Muath Khlifawi
Muath Khlifawi

@Mo3atho

25 تغريدة 53 قراءة Sep 18, 2020
ديسمبر ٢٠١٩م قررت أسافر لوحدي لمدة أسبوع وكانت عُمان 🇴🇲 الوجهة. لكي تكون الرحلة أكثر إثارة، قررت أن أنام السبع ليال في العراء، وبأماكن مختلفة وإني أقضيها كلها بدون أي مكالمات أو رسائل أو انترنت. هذه الرحلة حضرتني لمواجهة موسم الحظر بطريقة ما كنت أتخيلها.
أهم شي بالرحلة كان هدفها: هل أقدر أني أقضي فترة طويلة نوعاً ما مع نفسي وحيداً دون ملل وأخرج سعيداً؟ الكثير منّا يتهرّب من قضاء الوقت مع النفس بطرق مختلفة من أكثرها انتشاراً: إحاطة نفسك بالآخرين أو الجوّال. هدف الرحلة كان الاستغناء عن الناس والجوال والتعرّي أمام الذات.
الوجهة الرئيسية لم تكن عمان وإنما نيبال. وتحديداً، ممارسة طقوس التأمل الصّامت [vipassana] لمدة ١٠ أيام. ما ودي أستطرد عن التأمل الصامت، لكن هذا مقال جيد عن الموضوع للمهتمّين. ليش ما رحت نيبال؟ خُفت. medium.com
كان ودي يكون عندي مرونة أعلى بأول رحلة أسويها لحالي وبدون ناس أو انترنت. لو رحلت نيبال، كنت رح ألتزم بجدول وحسيت إنه في هذا نوع من التقييد. سقت السيارة لين عُمان، وحذفت كل التطبيقات اللي تمكني من التواصل مع الناس منذ بدأت القيادة. كان أول سؤال: وين بنام؟
بس الأهم، وين بتعشى؟ تذكرت مطعم يمني ممتاز. بعد العشاء، توجهت لمقر شركة سياحية تواصلت معهم بالجوال ووصيتهم على على عدة تخييم: خيمة، كيس نوم، حطب، وملحقاتها. قابلت شاب وفتاة سعوديين كانوا جداً خلوقين وأصروا يعزموني على العشاء، لكني أخبرتهم إن الهدف من رحلتي البقاء وحيدا واعتذرت.
الشاب أشار علي بمكان يبعد عن مسقط ساعة للنوم. وفعلاً، توجهت إليه ووصلت قرابة منتصف الليل. شفت ذيابة في المنطقة وبدأت أقلق، لكن بعد قيادة يوم كامل وتعب شديد، كان كل طموحي النوم. وقفت سيارتي فوق تل، ونزلت إلى الشاطئ الوعر. ونمت كما ينام الطفل. العجيب أن الدنيا كانت مظلمة.
ومدري وش المنظر اللي قدامي. وش أنا بصحى عليه؟ كأنك شاري كندر سربرايز 😍. استيقظت بشوق للمنظر اللي أمامي.
بعد الاستيقاظ وممارسة التأمل الصباحي والصلاة، توجهت لأقرب بوفية وعملت قهوتي بالايروبريس. طبعاً، الايروبريس مستحيل تفارق أي سفرة أسافرها أينما كانت وجهتي وما في شي يوقفني إني أستخدمها. هذا رابط للايروبريس: amazon.com
بعد القهوة، اشتهيت سندويتشات الفول المصرية. ذيك اللي تحصّلها على عربيات بالقاهرة. قعدت أدور على قوقل مابس -ايه قوقل مابس التطبيق الوحيد المسموح استخدامه- لين لقيت لي محل مصري أصيل. وكان ذلك الإفطار العظيم مع الشاي الكشري.
طبعاً، ما عندي خطة، مدري وش أسوي. تذكرت حديث الشاب السعودي الذي التقيته. كان ودي أروح صلالة، لكنه نصحني أروح جبل شمس وأن طريق صلالة أصعب بكثير. فقررت بعد الفطور وتوجهت لجبل شمس. وصلت أسفل الجبل على الساعة ٥م.
قررت أنام أسفل الجبل على ارتفاع ٥٠٠ قدم وأصحى الصباح بدري لكي أصعد الجبل. ما كنت أعرف إن درجة الحرارة ستكون بهالبرودة. استيقظت الفجر من البرد وكانت ستارة الخيمة مثلجة.
لملمت أغراضي وتوجهت لمسار صعود الجبل وبدأت. وش معي؟ مويه، علب فول، خبز، شمعة، ولاعة، كتاب، وملابس. ما لم أكن أعرفه عن هذا الجبل الجميل أنه وعر جداً، ولأني ما كنت أعرف إني بطلعه من الأساس ما جبت جزمة مناسبة. شوفوا وعورة وجمال المدخل.
بدأت رحلة الصعود، وهنا كانت وحدة من لحظات الحقيقة. أنت وأنت ونفسك مع بعضكم. لا أغنية تسمعها، لا أحد يحدثك، ولا سيارة تقودها فتُلهيك. أنت وحيداً مع هذه الصخور الوعرة التي تتمنّى النيل منك وسقوطك. لحظات الصعود الأولى كانت الأكثر رهبة. ها أنت تصعد جبلاً وحيداً تنوي المبيت على قمته.
