صـالـح | T1D
صـالـح | T1D

@T1D_Saleh

34 تغريدة 48 قراءة Apr 03, 2021
في مثل هذا الوقت من كل عام يكثر الحديث عن الصيام، وكيف يمكنني كمصاب بـ #السكري_الأول أن أصوم؟!
وعلى صحة السؤال والبحث عن الإجابة له، لكن اعتقد أنه من المهم كذلك أن اسأل كمسلم أولا وكمصاب تالياً: "لماذا -بالأصل كمسلمين- نصوم ؟!!" قبل "كيف نصوم ؟!!
كغيري استمتعت واستفدت من المحاضرة التي قدمتها @dia_tec ، وأعجبت بوجود اختبار يساعد المصاب بتقييم مناسبة الصيام له من عدمه، ومن الواضح أن هناك شريحة كبيرة منا أولي #السكري_الأول لا تنصح به، ولهذا أرغب بأن أطرح بعض الأفكار، أتمنى كما خرجت من القلب بكل تقدير ومحبة أن تصل كذلك للقلب.
شرعَ الله العبادات ليتمثل كمال الانقياد والانصياع لأوامره تعالى، فيترك عبده ملذات الحياة وشهواتها ابتغاء لرضاه، فينهض من نومه ليصلي، ويستقطع من ماله ليزكي، ويمتنع عن الطعام والشراب ليصوم.
إلا أنه سبحانه كما أوجبها في حالات، خففها كذلك في حالات، بل أمر بتركها في حالات أخرى.
فالصلاة تفرض بشروط كالطهارة.
والزكاة ببلوغ النصاب.
والحج بالاستطاعة.
والصيام هو الآخر بالإقامة والقدرة، فلا يجب الصيام على المسافر ومن يعاني من ظرف صحي كالمريض.
لم يسبق لي أن سمعت عن مسافر -في طريق سفره- يتحرج من قصر الصلوات وجمعها؟!
وحتى بالزكاة، لم يذكر أن شخصا لطم حظه بأنه لم يصل النصاب ليخرجها!!
إذا لماذا نجد تحرجاً وممانعة من الأخذ بالرخصة للإفطار بالذات؟!
باعتقادي أن هناك مسوغات قد تفسر تجاوز الصحة و الخطأ عند تحليل هذا الأمر.
الاشكالية -باعتقادي - بأن رمضان على جوهره وأصله كموسم للتزود بالطاعات، والتقليل من حظوظ النفس، إلا أننا قد نتفق كذلك أن طغى بُعد اجتماعي زاحم هذا المقصد الروحاني، وأثر كثيرا على أسلوب الحياة، وتحقيق حتى المقاصد التي من أجلها فرض الصيام، كأن يكون الليل سهر، وطيلة النهار نوم.
إن عدنا لعهد قريب فلن نجد أن هناك فرقا بيناً في أسلوب حياة أسالفنا في رمضان عن غيره، سوى بضع سويعات يستقطعونها من نومهم للتهجد.
بينما نجد في عصرنا أن ساعات العمل والأنشطة الاجتماعية تنقلب رأسا على عقب فيه، لدرجة توهم الشخص -أول الصباح- أن المدينة قد خلت من سكانها.
وعلى الرغم مما يروى من "فعاليات" اجتماعية لكن كانت -في مجملها- لأغراض تضامنية وتكافلية بين أفراد المجتمع، ينتهي معظمها بعد التراويح.
بينما جل الأنشطة في وقتنا تبدأ مع الإفطار، ويغلب عليها إضاعة الوقت، قد تطغى فيها الكلافة على الودية، توصف باستهلاكية أكثر من تضامنية.
ولهذا من تعرف على وافد لبلادنا ليس بمسلم -خاصة إن كان أعزباً- ورغم وجود المطاعم وتقبل المحيطين به يجده من تلقاء نفسه يحاول أن يتماشى مع الكرنفال الاجتماعي، فيقنن وجباته نهارا لدرجة اكتفائه بشرب الماء مثلاً، ويغير ساعات نومه، فقط حتى لا يفوته شيء من هذه الأجواء الغير مألوفة مساءً.
فوجبة السحور التي ما سنت من الأساس إلا كوسيلة للتزود بالطاقة لصيام اليوم، تعد في عصرنا مناسبة اجتماعية يدعى لها ..
فقط تخيل أن تلبي دعوة أو تفتح أبوابك منزلك بعد الواحدة فجراً لمناسبة اجتماعية!!
قطعاً لا ادعو للعزلة، لكن المقصد أن أوضح أنه مهما بلغ الشخص من الالتزام بأسلوب حياة صحي، قد يواجه تحدياً بسبب الضغط الاجتماعي للاستمرار -في رمضان- على ما كان عليه من انتقاء وجبات، أو انتظام ساعات النوم قبله.
