أهم شي بالرحلة كان هدفها: هل أقدر أني أقضي فترة طويلة نوعاً ما مع نفسي وحيداً دون ملل وأخرج سعيداً؟ الكثير منّا يتهرّب من قضاء الوقت مع النفس بطرق مختلفة من أكثرها انتشاراً: إحاطة نفسك بالآخرين أو الجوّال. هدف الرحلة كان الاستغناء عن الناس والجوال والتعرّي أمام الذات.
الوجهة الرئيسية لم تكن عمان وإنما نيبال. وتحديداً، ممارسة طقوس التأمل الصّامت [vipassana] لمدة ١٠ أيام. ما ودي أستطرد عن التأمل الصامت، لكن هذا مقال جيد عن الموضوع للمهتمّين. ليش ما رحت نيبال؟ خُفت. medium.com
كان ودي يكون عندي مرونة أعلى بأول رحلة أسويها لحالي وبدون ناس أو انترنت. لو رحلت نيبال، كنت رح ألتزم بجدول وحسيت إنه في هذا نوع من التقييد. سقت السيارة لين عُمان، وحذفت كل التطبيقات اللي تمكني من التواصل مع الناس منذ بدأت القيادة. كان أول سؤال: وين بنام؟
الشاب أشار علي بمكان يبعد عن مسقط ساعة للنوم. وفعلاً، توجهت إليه ووصلت قرابة منتصف الليل. شفت ذيابة في المنطقة وبدأت أقلق، لكن بعد قيادة يوم كامل وتعب شديد، كان كل طموحي النوم. وقفت سيارتي فوق تل، ونزلت إلى الشاطئ الوعر. ونمت كما ينام الطفل. العجيب أن الدنيا كانت مظلمة.
بعد الاستيقاظ وممارسة التأمل الصباحي والصلاة، توجهت لأقرب بوفية وعملت قهوتي بالايروبريس. طبعاً، الايروبريس مستحيل تفارق أي سفرة أسافرها أينما كانت وجهتي وما في شي يوقفني إني أستخدمها. هذا رابط للايروبريس: amazon.com
بدأت رحلة الصعود، وهنا كانت وحدة من لحظات الحقيقة. أنت وأنت ونفسك مع بعضكم. لا أغنية تسمعها، لا أحد يحدثك، ولا سيارة تقودها فتُلهيك. أنت وحيداً مع هذه الصخور الوعرة التي تتمنّى النيل منك وسقوطك. لحظات الصعود الأولى كانت الأكثر رهبة. ها أنت تصعد جبلاً وحيداً تنوي المبيت على قمته.
كانت الليلة رائعة، وقصيرة. بعد المشي لمدة ١٠ ساعات، كنت منهك. بعد العشاء بقليل، نمت. استيقظت بعد ساعتين لأكتشف أن الشمس كانت قد حرقت جسمي بالكامل وها هو الآن يغلي من حرارته. أقرب ناس مني يبعدون ١٠ ساعات مشي. هذي الورطة. بالصدفة لقيت معي بندول، أخذته وحاولت على مضض العودة للنوم.
بعد ساعتين، وقعت الخيمة علي وأنا نايم. في البداية، توقعت أنه هجوم من الحمير البرية المنتشرة حولي، والله لا يوريكم كيف قمت مثل المصروع. لما طلعت برة، ما لقيت الحمير، لكن اكتشفت إني ما نصبت الخيمة بشكل صحيح بسبب الأرضية الصخرية. طبعا، الرياح تعصف ودرجة الحرارة حول الـ ٥ مئوية.
وصلت للأسفل وكان شعوراً لا يوصف. اختلطت مشاعري ما بين فخر، نشوة انتصار، سعادة بالعودة للتمدن، والأهم من ذلك الاقتراب من تحقيق هدف الرحلة. قضيت للآن ٣ ليال في العراء بدون جوال أو أي أحد وعلى ما يبدو أني لم أطفش. بل كنت سعيداً. ركبت سيارتي، حجزت الفندق، وتوجهت لمسقط.
بعد ٣ أيام ونصف من الانقطاع عن الاستحمام، كان هذا أول ما فعلت. ويا له من حمام. كانت لذته تفوق كل اللذات. بعده مباشرة، حجزت جلسة مساج للاسترخاء وكانت أجمل جلسة مرت علي. قضيت الأيام المتبقية في الفندق ما بين القراءة والكتابة والمشي والجلوس.
اكتشفت نوع جديد من السعادة. كنت سعيداً جداً باكتشافي أني أستطيع أن أكون وحيداً وسعيداً. قررت مكافئة نفسي في آخر ليلي وعزمتها على السينما وكان هذا أول فيلم أدخله لوحدي في حياتي.
عدت الأدراج سعيداً مليئاً ممتناً لهذه التجربة والتي لطالما أجلتها خوفاً منها. عدت وكلي شوقُ لأهلى وأصحابي. هاتفت الكثير منهم بعد الوصول وكنت كلي شوق لسماع أصواتهم والحديث معهم. أكثر ما تكرّر في رأسي أثناء رحلتي هو امتناني للناس العظيمة التي تحيط بي.
خلاصة الرحلة بالنسبة لي: لازم تمنح نفسك أسبوع بالسنة تنعزل فيه عن العالم وتكون لوحدك. قررت إنه تصير هذي عادة سنوية. إن شاء الله أقدر أسوي رحلة التأمل الصامت قريباً في نيبال. وبس...
جاري تحميل الاقتراحات...