى لي الطبيب النفسي اختبارات نفسية لقياس شدة الاضطرابات النفسية، وتم تشخيصي بنفس اليوم بنوبة اكتئاب حادة ورهاب اجتماعي وقلق معمم، وبدأت بتناول أول جرعة دواء نفسية في شهر ابريل عام 2018 وفي اليوم الخامس من تناولي للادوية احسست ببعض الفروقات
عندما أردت أن أجهز فطوري قبل الذهاب للجامعة لاحظت بأن أحد الخرق القماشية التي استخدمها في التنظيف اصبح لونها أحمر فاقع على غير العادة، وأيضاً تسللت خيوط الشمس الذهبية فلامست بشرتي واحسست بشعور دفء الشمس لأول مرة منذ اكثر من سنة، وأيضاً شعرت بأن مزاجي اقل تعكراً مما اعتدت عليه
أي سحر وصفه لي هذا الطبيب! لقد كنت مثل الغالبية اشكك في فعالية الأدوية لكن اختبرت تأثيرها شخصياً واصبت بالذهول، عندها ادركت فقط بأن هذا الوحش يمكن قهره وهزيمته، عندها قررت مواجهة الاكتئاب وجهاً لوجه مغترة بالتحسن البسيط الذي احسست به، لم أكن اعلم بأنه سيطرحني ارضاً مرات عديدة!
وللأسف رغم بدئي في رحلة العلاج إلا أن الاكتئاب بدأ يشتد، كنت اعاني من مشاكل في النوم ووصل بي الحال إلى اني أصبحت أكتفي بقيلولة لمدة 20 دقيقة وابقى مستيقظة بقية 23 ساعة و 40 دقيقة، استمريت على هذا الحال ثلاثة اسابيع حتى علمت المرأة الكاثوليكية برداءة ساعات نومي فقامت بحجز موعد آخر
وصف لي الطبيب اول جرعة تصرف لي من الحبوب المنومة، وبعد استخدامي لها اصبحت أستطيع النوم لمدة ثلاث ساعات خلال اليوم والليلة، لكن الاكتئاب اصبح أسوأ وبدأت اعاني من نوبات انفصال عن الواقع لدرجة اني فقدت طريق العودة لشقتي وبقيت أراقب المارة لمدة تزيد عن 40 دقيقة وكأني جسد بلا روح!
عندها اتخذت احد أصعب القرارات في حياتي، وهو ترك جامعة أحلامي والعودة للوطن خالية الوفاض، لم يكن القرار سهلاً أبداً لكن وصل بي الحال لدرجة بدأت افقد فيها رجاحة عقلي، وأصبحت اقترب أكثر واكثر من القفز من شرفة شقتي بدون حتى النظر إلى الخلف
أيضاً ما دفعني إلى العودة هو اكتشافي لاستغلال المرأة الكاثوليكية لي ولمرضي، كانت تستغل أي فرصة لتضعف عقيدتي وتدخل الشك بقلبي، كنت حينها قد توقفت عن أداء الصلوات لأول مرة في حياتي رغماً عني، وكانت عديمة الانسانية تشجعني على ترك الصلاة والذهاب معها إلى الكنيسة، لكنها لم تنجح بجري
كنت خائرة القوى ضائعة لا أستطيع حتى إطعام نفسي، أتذكر أيضاً باني توقفت عن تناول الطعام لمدة ستة أيام واكتفيت بقهوتي السوداء وبتفاحتين، كما توقفت عن الحديث لمدة ثلاثة أيام متتالية لدرجة ان شفتي إلتصقتا ببعضهما البعض، أتمنى لو كنت ابالغ فقط لكن والله ثم والله هذا ما حصل معي
تم ابلاغ القنصلية السعودية بخبر مرضي الشديد وقد تكفلوا بكل اجراءات عودتي للوطن، كما أنهم عينوا موظفة لتبقى على اتصال دائم معي حتى أضع قدمي على رحلة العودة، لا أتذكر الكثير من تفاصيل العودة فقد كنت أعيش في عالم موازي لا يمت للعالم الحقيقي بأي صلة
الاستعداد للعودة كان كالجحيم، فقد قمت ومن فرط يأسي بالجلوس وسط امتعتي لا أستطيع حتى حزم حقيبة واحدة، عندها استعنت بعدوتي التي لا تعلم بأني كشفت لعبتها لمساعدتي لحزم امتعتي، أتت هي وشقيقتها لمساعدتي، وقلت لهما لا يهمني ماذا تضعون في الحقائب المهم هو أن أعود للسعودية بأسرع وقت
أتذكر مغادرتي لشقتي وهي لازالت مليئة بالكثير من الممتلكات الثمينة، لكن بلحظتها شعرت بتساوي الجنة والجحيم بنظري، لكن السيدة الكاثوليكية احسنت صنعاً بجمع كل الوثائق المهمة ووضعها في حقيبة اليد لسهولة الوصول إليها، لم انم ليلتها ولا اليوم التالي ولا خلال رحلة العودة الطويلة!
