أثيـلة
أثيـلة

@atheelh28

19 تغريدة 38 قراءة Apr 15, 2020
كنت كلما أُثير موضوع السكن والبناء والتخطيط، أوصيهم وصية ثابتة، أن يستغلوا المساحة بمهارة، ويجدوا بالعمل على توسعة الفناء قدر المستطاع!
والآن، يثبت لي الحجز أنها ( ضرورة ) معيشية أكثر من كونها مجرد رأي أو فكرة!
لن يفهم هذا الكلام إلا من جرب حياة المزارعين.
الحجز أظهر كمية الأخطاء الفادحة في طريقة العيش من جميع النواحي، أهمها ضيق أفنية البيوت، من خلال التخطيط العشوائي.
في الرخاء "يفسق" الواحد منا وينشغل عن نقاط هي أهم ما يحقق معنى السكن، و في الشدائد، وأيامنا هذه جزءا منها، أكثرنا تعلق في السطوح وكأننا ننشد الصعداء لنتنفس!?‍♀️
هذا أمر طبيعي، والأخطاء محتمة على ابن آدم، ولن ينجو في هذه الحياة من لا يخطئ، ولا سبيل إلى عدم الخطأ، بيد أن انشراح الصدور دائما يكون في السعة، ومن السعة الضرب في الأرض، لذلك كان السفر والترحال أحد أنجع الأدوية في علاج الضيق و تبديد الهموم بل و تحسن الرزق أيضا و كسبه،
و يحدثني جدي مرة عن كلمةً لأمه رحمها الله، يقول كانت أمي تكرر دائماً قولتها علينا : "إذا ضقتوا سافروا بس"! تخيل أنها كانت تقول ذلك وهم أصلاً يعيشون في أفسح بلاد الله "الصحراء"! إذاً ماذا نقول عنا نحن؟ و نحن في بيوتٍ كأنها زنزانات بفعل أيدينا؟
حتى المتأنّق في ملبسه، تجده يكثر الأزارير عند عنقه وصدره، وعند أول شعور بالضيق يلجأ منزعجاً إلى فكها بقوة، وكأنها استحالت إلى أغلال ولم تكن أزارير، هذه العادة درجت عند الجميع، ومنها قال أحد الشعراء في شطر:
"زرارك الفوقي ليا ضقت فكه"
كذلك في الحديث، ذكر ﷺ أربعاً من السعادة، منها " المسكن الواسع " و أربع من الشقاء و ذكر منها "المسكن الضيق"! و كان يعني في قوله ﷺ السعادة والشقاء في الأمور الدنيوية.
أما العامة فتقول "السعة، لا بارك الله بالضيق" وكلها دلالات واضحة المعنى
عفواً، أعود إلى حيث بدأت؛ فبيوتنا هذه تُعنى بما يثير دهشة العين فقط، تصاميم خالية من الروح، تُذهب الأموال في زخم الزخرفة وتجميع الأثاث، ولا ندع لحض النفس منها إلا بضعة أمتار نصرفها أخيرًا في الفناء، لا يكاد من ضيق الفناء يُرى المشرق و المغرب،
وإذا اشتاقت نفسك إلى الارتواء من أشعة الشمس، والتأمل في جمالها، ماتسنى لك ذلك إلا بصرف نظرك عاموديا كما تحتمه عليك هذه التصاميم، تنظر إلى الشمس وهي في كبد السماء! فهل قرأتم أو سمعتم من قبل عمن تغنى في الشمس وهي في كبد السماء وفي ذروة سطوعها؟ هذه هي مغاراتنا التي نقول عنها"سُكنى"!
وما السكَنُ إلا ما تسكُنُ فيه النفس و تكنّ؟ أما ما تضيق عنه النفس وتنفر منه فهو على الأرجح سجناً أو ما شئت أن تسميه.
لطالما فكرت في هذا الشأن كثيراً و أرعيته عظيم الاهتمام، ليس على المستوى الشخصي فقط، بل على مستوى الوطن كله، يا ليتنا نبحث عن حل ينفعنا، ويتماشى مع ظروف أجوائنا.
