سليمان الناصر
سليمان الناصر

@salnasser

14 تغريدة 501 قراءة Mar 29, 2020
لطالما قيل"رب ضارة نافعة"، ولربما ظفرنا بما يسرنا في مواضع حذرنا ومخاوفنا، لا أدري إن كان هذا ينطبق على ما نواجهة هذه الأيام من ظروف، فهذا المكث الطويل في البيوت ربما فوّت على كثير من الناس مصالحهم المعيشية، وما ذاك إلا لمصلحة راجحة اقتضت ذلك، لكنه ربّما سيعلمنا التخلي عن عادة=
سيئة تغلغلت في كل مفاصل حياتنا، ألا وهي "عادة السرعة"، (أو "عبادة السرعة" كما يسميها أخرون)، وبالمقابل سوف تجبرنا هذه الظروف على ممارسة عادات جميلة وجليلة تخلينا عنها منذ زمن، رغم تهربنا منها كثيرًا بأعذار طالما ظننا أنه لا مخرج منها، أقصد بها العادات المضادة للسرعة، =
إذ أن نمط الحياة الذي هيمن علينا اصطبغ بروح السرعة، في الطرق السريعة وفي الأعمال المتسارعة وفي الاتصال والتواصل السريع، تعرض نمط حياتنا إلى غزو جائح من قبل مفاهيم (الركض واللهاث)، وصارت الأشياء من حولنا تعدو وتسرع، كل هذا وصل درجةً لايتلائم مع ايقاع الحياة الذي تحتاجه ارواحنا،=
وما ظهور أدبيات نقد السرعة وتكاثرها إلا دليل على إدراك الإنسان لهذه الورطة التي حاصرت وجوده، وبنفس الوقت زاد تغلل السرعة في حياتنا حتى كادت تصبح شرطًا وجوديًا، هذا المفارقة ولّدت لدينا توقٌ عميق للتمهّل والتروّي والهدوء، لكنه توق مكبوت محاصر، =
ومن الواضح أن أحد أسباب هذا التسارع المتسلط هو الاندفاع نحو "الكثرة"، كثرة الاهداف التي تعني كثرة الاعمال والالتزامات، فجأة وجد الانسان نفسه في"التزامات دائمة" وأصبحنا نرفع دومًا شعار(أنا مشغول جدًا)، هذا الشعار الذي أفسد علاقتنا بأرواحنا وباحبائنا وأصدقائنا، =
بل وبالاشياء من حولنا، حتى الكتب اقتحمها طغيان السرعة وشقيقتها الكثرة، فصرنا لنقرأ أكثر ولنتافس أكثر يتوجّب علينا أن نسرّع القراءةَ أكثر؛ ونفسد
قراءة التأمل والامتلاء بالمعاني وتدبرها، قد كانت القراءة يومًا وسيلةً لاكتساب التمهل وتعلًم الصبر والتؤدة والتأنّي، =
حيث كانت القراءة قرينة الحكمة والتعقل، و اليوم تهاوت حصون القراءة أمام تغول السرعة وأضحت أبواب المكتبة مشرعة أمام رياح التسابق المحموم، أنها المرض التي أصاب روح العصر، وحتى يتضح لنا حجم ما نفقده بسبب السرعة لنتوسل بالمفاهيم المضادة لمفهوم (السرعة)و مفهوم (العجلة) وما شابهها،=
لنأخذ مثلًا مفهوم (التروِّي) الدال على التأمل والتفكر في الشي مليّا، ولا تخفى العلاقة بين هذا (التروِّي) وبين (الإرتواء) من الشيء حتى الامتلاء والتشبّع به، ومفهوم آخر وهو ( التمهل) وهو إعطاء مهلةٍ من الوقت، فتعطي نفسك مهلةً، وكذلك مفهوم "التريث" ودلالته على طول المكث في الأمر، =
ومفهوم(التأنِّي)وهو من التلبّث والتأخير والانتظار، وكذلك مفهوم "الهدوء" ودلالته على السيطرة على ردات الفعل والانفعالات، وربما يكون من المقارب إقامة علاقة اشتقاقية بين مفهوم(الهدوء) و(الهداية) التي تعني الدلالة على الطريق، وتعليل هذه العلاقة-إن صحّت- بيّن؛ فالهدوء وعدم الانفعال=
يُتيح لنا استكشاف الطريق الصحيح الذي بنبغي سلوكه تلك اللحظة، يمكننا استخراج الدلالات القيمية التي تتضمنها هذه المفاهيم المتعددة المضادة لمفهوم السرعة واستثمارها في تكوين رؤية عملية بديلة، وبعيدًا عن التأملات اللغوية والنظرية؛ كم مرةً كان عذرنا أمام أنفسنا وأحبابنا زحمة أعمالنا،=
حتى الصلوات التي تعلمنا السكينة والخشوع وحضور القلب واستجماع ادراكات الانسان كلها في وجهة واحدة، تزعزت أمام وباء السرعة وطغيان التعجّل،
أما في هذه الظروف الحالية فقد جاء ما يجبرنا على تجربة نمط آخر، فجأة توقف سلطان السرعة، لنجد أنفسنا على مستوى عالي من التخفف بل حتى التوقف، =
وأخيرًا التقطنا أنفاسنا، وانكشفت لنا الأشياء من حولنا، صرنا نرتوي بوجوه أولادنا، وأحاديثهم، والأنس بضجيجهم، زوايا المنزل، رفوف المكتبة، حتى الألعاب(علمتني بنتي الصغرى لعبتين من ألعاب الورق وصرنا نلعب كل واحدة منها مرتين يوميًا، وهذا مالم يكن ليخطر بخيالها ولا خيالي سابقًا)=
صرنا نمتلك الوقت الطويل، وبدون التزامات، اختفت عبارة ( انا مشغول جدًا)، باتت الأحاديث تكتمل، و تجد من يصغي لها جيدًا، وأصبحت القصص تروى مرارًا، وثبت لنا إنه يمكن حقًا أن نعيد تجربة البطء والتمهل من جديد، يقال إن الانسان يكتسب العادات الجديدة إذا استمر محافظًا عليها ٢١ يومًا، =
بالطبع ليس القصد من التهمل أن يتحول الانسان إلى سلحفاة، وإنما المغزى هو إصلاح العطب الذي ألحقه بحياتنا طغيان السرعة، هل تكون هذه التجربة طريقنا إلى التخلّق بالتمهل والتروِّي والتأنِّي ( من حيث هي تجربة وجودية)؟،
سنتمهل لنرى الإجابة فيما بعد،

جاري تحميل الاقتراحات...