لم أشعر بالوقت خلال رحلة العودة رغم بقائي بمفردي وبدون مشاهدة أي فلم خلال الرحلة كاملة، لا أتذكر عدد المحطات التي توقفت بها كنت حقاً اعيش بعالم موازي آخر، وعندما وصلت لأرض الوطن استقبلتني عائلتي وهم محملون بالتساؤلات غير المنتهية، لكن سرعان ما صدموا لرؤيتي وأنا كالجثة خائرة القوى
لا أتذكر أيضاً الكثير مما حدث بعدها، لكن أتذكر توقيعي على ورقة الانسحاب رسمياً من جامعة أحلامي لعدم استطاعتي على مواصلة المسير، كنت حينها اعاني من صعوبات بالغة في النوم وتأدية الصلوات والأكل والشرب والاعتناء بنفسي، وكأني فقدت كل مهارات العيش الأساسية!
كانت أول زيارة للطبيب النفسي في السعودية صادمة، إذ قال لي الطبيب بأن الخطة العلاجية التي وصفت لي من طبيبي الامريكي لا يمكن استكمالها هنا لعدم توفر الأدوية، وقام بوضعي على خطة علاجية عقيمة زادت من حالتي سوءً، علمت لاحقاً بأن الأدوية بخطة علاجي السابقة متوفرة لكن الطبيب كان جاهلاً
وعندما فقدت الأدوية النفسية سحرها فقدت ثقتي بها وبالطب النفسي وقررت محاربة الاكتئاب لوحدي، بدأت بالبحث عن عمل أي عمل حتى بدأت شيئاً فشيئاً انخرط مع بيئة العمل ونميمة العاملات، استمر عملي لمدة سبعة أشهر، كنت فيها قمة في الانضباط بكل شيء، حتى أنني أمارس الرياضة مرتين باليوم!
خلال السبعة أشهر كنت ادعي الله سراً بأن يأخذ امانتي ويريحني من هذا العذاب، لم يبق مرض عضال إلا ودعوت الله أن يصيبني به، كنت رغم الاشراق المزيف الذي كنت ابعثه لمن حولي، اضمر لنفسي أبشع وأحقر طرق الموت التي عرفها التاريخ، ولدهشتي لم يصبني شيء حتى انهرت أخيراً بعد نهاية الشهر السابع
وفي أحد الأيام وبلا مقدمات قمت بشق ذراعي بأداة حادة 25 مرة لازالت آثارها على ذراعي حتى اليوم، كانت هذه الحادثة هي التي جعلت عائلتي تستوعب حجم مصيبتي ولكن للأسف لم تكن هذه سوى البداية
عندها سارعت عائلتي لمحاولة حل المشكلة وبسبب ضعف التوعية اختارت عائلتي البدء بالرقية الشرعية، خلال زياراتي للرقاة لم أكن اتأثر بشيء لأني كنت جسداً بلا روح، لكني أتذكر قارئة مسنة همست لوالدتي في اذنها وقالت:" ابنتك تعاني من مشكلة نفسية مكانها ليس هنا" ومن هنا بدأت زياراتي للأطباء
لا أتذكر ترتيب زياراتي للأطباء لكن خلال شهر واحد كانت عائلتي تذهب بي إلى كل طبيب نفسي معروف في منطقتي، وزاد وضعي سواءً حتى أصبحت أزور الطوارئ بانتظام لمداواة الجروح التي اتسبب بها لنفسي، كنت خارج السيطرة تماماً وليس لدي شيء اخسره وكنت أؤذي نفسي عند كل فرصة وبأقرب أداة حادة
كنت اعجز عن النوم لعدة أيام وكان افراد عائلتي يتناوبون على مراقبتي في الليل والنهار لحمايتي من نفسي، رغم ذلك كنت اتملص وأسرق أدوات حادة لاستخدمها لأذية نفسي وبأبشع الطرق الممكنة، وخلال أحد زياراتي للطوارئ نصح الطبيب النفسي المناوب عائلتي بوضعي في تنويم الصحة النفسية للمرة الأولى