أما السكن الهانئ؛ فما خالطت الطبيعة أرجائه ونواحيه، فالشمس شريان الحياة؛ يجب أن تمنح النصيب الأعظم من الانتشار في البيت،لتجدد في النفس البهجة والفأل كل يوم، والهواء أكسجين الحياة؛ علينا أن نوسع له ونمد في التوسعة من نوافذنا وأبوابنا، ليدخل منشرحا فينفث نقائه ع البيت و يطرد السموم
وزراعة النبات فيه مما يجذب الطيور، فإذا كان النبات والماء والطير؛ فقد اكتملت مباهج الطبيعة وسرورها، فاجتماعها يلطف المزاج ويبدد وحشة المستوحش،وإذا ما اكتملت هذه العناصر،تحققت صورة المسكن الحقيقي، واستغنى المرء بداره غنى لابأس به، عن الترحل عنه طالبا الأنس والأنيس من الطبيعة الحية
حينها يحق له أن يقول: جنتي في داري، و عزلتي فيه أُنسي، و الحجز داخله راحة لي من الطلب والكد في السعي! كما كان الطنطاوي يتحدث عن بيوت الشام و يصفها، قبل أن تتغير من طرازها الأمويّ البديع، إلى صناديق إسمنت لا تدفع حر الصيف ولا برد الشتاء كما سماها رحمه الله.
فيقول: "كانت بيوتنا من خارجها كأنها مستودعات بضاعة أو مخازن تبن، فإذا دخلت فُتح لك باب إلى الجنة، بهاؤها لأهلها، لا نافذة تُفتح على طريق"، " كان من فيها حُراً، لا يرى حُرَم جاره ولا يرى جارٌ حُرَمَه ".
فقد كانت الدور الشامية في داخلها عبارة عن فناء رحيب، تتوسطه بركة يتدفق منها الماء، ويحيط بها الغرف الواسعة، والأشجار الباسقة، والأزهار، والعرائش، فكانت هذه الدور بسعتها، وتنسيقها، و زينة نقوشها، وطلاء جدرانها بالألوان الجميلة، محتوية على كل متطلبات الصحة والراحة!
ثم يقول: ولكن يا للأسف والحسرة! لقد ذهبت تلك الدور و مافيها. تلك بيوتنا هدمناها بأيدينا، كانت جنات تجري من تحتها الأنهار، كانت مَصيفاً و كانت مشتى. فهُتكت الأستار عن المرأة وعن الدار! هذه هي الدور الشامية التي قفز طرازها البحر بطوله لا بعرضه، من الشام إلى الأندلس ثم إلى المغرب!"
تبدلت تلك التصاميم إلى تصاميم لا روح فيها، للعين منها الدهشة الأولى، وللنفس الخضوع الدائم للعنة المادة.
والآن، كلَّ من واجهته يتأفف مما خلّفه الحجز في روحه، قلتُ له: لم ينجُ من هذا الأذى إلا أصحاب المزارع و القصور و معهم أصحاب الماشية، وما لسواهم سوى التفسح في السطوح، إلى حين أن يتغمدهم الله برحمته ويفرج عنهم ماهم فيه من ضيق وضنك!
ولمن شرع في البناء أو همّ فيه، إياك وهذه الغلطات!
أعتذر عن مشكلتي الأزلية؛ وهي أني أكتب التغريدة، فأجدها تحتاج إلى تكملة، والتكملة تستحث أخرى مثلها، ثم تأخذني التغريدات إثر بعضها، فيتداركني الوقت أو يعترضني شاغل، فأقطعها، وينقطع معها الحماس. على أنني كتبت سابقا سلسلات ولم أكملها حتى الآن، لأنني في شغل دائم والكتابة تحتاج لتفرغ.
و اكتشفت أن تحديثات تويتر في كل مرة لا تخلو من ثغرة، ما اكتشفت ثغرة التحديث الأخير إلا اليوم، كتبت سلسلة مطولة وحفظتها، لما رجعت لأغرد بها، وجدتها قد اختفت من المسودة، مما اضطرني لإعادة الفكرة بأسلوب مختلف عنها، لأن النثر لا يُحفظ، كما يحفظ الشاعر أبياته بعد كتابتها.

جاري تحميل الاقتراحات...