عبدالخالق الحفظي
عبدالخالق الحفظي

@AH3107

10 تغريدة 24 قراءة Apr 26, 2020
من ذاكرة رمضان: ?
١-
بيتنا الطيني الجميل بتواضعه وبساطته يتوسطه فناء صغير ينتهي بالمطبخ ، الوقت بعد صلاة العصر، الوالد يقرأ القرآن وقد افترش حصيرة في الفناء، المصحف وفيه "ريشة النعام" يحدد بها الصفحة التي انتهى عندها ، الوالدة منهمكة بإعداد الإفطار ، همهمات الجيران تُسمع عن قرب.
فالبيوت متجاورة متلاصقة والقلوب يغمرها الدفء والتواصل ، رائحة البخور والقص "الجص" مخضبا بالقضب( نوع من البرسيم ) تُطلى به الأرضيات والجدران فيعطيها رونقًا وجمالًا ورائحة الأرض تعبق من خلاله ، يطرق الباب ابن جارنا يطلب فتيلة للفانوس ( القنديل ) فوالده لم يعد بعد . يتبع :
والمغرب قد اقترب فنسارع بإعطائه فتيلة الفانوس مشغوعة بطبق من السمبوسة فقلما يوجد آنذاك من يعد طعاما دون أن يطعم جيرانه فتبادل الأطباق سمة بين الجميع وخصوصا في رمضان نفتقدها ، أسابق الوقت لإيصال الإفطار لعجوز وحيدة تسكن في أطراف الحي اسمها" بركة" فتتحفني بدعائها المبارك . يتبع
فأشكرها وأهرول مسرعا لأتمكن من اللحاق ومشاهدة المؤذن " مرعي بن حريد " وهو يصعد مئذنة المسجد الجامع ( جامع الملك عبدالعزيز بأبها ) ويرفع العلم إشارة بحلول الوقت وإطلاق مدفع الإفطار ، وعند سماعه أنطلق مع رفاق الحارة نردد بصوت عال أنشودة تعودنا ترديدها لنعلم الجميع بحلول الوقت .
بعد الإفطار والصلاة كان موعدنا
مع المسلسل الإذاعي "يوميات أم حديجان " للمثل القدير / عبدالعزيز الهزاع وهو يؤدي بمفرده وبصوته كل الأدوار والشخصيات !، نتحلق جميعنا حول جهاز الراديو نتابع بشغف أحداث المسلسل في جو رمضاني عائلي دافئ، كانت حارتنا على ضفة وادي أبها ، صغيرة وادعة ،يتبع
تقع على ضفة وادي أبها ، وكانت تتألق في رمضان بممراتها الضيقة وتسمى "سبيل وسبل" تطل عليها المنازل متعانقة عناق الأحباب يفصلها الوادي عن قرية المفتاحة الفاتنة ببساتينها الغناء وآبارها العذبة،لم يكن البث التلفزيوني قد بدأ في أبها وكان الراديو وحنادي (قصص) الجدات وكبار السن هي السهرة
والسهرة عادة لا تطول كما هو الآن ولكنها في رمضان تمتد على غير العادة في غيره حيث كانت تنام أبها مبكرا وتصحو مبكرا حتى في رمضان ، كانت المطاعم قليلة جدا وكل الطعام يتم إعداده في البيوت ورغم عدم وفرة وتعدد الأطعمة كما هو الآن والحمد لله إلا أن الاحتفاء بمائدة رمضان لا يغيب
وتبادل الأطباق بين الجيران كان يبلغ
ذروته في رمضان حيث كان رمضان ولا زال يتميز بأطباق لا نعرفها إلا في الشهر الكريم ولازال طعمها ونكهتها تذكرنا بتلك الأيام الخوالي ورغم بساطة الأحوال آنذاك إلا أن رمضان كان ولازال كريما متميزا ، أحمل المقطف " القُفّ " وهو وعاء جلدي للمقاضي
برفقة والدي رحمه الله ، نعبُر الوادي الذي لا ينقطع الماء عنه أغلب أيام السنة باتجاه السوق ، كان السوق في ساحة " البحار " الشهيرة في أبها نصل إليها عن طريق ممر عال مرصوف بالحجر يخترق حي " القرى" وكان من أكبر أحياء أبها يطل على الساحة الفسيحة ويحدها من الغرب جامع الملك عبدالعزيز .
كانت الأكياس التي توضع بها المقاضي من الورق فلا توجد أكياس البلاستيك آنذاك السيارات قليلة والمسافات متقاربة فلا ضجيج ولا جلبة والأغلبية يتعارفون ويلتقون في السوق وفي الطريق ويتجاذبون أطراف الحديث وإفشاء السلام سنة اعتادوا عليها فلا تجد من يصادفك ولو كان لا يعرفك إلا ويلقي السلام

جاري تحميل الاقتراحات...