أيضاً لا أتذكر الكثير من تفاصيل التنويم الأول لكنه كان سيئاً وازدادت حالتي سوء وقد قامت أحد الطبيبات في قسم التنويم بنصح عائلتي لاخراجي ضد النصح الطبي والبحث عن مركز تنويم آخر، وتم اخراجي وأنا بحال اسوء وكأن الاكتئاب نفسه يشعر بالحرج من سوء وضعي وكأن الأمور لا يمكن ان تكون أسوأ
سافرت وعائلتي لمدينة أخرى وتم وضعي في مصحة نفسية أخرى وكانت حقاً بدايتي في التحسن، كنت خلال الأيام السابقة فاقدة للوعي والادراك بشكل كامل وعندما عدت إلى رشدي في اليوم الخامس من مكوثي في المصحة الثانية، نهضت من السرير وتوجهت لاقرب ممرضة وسألتها:" ما هو اليوم؟ وكم قضيت يوماً هنا؟"
في نفس اليوم اجتمعت مع طبيبي النفسي الجديد لأول مرة (على ما أعتقد) وما إن بدأت بالحديث حتى بدأت بالبكاء بشكل هستيري ولم استطع التوقف رغم محاولة الطبيب والممرضات، كانت هذه الأحداث في عام 2019 حين بدأت رحلة العلاج بجدية بعد التخبط لوقت طويل
كنت أقضي أيامي بالبكاء بعد أن عدت إلى رشدي لاني وجدت نفسي بلا هوية ولا مستقبل وقد خسرت مستقبلي الدراسي والوظيفي، خسرت الكثير بالفعل وكنت أمر بمرحلة رثاء لكل شيء خسرته ولم أجد بداً من البكاء
تحسنت حالتي بعض الشيء وقرر الطبيب اخراجي للحياة الواقعية، كان التحسن بطيئاً لكن كنت اعاني من انتكاسات كثيرة دفعت بي للدخول للمرة الثالثة للمصحة النفسية لسوء حالتي، كان الطبيب يغير بخططي العلاجية بشكل مستمر وكأنه في سباق مع الزمن ليجد الخطة العلاجية المناسبة لي
وتعاقبت الأشهر والانتكاسات حتى أصبح جسدي خريطة لا تكذب موضح فيها كل انتكاساتي وهفواتي، اذكر بالتحديد أحد الجروح الغائرة التي تطلبت تقطيباً، لازلت اذكر عدد الغرز ... 12 غرزة تصرخ في وجه الجميع بأن يخلصوني من معاناتي
خلال الأعوام 2019-2020-2021 تم ادخالي للمصحة النفسية خمس مرات بسبب اذيتي لنفسي بشدة أو محاولاتي الفاشلة للانتحار، لكن خلال مكوثي في المصحة النفسية للمرة الخامسة تمكن الطبيب من معرفة سبب تعرضي للانتكاسات بشكل متكرر، لقد كان بسبب متلازمة اكتئاب ما قبل الحين او كما تعرف بـ PMDD
خلال معاناتي مع الاكتئاب أصبت بالاكتئاب المزمن من سن 11 إلى 28 ثم الحاد من 28 إلى 29 ثم اكتئاب ما قبل الحيض من 29 إلى 30 والان أنا بعمر 31 ولم اصب بأي انتكاسة أو نوبة اكتئاب منذ ثلاثة أشهر بعد أن توصل طبيبي النفسي للأدوية والجرعات المناسبة
رحلة العلاج شاقة جداً وقد تكون من أصعب وأسوأ ماقد تصادف خلال حياتك، لكن نهايتها رائعة وتستحق بذل الغالي والنفيس من أجلها، خلال رحلتي اعتمدت على العلاج النفسي بالأدوية ثم العلاج النفسي بالجلسات ثم محاولاتي المستمرة للخروج من وحل الاكتئاب وأخيراً وليس آخراً دعوات حملت اسمي الى الله
لمن لا يحب القراءة يتواجد النص بصوتي على ساوند كلاود
soundcloud.com
soundcloud.com
جاري تحميل الاقتراحات...