خواطر لمن هم فوق الخمسين : - منذ عقود يوم أن كناّ اطفالاً في القرية التي انجبتنا ونشأنا وترعرعنا فيها كناّ نعيش في رفاهية، لكن ليست الرفاهية التي اعني هي بمفهومنا بما يتعلق فيما يتوفر لدينا من ماديات في الوقت الحاضر في كل امور الحياة بل رفاهية الراحة النفسية
كان الناس في الغالب متساوون فيما يملكون البيوت متشابهة من حيث البناء والتصميم وما يوجد داخلها من اثاث وفرش وادوات طبخ ونحوها ، قلمّا يكون للمنزل اكثر من باب تسلكه للدخول اوالخروج الاّ ماكان منها يطل على نخل اوبستان يملكه صاحب المنزل وكناّ نطلق على الشارع ( السوق )
وعلى الطريق المؤدي الى المزارع والنخيل والمراعي ( جادّه ) يكون المشي فيها مريحاً لخلوها من الاحجار او النتؤات فهي سهلة للراكب والراجل ولسائقي الدراجات الهوائية ( السياكل ) والنارية (الدبابات) كان معظم اهل القرية يمضون جُلّ اوقاتهم في اعمال تخص معيشتهم
سواء في الحقول للعناية بالنخيل ومايزرع من حبوب وخضروات موسميه او الاحتطاب او جمع الحشائش او رعي البهائم ، وكان لديهم وقت للراحة والتجّمع في المجالس سواء في احد البيوت التي يكون صاحبها غالباً يستقبل من يرتاد مجلسه على مدار اليوم وخصوصاً بعد صلاة الفجر
واهل القرية وماجاورها يتذكرون مجالس معينة ( قهاوي ) مفتوحة على مدار اليوم وحتى ساعة متأخرة من الليل خصوصاً في الشتاء منها ماهو مفتوح من بعد صلاة الفجر حتى تشرق الشمس ويحين موعد بدء العمل ومنها قهوة الضحى وايضاً بعد صلاة الظهر وكذلك بعد المغرب
اضافة الى من هو فاتح باب منزله بعد صلاة العشاء حتى وقت العتيم المتأخر يسمرون ويستأنسون في جلسات ممتعة حول النار إذا كان الوقت شتاءاً أو في اسطح المنازل في ليالي الصيف وتناول الشاي والقهوة وتبادل الأحاديث والأخبار وذكرالقصص وبعضهم يتسلى بلعبة البلوت
ومنها مجالس في اماكن معينة لاوقات معينة ايضاً يسمى المشراق صباحاً خاصة في ايام الشتاء ومن بعد صلاة العصر حتى انحدارالشمس للمغيب ومنها مجالس الضحى في ظلال المنازل صيفاً حتى انكسار الفيء لاستقبال مايتم جلبه للقرية من خارجها كاللحوم والتي تكال بالوزنة قبل استخدام الكيلو
وسعرالوزنة من لحم الجمل في ذلك الوقت ثلاثة ريالات أما الغنم فتزيد قليلاً وكان بائع اللحم يلفها في ورق من اكياس الاسمنت كما يستقبل الناس ما يرد من المزارع والنخيل القريبة من منتوجات كالخضار والرطب والبطيخ ، اضافة الى تحري الاخبار ومايستجد سماعه من الاخرين نقلاً عن مكاتيب
ورسائل واردة من هنا او هناك (خطوط ) او نقلها شفهياً من أحد القادمين من خارج القرية وماجاورها كمتابعة نتائج المباريات بين مدارس المنطقة أو السؤال عن أسعار المواد والسلع الدارجة في ذلك الوقت وكذلك تداول ما يرد من أخبار مذاعة لمن يملك جهاز راديو
وهناك مجالس في ظلال المجابيب قبيل العصر ومجالس مجاورة للمسجد ومنارته بحيث يجلسون على مرتفع اشبه بكنبات أو الخروج الى مشارف القرية في سهل الوادي (البطحاء) خاصة في الليالي الشديدة الحرارة للاستمتاع بالسمر تحت ضوء القمر ومشاهدة النجوم وما يدور في الفضاء الصافي
من اقمار اصطناعية والحديث عنها، وغالباً ما يتم ذلك بعد صلاة العشاء، هذه حياة جيلنا والاجيال التي سبقتنا الاّ اننا نختلف عنهم في وجود المدارس النظامية والانشغال في وقت الدراسة بما يلزم مواصلة التعلمّ والدروس الإضافيةوما تقدمه المدارس
في ذلك الوقت من نشاطات اجتماعية ورياضية كالمباريات والعاب القوى والرياضه السويديه وتمارين مايسمى بالقسم المخصوص ، وبحلول الاجازة الصيفية فإن معظم الشباب يلتحق بركب الكبار ومسايرتهم ومشاركتهم مشاغلهم ومجالسهم
في قريتنا حالها حال القرى المجاورة يوجد اعمال لا تخطر على بال الاجيال اللاحقة ولن تستوعبها افكار جيل من هم دون الخمسين من العمر إذ يوجد فيها مايسمى (بالجواله) وهذه الكلمة ليس لها علاقة باعمال الكشافة ولا اجهزة الاتصالات هذه تعني مالدى اهالي القرية من مجاميع الاغنام كالشياه
