منصور الحذيفي
منصور الحذيفي

@mansour1917

11 تغريدة 72 قراءة Jan 28, 2022
نشأتُ في قريةٍ حتى بلغتُ سنَّ الشباب، ثم سكنت المدينة مثل ذلك أو قريبًا منه.. ثم عدت إلى القرى على فترات متقطعة، وأزعم أنني عرفتُ كثيرا من الفروق بين العيش في القرية والمدينة، وخبرتُ مزاياهما، فإذا عدتُ إلى ذاكرتي الخؤون سحّت لي في ذلك بما يرضيني على غير عادتها..
=
وإني لأظن أن من لم يعرف إلا المدينة قد فاته كثيرٌ من حسناتِ القرية،فإذا كان معنى العيش في مكانٍ هو أن تتصل بكل ما فيه،وتربطك بمجتمعه وشائجُ متينة، وتسكنك ذكرياتٌ عزيزة من كل زاوية من زواياه،وأن تتعمق فيك مسراته وأحزانه أضعافَ ما لو عشتَ في مكانٍ آخر=فإن للقرية من ذلك أوفر نصيب
=
وشتانَ بين المدينة والقرية في ذلك، إلا إذا استثنينا من المدينة تلك الأحياء التي هي أشبه في شكلها وروحها بالقرى، فإن فيها كثيرا من مزايا القرى.
وأول ما يلفت النظر من تلك الفروق: مجتمع القرية.. إن الترابط الشديد بين أفراد مجتمع القرية لا يخفى على أحد..
=
لا أريد أن تكون هذه السلسلة جافّة جفافَ الدراسات (الأكاديمية) فدعوني من التنظير ولْأذهب إلى جمال التجربة.. إن ما جعلني أكتب هذه الكلمات هو دفقةُ الحدَب واللطف التي تلقّيتها ليلةَ البارحة من أحد كبار السن في القرية التي أقيم فيها الآن.. وذلك أنني حظيت بمجلس اثنين من الآباء
=
وأؤكد على لفظة (الآباء) فكثيرٌ من الكبار هنا في القرية آباءٌ حقًا..
أقول إنني حظيت بمجلس أثيرٍ معهما، وكان الجو باردًا بعض الشيء، وفيما كنا نتحادث هبّت هبّةٌ باردة، فقال أحدهما -وأؤكد هنا أنني لا تربطني به أي صلة قرابة ولم أعرفه إلا من أيام- قال: أخاف عليك يا ولدي من البرد…
=
أصدقكم القول أن كلمته أخذتني بلطفها وبالنبرة التي قيلت بها..منذ زمنٍ طويل جدا لم أسمع هذه الكلمات من غير والديّ ومن تربطني به صلةٌ وثيقة..كانت الجلسة كلها دفقاتٌ من المتعة وحلاوة الحديث والذكريات حتى جاءت هذه اللمسة الحانية والكلمة الودودة فذهبت بي من النشوة والاغتباط كل مذهب!
=
كان مجلسنا في الهواء الطلق كما أشرت، بجوار البيوت القديمة المبنية من الحجر، التي تتوسط البيوت الحديثة، وتتميز بها كل القرى في جنوب المملكة أو جلُّها، وكأن الأبوين الكريمين قد علما تشوُّفي لأجواء القرى، أنا القادم من جفاف المدن، السجينُ بين جدرانها الإسمنتية المصمتة…
=
فجادا على روحي الظامئة بهذا المجلس العذب النمير، وعبرا بي عشراتِ السنين إلى طفولتي وفتوّتي المفعمة بجمال القرى وروعتها وصفائها..
كان الأبُ الآخر أكبرَ سنًا، وأبعدَ ذكرياتٍ في الزمن.. كان يحكي لنا عن أزمنةِ الجوع، وكيف كان أحدهم يفرح ب(شِتفةِ القُرص) من الدخن والبر
=
وحكى أنه نزل في فتوّته هو ورفيق له -وهما في غاية الجوع والجهد- برجل، فرحّب بهما، وبدأ يجهّز لهما (قُرصًا أو قرصين) من الدخن مع شيء من السمن، فجاءت زوجة هذا الرجل من عملها في المزرعة (البلاد) وأخذت تلوم زوجها في استضافتهما وتستهزئ بكرمه بمسمعٍ منهما، والرجل في حرج شديد منهما
=
حتى اعتذر إليهما مما سمعاه،وأكمل ضيافتهما، وهما-كما يقول الأب الحاكي- في شُغُلٍ عما قالت بجوعهما وتشوّفهما للأكل وإن أصابهما شيء من الحرج.
ثم بعد أن أكلا اعتذرت المرأةُ إليهما وطيّبت خاطرهما بكلامها،وعند خروجهما من عنده أبى كرمُه إلا أن يزوّدهما بـ(قرصٍ)آخر وهما في غاية السرور
=
ما أجمل هذه الأحاديث وأهلها،وما أشدّ حرمان من يُعرض عنهم،فهم مع مرِّ الزمن في تناقصٍ شديد، ويوشك المرء أن يتلفّت فلا يرى منهم أحدًا.
هذا هو الحديث الذي ظل يُلحّ عليَّ منذ مجلس البارحة لأكتبه، فكتبته بغير نظامٍ،ولااستيفاء لجوانبه، وفهمكم ولطفكم يسدُّ خللَه، ويغفر زللَه، والسلام.

جاري تحميل الاقتراحات...