ولكن سرعان ما بدأت المخاوف والرهبة بالاضمحلال أمام روعة المناظر التي تجلّت أمامي بعد ساعة من الصعود.
واستمرت المناظر الجميلة بالانغداق كلما صعدت، فزاد حماسي للصعود بشكل أسرع. كل ساعة أو ساعتين، تمر علي مجموعة عائدة. أسألهم: هل صعدتم للقمة؟ فيردون: لا. لم نستطع الوصول للقمة لضيق الوقت. كل الناس يقولون أن الوصول للقمة يحتاج ١٠ ساعات تقريبا وأنا بدأت الساعة ١٠ صباحاً.
بدأ الخوف يتسرب لذهني، ماذا لو لم أصل؟ الغريب في الجبل أنه ليس لهم قمة مدببة كما نعرف الجبال، بل هو مسطح بشكل عجيب. مهما مشيت، لن ترى جدراناً شاهقة أو قمة بعيدة. وهذا كان من أكثر الأشياء غرابة: عدم وضوح نقطة النهاية مما زاد مشاعر الشك والخوف والحذر. هذا مقطع يوضح ما أقصد.
بدأت الشمس بالغروب وما أدري وصلت أو لا 😂 وهذا الشي كان غابنّي مره. وصلت لارتفاع ٢٩٠٠ قدم والكل يقول إن الجبل ارتفاعه يزيد عن ٣٠٠٠ قدم بقليل. لكن للأسف ما في وقت ومنيب عارف وين أروح، فتوقفت. وبدأت أنصب خيمتي. لقيت شجرة ميتة، بدأت أكسرها بالحجارة استعداداً لليلة باردة.
كانت الليلة رائعة، وقصيرة. بعد المشي لمدة ١٠ ساعات، كنت منهك. بعد العشاء بقليل، نمت. استيقظت بعد ساعتين لأكتشف أن الشمس كانت قد حرقت جسمي بالكامل وها هو الآن يغلي من حرارته. أقرب ناس مني يبعدون ١٠ ساعات مشي. هذي الورطة. بالصدفة لقيت معي بندول، أخذته وحاولت على مضض العودة للنوم.
بعد ساعتين، وقعت الخيمة علي وأنا نايم. في البداية، توقعت أنه هجوم من الحمير البرية المنتشرة حولي، والله لا يوريكم كيف قمت مثل المصروع. لما طلعت برة، ما لقيت الحمير، لكن اكتشفت إني ما نصبت الخيمة بشكل صحيح بسبب الأرضية الصخرية. طبعا، الرياح تعصف ودرجة الحرارة حول الـ ٥ مئوية.
أعدت نصب الخيمة، حاولت النوم مرة أخرى بعد تناول المزيد من البنادول. استيقظت على هالمنظر الجميل. لملمت أغراضي وانطلقت. ومن شوقي لأكل طيب، وحمام حار، ومظاهر التمدن الأخرى، نزلت بسرعة غير منطقية. نزلت الجبل كاملا بـ ٣ ساعات ونصف. ووعدت نفسي أن أول ما سأفعله هو حجز غرفة في أفضل فندق.
وصلت للأسفل وكان شعوراً لا يوصف. اختلطت مشاعري ما بين فخر، نشوة انتصار، سعادة بالعودة للتمدن، والأهم من ذلك الاقتراب من تحقيق هدف الرحلة. قضيت للآن ٣ ليال في العراء بدون جوال أو أي أحد وعلى ما يبدو أني لم أطفش. بل كنت سعيداً. ركبت سيارتي، حجزت الفندق، وتوجهت لمسقط.
بعد ٣ أيام ونصف من الانقطاع عن الاستحمام، كان هذا أول ما فعلت. ويا له من حمام. كانت لذته تفوق كل اللذات. بعده مباشرة، حجزت جلسة مساج للاسترخاء وكانت أجمل جلسة مرت علي. قضيت الأيام المتبقية في الفندق ما بين القراءة والكتابة والمشي والجلوس.
اكتشفت نوع جديد من السعادة. كنت سعيداً جداً باكتشافي أني أستطيع أن أكون وحيداً وسعيداً. قررت مكافئة نفسي في آخر ليلي وعزمتها على السينما وكان هذا أول فيلم أدخله لوحدي في حياتي.
عدت الأدراج سعيداً مليئاً ممتناً لهذه التجربة والتي لطالما أجلتها خوفاً منها. عدت وكلي شوقُ لأهلى وأصحابي. هاتفت الكثير منهم بعد الوصول وكنت كلي شوق لسماع أصواتهم والحديث معهم. أكثر ما تكرّر في رأسي أثناء رحلتي هو امتناني للناس العظيمة التي تحيط بي.
خلاصة الرحلة بالنسبة لي: لازم تمنح نفسك أسبوع بالسنة تنعزل فيه عن العالم وتكون لوحدك. قررت إنه تصير هذي عادة سنوية. إن شاء الله أقدر أسوي رحلة التأمل الصامت قريباً في نيبال. وبس...

جاري تحميل الاقتراحات...