والماعز فبالتأكيد لا يخلو بيت من بيوت القرية من وجودها للاستفادة من حليبها والبانها والزبد الذي يستخرج منها ولكن كيف تتم تغذيتها وتهويتها والحفاظ عليها ، اذ لا بد من الخروج بها الى المراعي القريبة من البلدة لترعى ماتجده من حشائش واعشاب
واذا كان لا يوجد في تلك البقاع شيء من ذلك حال ندرة نزول الأمطار فعلى الاقل تتعرض للهواء الطلق واشعة الشمس والمشي ، فمن ياترى يقوم بمهمة رعايتها ومراقبتها عن الضياع وحراستها من الذئاب او الكلاب المسعوره
ذلك هو شخص غالباً يكون من ابناء البادية او من ابناء البلدة او ماجاورها من القرى بإجرة ريال واحد او اقل لكل رأس كل شهر ويسمى هذا الراعي فيما تعارف عليه الاهالي (الشاوي)ويحظى باهتمام خاص فهو الوحيد الذي تنطبق عليه نصائح الاطباء واخصائيي التغذية اليوم بما يتعلق فيما يتناوله من غذاء
قد يكون متنوعاً بعض الشيء وان كان متشابهاً إلى حد كبير ، فهو يحل ضيفاً كل يوم على منزل احد ساكني القرية بعد صلاة الفجر مباشرة لتناول القهوة والقدوع والحليب والشاي وما يتيسر من وجبة الافطار، ومايتبقى منه يضعه في مزودته
ويأخذه معه ليتناوله وسط النهار في البر ، ثم يخرج يسوق حماره بعد ان يضع عليه زهابه ومطاّرة مملؤة بالماء ، في هذه الاثناء نرى الاغنام تتسابق متزاحمة تثير الغبار في طريقها المعتاد الى المراعي
يتبعها الشاوي حتى تغيب عن الانظار ، هذه رحلة الصباح وتسمى في المفهوم الدارج ( سرحة الغنم ) ولدقة هذا الموعد فقد اصبح من المواقيت التي يعتمدها الناس في مواعيدهم للذهاب الى مهمة بناء او اعمال زراعية او سفراو موعد افطاراو ذهاب الى البر
أو التقاضي عند الشيخ ، وهكذا وعنداصفرار اشعة الشمس وميولها للغروب يتهيأ الناس شباباً وكهولاً لاستقبالها وقدومها من المرعى وهذه تعارف عليها الناس بمفهوم (هضلة الغنم) وقد يصادف وصولها الى مفارق الطرقات اثناء صلاة المغرب مما يستدعي مراقبتها لضمان سلوكها المسارات الصحيحه
ونلاحظ كثير من الناس يستعجل الخروج من المسجد حال انتهاء الصلاة للحاق بأغنامه خشية من تداخلها مع اخريات وغالباً يعرفها من ثغاءها وهذا المنظر لا زال عالقاً في ذهني حتى الآن فما اشاهد احداً من الناس يسرع في القيام والخروج
من بين الصفوف بعد انتهاء صلاة المغرب مباشرة الاّ وتستعيد ذاكرتي تلك المناظر بأن ذلك الشخص سوف يتدارك اغنامه ويستقبلها خشية من ضياعها، ويخرج البعض لانتظار الراعي وقد لا يشاهد حتى وصوله الى ما كان يسمى في كثير من القرى المجلس
وهو ساحة تتلاقى به مفارق الطرق ويكون مجاور للمسجد وسبب عدم مشاهدته من بعيد هو كثافة الغبار الذي تثيره الاغنام في سباقها وتزاحمها وحين وصوله يتم سؤاله عن الاحوال وفيما اذا كان لم يشاهد ذئباً او حصل له مكروه، وقد يصادف ولادة احد الشياه او الاغنام فيسلمه لصاحبه
وربما يلتبس على الراعي لمن يكون هذا الحِمل في حالة ولادة اكثر من شاة او ماعز خاصة اذا كانت امهاتها متشابهه وقد يحظى من يقابله اولاً بأن يستلم الانثى ومن يتأخر لا يبقى له الاّ ذكراً ومن هذا درج المثل القائل ( اللي ما يحضر عنزه تجيب تيس )
ومن العجيب ان هذه البهائم سريعة الادراك والفهم حيث تعتاد خلال ثلاثة او اربعة أيام على ما يطرأ من تغيّر في اماكن راحتها عندعودتها من خارج القرية في حالة تبدل مالكها اوتبديل مقر هجوعها لدى من يملكها والأغرب من ذلك وتعجّبنا ونحن اطفال من سلوك هذه الأغنام والتي تصل الى باب المنزل
فإذا كان مفتوحاً( مجافى) فهي تدخل مباشرة وإن كان ( مردوداً) فأنها تدفعه برأسها ومن ثم تدخل إلى المنزل المكون من ثلاثة طوابق فإذا كان الوقت صيفاً فهي تصعد الدرج الأول الذي يصل إلى مانسميه ب (الطايه) ومن ثم تسلك طريقاً يوصلها الى الدرج الثاني
المنفصل عن الدرج الأول ومن ثم تصعد إلى السطح الذي نسميه (العليا) والذي غالباً لا تتجاوز سترته نصف متر مما يعطي هذه الأغنام وخاصة الماعز الفرصة لمشاهدة ما حولها سواء خارج المنزل أو داخله، أماّ في الشتاء فتكون داخل المنزل . وإلى اللقاء في خواطر أخرى وتقبلوا تحياتي.
جاري تحميل الاقتراحات...