المغرد الأخير
المغرد الأخير

@YAScire

11 تغريدة 90 قراءة Mar 17, 2020
في وظيفة سابقة كان يعمل في المكتب المجاور لمكتبي موظف اسمه عباس، أثبت لي أن الانسان قادر على فعل أي شيء ما دام راغبًا فيه بالقدر الكافي
كان محبوبًا من المدير، من الموظفين، من العملاء، بل ومن الآلات التي نعمل عليها أيضًا. وذلك يعود لأسباب كثيرة أهمها أنه يملك لسانًا ذهبيًا
جميع عباراته مثل: أهلًا صديقي هل سقط عليك القمر البارحة؟ ما هذا الضوء الجميل الذي يخرج من وجهك؟ اوه انظر لقد أتى حمودي، حمودي بالله قل لنا كيف تتمرن؟ هذه العضلات تكاد تخيفنا يا رجل هههههه
*ملاحظة: حمودي يزيد وزنه عن مائة كيلو أغلبها من الشحوم ومهدد بالعديد من الأمراض بسبب سمنته.
عندما يسير في أروقة الشركة يشعر الجميع بالحياء، يفكرون: أكيد سوف يغازلنا الآن، يا الله، كيف نرد؟، وبينما هم يفكرون يغازلهم عباس، لا يترك أحدًا إلا ويرقيه بسحره الخالص، ذات مرة سمعته يتحدث مع المدير ويقول له: مدير! يجب أن تعلم أنك الرجل الوحيد الذي أريد أن أكونه!
ترا عملي هنا ليس من أجل الراتب، لا، أنا أعمل لأتحوّل إليك فقط، أنت نبي؟ أستغفر الله، أنا أحبك كثيرًا، أنت لا تتخيل حجم حبي لك.
يشتري أكواب قهوة للجميع، فقد تكون منهكًا ويدخل عليك عباس ويقول لك حبيبي؟ تفضل، أنت تستحق كوب قهوة، ولولا الحياء لطبع قبلةً حانيةً على جبينك كالأمهات.
مشكلته الوحيدة أنه لا يعمل، لم يكن ينجز أي شيء على الإطلاق، لو أعطيته ورقة واحدة وقلت له دبّسها في ورقةٍ أُخرى لتظاهر بالموت أمامك حتى تذهب، إذا دخلت مكتبه سترى جبالًا من المعاملات التي لم تُنجز، بعضها من سنوات طويلة، لماذا ياعباس لم تنجزها؟
ومباشرةً يجيبك بسرور عارم، هل تريدني أن أخبرك؟ حسنًا، سوف أذهب إلى دورة المياه وأعود سريعًا لأخبرك بكل معاملة هنا.
ويذهب عباس لكنه لا يعود، يختفي كما تختفي آمال الفقراء، حتى إذا ظنّ أنك نسيته عاد إلى مكتبه بابتسامة بلهاء لطيفة لا تكاد تفارقه.
وبعد فترة وجيزة أصبح مديرًا على إحدى الأقسام في الشركة، فقلب القسم رأسًا على عقب.
يخرج الموظفون من ذلك القسم زحفًا على بطونهم، منهكين، الدماء تسيل على وجوههم الحزينة، آهاتهم تمزّق نياط القلب، ملابسهم رثّة، وممزقة، تشعر حين تراهم أنهم تعرضوا لقصف إرهابي عنيف.
زحف بهم عباس وأظهر لهم وجهًا لم نكن نعرف أنه يمتلكه.
يُقال أنه كان يحارب إهماله السابق، وكان يعرف جميع الأعذار لأنه استخدمها، بل أنه اخترع بعضها.
أصبح عبّاس أسطورة حيّة، أسماه البعض: الشيطان الذي يختبئ خلف الجدران.
وسبب التسمية كما أخبرني أحد الناجين أنه كان يترصد لهم خلف الجدران
يسير الموظف في أمان الله يفكر في حياته ويرتب حساباته ثم وعلى نحوٍ مفاجئ يظهر أمامه عباس. عباس يُخيف الجميع هناك بعينيه الواسعتين، أكتافه العريضة، جسده النحيل بشكل غريب، ورائحة الفواكه التي تنبعث منه كما تنبعث من محل فواكه صغير أصبحت دليلًا على اقتراب مصيبة
اهتمامه بسرعة إنجاز العمل فاق كل شيء فلو وجد ورقةً على مكتبك، حتى ولو وضعها هو للتو سيحاسبك، سيجعلك تندم على اللحظة اللعينة التي خرجت فيها من بطن أمك، ستبحث عن جبلٍ يعصمك، عن جحر، عن شجرة عملاقة تعيش فيها، عن كهف صغير في غابات الأمازون، وسيجدك عبّاس.
عباس جاء، على الجميع أن يطلقوا سيقانهم للريح ويهربوا

جاري تحميل الاقتراحات...