فأنشطة لا تعرف إلا في رمضان، وأصناف لا تعد إلا فيه، بل لا أظن هناك وجبة -طيلة العام- يجتمع عليها أفراد العائلة كوجبة الإفطار، يكون مجمل الحديث فيها عن نهارهم وصيامهم.
وعليه من الطبيعي أن يشعر الشخص -كجزء من كونه كائن اجتماعي- بحرج أو توتر من عدم قدرته على مواكبة طقوس الآخرين.
"تقدير الذات" يأتي جزء منه من خلال مقارنة الشخص لنفسه بالآخرين، والتأمل بحاله وحالهم، وعليه وبسبب التفكير الغير المضبط أحيانا، قد يتوهم الشخص أن قيام أغلب أفراد المجتمع بنشاط أو تصرف وعدم استطاعته مجاراتهم، دلالة على ضعف وقصور أو وهن فيه.
كثير من سلوكيات ماهي بالأساس إلا حيل دفاعية نفسية، تبطن خلفها دوافع -كثيرا- لا ينتبه لها الشخص نفسه أو الآخرين في تقييمهم لقرارته وسلوكياته.
"لست أقل منهم، فقط قليل من الجهد واستطيع"
"لست مريضاً لهذا الحد؛ لكيلا أصوم"
هذه قد تكون تفسيرات للممانعة، وليس كما يظهر كعناد فحسب.
أعي بوضوح الرغبة بالهروب من الجهل و النظرة السلبية الشائعة عن #السكري_الأول، والتفسير -الخاطئ- لتكرار قياس السكر، أو لكثرة أخذ الجرعات، وكذلك الإفطار، بأنها إشارات لتفاقم وسوء الحالة الصحية، مما قد يؤثر على فرص الترقية مهنياً، أو على فرص الزواج أو غيره اجتماعيا.
وقد نتفق جميعا أننا في مرات نقوم بأمور لا نقتنع بها؛ لمجاملة اجتماعية، أو لتحقيق غاية نفسية.
لكن هذا قد يجدي مع الأمور الحياتية، لكن عندما تكون الغاية التعبد لله فلا يجوز وليس من الأدب معه سبحانه أن تكون لغير طاعته والامتثال لأمره أولوية لقيامنا بالعبادة المفروضة من تركها.
باعتقادي أن المشكلة هي عندما غُيب الجانب الشعائري والروحاني من الصيام، إذ تحول لطقوس اجتماعية سنوية، ومجال لإثبات الذات، بينما هو في الأصل: عبادة للعبد خالصة منه لربه، حري به ألا يُشرك بها أحداً، سواء نظرات وآراء للآخرين، أو بجعله وسيلة للهرب من عقدة نقص -يتوهمها- المرء عن نفسه.
الصيام -من الأساس - ليس بمناسبة أو منافسة اجتماعية ليتحسر المرء على تفويته، وعدم المشاركة فيه، إنما عبادة كغيره من العبادات، تجب بشروط، وتسقط بعدم توفر تلك الشروط، حاله كحال الصلاة، والحج، والزكاة.
فلا مسوغ ديني لرفض الإفطار لـ #السكري_الأول إن تبين أن الصيام ليس بمناسبا له.
أعود للسؤال الذي بدأت به "لماذا نصوم؟!"
في الحديث القدسي يقول الله عز وجل:"كل عمل ابن آدم هو له، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به، وإنما يذر ابن آدم شهوته وطعامه من أجلي"
فمن أجل رضى الله وطاعة له نصوم.
ومن أجل رضاه سبحانه وطاعةً كذلك نفطر؛ إذ ترتب على الصيام ضرر يصيب أجسادنا.
إفطار #السكري_الأول المعذور ليس دلالة ضعف عزيمة، ولا تساهل منه بأمور الدين، إنما استشعار لرحمة خالقه به، والامتياز منه سبحانه لعبده، فغيره يبتلى بالجوع والعطش والتعب، وهو كمن نال أجرهم إلا أنه مفطر.
في الحديث: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً".
ديننا ومقاصده أعظم من فكرة "َضبط السكر" كسبب لإفطارنا -كمصابين بـ #السكري_الأول- أو صومنا، فديننا من أهم مقاصده إعمار الأرض والإنجاز.
البعض قد يستأذن من العمل في يوم؛ فقط لكيلا ينخفض السكر أكثر فيفطر!! و البعض يرضى بضعف التحصيل الدراسي لأجل أن يتم صيامه!!
لماذا؟!
وما الداعي له؟!
كلنا قد يستطيع الصيام مع جهد إضافي لضبط مستويات السكر، لكن من عظم رحمة الله أن الأعذار مرتبطة بالمشقة محتملة الضرر، فما بالك بالحتمية؟! وجعل من اتباع رخصته وإذنه لعبده بالفطر من أحب الأعمال إليه سبحانه.
في الحديث: "إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه".
