༄عـدنـان الـعِـمـادي
༄عـدنـان الـعِـمـادي

@ALemadi_11

10 تغريدة 151 قراءة Mar 02, 2020
نشأةُ موسى عليه السلام المحفوفةُ بالمخاوِف كانت محلَّ تأملي وتعجبي دائمًا ؛ فالخوفُ صاحبُه مذ كان رضيعًا حتى هلاك فرعون ، مِن لحظةِ أمرَ اللهُ سبحانه أمَّ موسى بإلقاء فلذةِ كبدها في اليَّمِّ فقال لها: ﴿ولا تخافي ولا تحزني﴾ ، ثم في نشأتِه في كنفِ طاغيةِ الدنيا فرعون ...
ثم قتْلِ موسى رجلًا من قوم فرعون وفراره خائفًا على نفْسه من بطشةِ الطاغية ﴿ففرتُ منكم لمّا خفتكم﴾، ثم لما هُدِيَ إلى الرجل الصالح الذي أَنكحَه وكان خوفُه ممتدًا حتى قال له: ﴿لا تخف نجوت﴾ ، ثم لمّا ناداه ربُّه وأراه الآيةَ -وكان خطبًا جَللًا- ﴿ولَّى مدبرًا ولم يعقِّب﴾ ...
حتى جاءه التطمينُ الإلٰهيُّ الأول ﴿يا موسى لا تخف إني لا يخاف لديَّ المرسَلون﴾ -واستشعر لذةَ المناداةِ بالاسم عند التطمين والإيناس-. ثم لمّا أمره اللهُ تعالى بدعوة فرعون خافَ من انتقام قومِه ، ومن تكذيبه ، وخاف بطشةَ فرعون ﴿وأخاف أن يقتلون﴾ ، ﴿إني أخاف أن يُكذِّبون﴾ ...
فجاءه التطمين الثاني ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ ، ثم لمّا جاء يومُ الزينة ﴿فأوجسَ في نفْسِه خِيفةً موسى﴾ ؛ طمَّنه اللهُ ثالثًا فقال له: ﴿لا تخف إنك أنت الأعلى﴾ ، عندها تمَّ يقينُ موسى عليه السلام ..
وإذا تدبرنا وجدنا عقِب كل خيفةٍ فتحًا عظيما ومنحةً ربّانية ؛ فخوفُ أم موسى أعقبه اللهُ ردًّا ورعاية ، وخوفُ القتلِ أعقبَه زواجًا سكنًا ونبوة ، وخوفُ الآية أعقبه رسالةً ، وخوفُ بطشةِ فرعون انقلب جزَعًا في قلب فرعون مستورًا بالكبرياء ، وخوف يوم الزينة انقلب علوًّا ونصرا وإسلاما ...
واليقينُ التام أعقبه النصرَ المبينَ بإهلاك فرعون وجنده ، وإنجاءِ موسى وقومه الذين كانوا خائفين موقنين بدرك فرعون فقالوا بتوكيداتهم: ﴿إنّا لَمُدرَكون﴾ ؛ فكانت العظَمةُ أنْ قال موسى وقد مُحِيَ أدنى الخوف من قلبه ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾ ، سكونٌ ويقينٌ وثباتٌ مُحِقَ الخوف منه ...
وتدارستُ هذه المعاني مراسلةً مع شيخي الجليل محمد عزيز السجاعي المغربي -رعاه الله- ؛ فقال لي: " وأنت تعلم معنى كلّا في اللغة. وأداة التوكيد بعدها ، ولفظ (ربي) حيث يجب أن يكون. فبعد غرق فرعون رأيت ما جرى لموسى مع قومه ! ، وستلاحظ أن لفظ الخوف ما عاد له ذكر " ..
وقال لي: " الاستبداد والطغيان والقهر والتقتيل الذي يصل إلى الأطفال الأبرياء ... من شأن ذلك أن يستثير الخوف مما يجعل الدعوة إلى الله باللين والحكمة ﴿وقولا له قولا لينا﴾ أمرًا لازما للثبات ومواجهة العلو في الأرض والفساد ؛ فافهم فليس هناك طريق ينتهي إلى الأمان إلا هذا الطريق " ..
ومن ألطف ما نبهني السجاعيُّ إليه مناسبة قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون﴾ لقول الشاعر:
فألقت عصاها واستقرَّ بها النوى
كما قرَّ عينًا بالإياب المسافرُ ؛
فقول الشاعر كناية عن الاستقرار والأمن ، وموسى قد أمِن شرَّ فرعون واستقرت نفسه بعد إلقائه! ..
وأظن أني مع قصور العبارة عما في النفس ، وقصور المساحة: لا أستطيع شرحَ ما في نفسي من هذه القصص والعبر والمعاني ، ولِعُمقِ ما فيها -والله أعلم- كرّرَ اللهُ تعالى قَصَّها بسياقات متنوعةٍ ، في كل سياقةٍ إشارةٌ ليست في غيرها ، وخبيئة يلتقطها المتدبرون بالمناقيش ؛ فيا فوزَ المتدبرين ..

جاري تحميل الاقتراحات...