المسألة ليست بإتمام الصيام بدون ارتفاع حاد أو انخفاض يقطعانه، وبعيدا عن الإرهاق -المقدر شرعاً- الناتج من متابعة السكر لضمان استقراره بالمستويات المطلوبة، لكن هناك معضلة متعلقة بالمستويات المتحققة خلال ساعاته.
أعجب من القبول بمستويات تصل إلى 180 mg/dL فقط لأجل إتمام الصيام!!
أعيد للمرة الألف:
لا يحكم على صحة الجسم وتأثير مستويات السكر عليه بناء على الأعراض التي يُشعر بها؛ فالجسم الذي يعتاد على مستويات عالية، قد لا يُظهر أعراضاً كالعطش وغيره من أعراض الارتفاع،لا دلالة عدم تأثير وخطورة ذلك عليه، بل لأنه اعتاد وألف هكذا مستويات فلم يعد يبدي أعراضا.
فمن الأمور المحزنة فرح #السكري_الأول بإتمام الصيام عن الأكل والشراب، لكن على مستويات سكر مرتفعة، والتذرع بعدم الإحساس بأي إرهاق أو تعب، بينما قد يكون قد آذى جسمه وأعضاءه لكن بدون أن يشعر.
يقول البعض: "شهر ما يضر" .
وأنا أقول: شهر ما يضر -جدلاً- إن كان #السكري_الأول مفطراً غير ممتنع عن شرب الماء والسوائل على الأقل، لكن بأي عقل ومنطق يكون مقبولا على مستويات سكر لا ينصح بها، إضافة لتعريض الجسم لعوامل الخطورة ومنها الجفاف..
يجب ألا ينسى المسلم أن ربه سيسأله عن إيذاء جسده بأدائه فرضاً متجاهلاً الضرر على حياته، في الأصل هو غير ملزم بأدائه، فكأنه يتقرب ويبتغي الأجر بفعلٍ ما يجعله عرضة لعذاب الله بسببه!!
في الحديث: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع" ومنها: "جسده فيما أبلاه"
لا أتالى على الله، ومحسن الظن أن سبحانه لن يحاسبني على التجاهل الآتي من قلق و اجهاد، ولا بالقرارات الخاطئة بعد تقدير واجتهاد، لكن أخشى أن يحاسبني بفعل أمر أضر ببدني، وهو قد أذن لي بتركه.
لتصور عظم المكابرة والصيام مع احتمالية ضرره، هو ما ورد في الأثر للصحابي الجليل أبي هريرة، عندما وجد أناساً يلتمسون البرد تحت ظل نخلة؛ هرباً من حر الشمس، ومعهم شخص قد أنهكه الصيام، فقال -رضي الله عنه-: "ما حمله على ألا يفطر؟! قد رخص الله له، لو مات ما صليت عليه". !!
فالصيام مع عدم مناسبته، أو إكماله مع حدوث انخفاض أو ارتفاع في معدل السكر يستلزمان قطعه، ما هو إلا قلة عقل، ومن إساءة الأدب مع الله، واستكبار عن رحمته، واستهانة بنواهيه.
في القرآن: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً".
فإن قدر الله على #السكري_الأول بأن يكفيه عناء الصيام، أو أن يقطعه لسبب ما، فالحري به ألا يحزن، بل عليه أن يحمد ربه، ويستشعر فضله ورحمته بعبده، وليردد: "الحمد لله الذي أطعمني وسقاني من غير حول مني ولا قوة".
فربه سبحانه إذ أنعم عليه فأفطر، ابتلى غيره فصام.
وليس بالضرورة أن يفطر #السكري_الأول المعذور أمام الآخرين وأن يخبر القاصي والداني بأنه لم يصم، الأمر عائد للشخص، المقصد هو عدم تعريض نفسه للخطر والإرهاق العائد من الصيام، وليشارك الآخرين إفطارهم وإن سأله أحدهم إن كان صائما؟ فليقل: "إن شاء الله أني صائم"؛ فالصوم ليس عن الطعام فحسب.
وإن كانت الحسرة على تفويت الصيام، فرمضان ليس بنهاره فقط، بل أن ليله قد يفضل على نهاره، فالإكثار من ذكر لله، وقراءة القرآن، وقيام تلك الليال، وكل أعمال البر من مساعدة للمحتاج، وإفطار للصائم، وغيرها قد ورد فيها الثواب العظيم.
فلم يفت شيء، وبقي من فضل الله الكثير.
أسأل أن يبلغنا الله وإياكم الشهر الكريم، وأن يوفقنا لصيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيه عنا، وأن يتقبل أعمالنا، ويتجاوز عن تقصيرنا، وأن يعيد رمضان علينا وعلى أهلينا سنوات مديدة ونحن بأتم الصحة والعافية في الدين والبدن.

جاري تحميل الاقتراحات...