أحد الأمور الأساسية التي ساهمت في تخفيف قلقي الدائم وما تبع ذلك من نوبات هلع واكتئاب كثيرة كانت "إعادة برمجة" عقلي على أنّني لست في سباق مع أحد، ولا حتى مع نفسي، "للوصول" إلى أي شيء، وأن الحياة ليست مهمة كبيرة متسارعة بمُهلة زمنية محدّدة تلزمني بفعل كل شيء قبل أن تحلّ عليّ لعنتها
والحقيقة أن هذه العملية كانت صعبة للغاية، وحدثت على مدار فترة طويلة، وسبب ذلك هو أن كل شيء يدعونا، ويذكّرنا يوميا، إلى أنّ ما نفعله ليس كافيا، وإلى أنّنا يجب أن نكون من العظماء وأن ندخل التاريخ من أبوابه، وأنه يجب أن نترك أثرا كبيرا، وإلا فلن نساوي شيئا، وسوف "تُنسى كأنك لم تكن"،
ومثلها مثل أي عملية إعادة برمجة، كان يجب أن تكون عملية واعية تماما، أذكر نفسي بها في جميع اختياراتي اليومية،بل وأعصي رغباتي "القهرية" التي هي كذلك بحكم العادة وانغراسها عميقا في التفكير والتصرفات،فكنت أقف في وجه رغبتي في بلوغ الكمال في كل شيء أفعله،وكنت أتعمد تأجيل أمور عن موعدها
كنت ما يسمى بالشخص"البيرفكشنست"في كل شيء، فما قد يستغرق عمله 4 ساعات مثلا "ويخرج بجودة ممتازة" كنت أعمل عليه لـ10 حتى يكون أكثر من مجرد ممتاز، بل مثالي لا تشوبه شائبة. كنت أعمل وأعمل، لا لشيء سوى لشعوري بأنه يجب أن أبلغ ما بلغه أسلافي من المجد، وأن جهودي تافهة مقارنة بجهودهم
كنت أصاب بالهلع عندما أحسب الوقت الذي سأحتاجه لقراءة كل الكتب التي أريد، ومشاهدة الأفلام التي "يجب أن تشاهد"، وكان تعاظم هذا الشعور يطغى في كثير من الأحيان على الهدف الأساسي من القراءة أو المشاهدة، ويعطي نتيجة سيئة وعكسية لما يجب أن يخلّفه فعل هذه الأمور المحمودة..
كنت أضع تحديات صارمة، مثل التحدي الشهير لقراءة عدد معين من الكتب كل عام، وكذلك مع الأعمال -وهنا في مجالي الترجمة- التي يجب أن أؤديها، و"المعدل" الذي يجب أن أسير به لتحقيق هدف معين قد، وقد لا يتحقق، مهما بذلت جهدا -يرونه عظيما وهو عندي من أهون ما يكون- وكل شيء حولك يدعوك للسعي فقط
المشكلة في هذه العقلية انها تجعلك تدور في حلقة مفرغة، تدلّي أمامك الجزرة لتواصل الركض معتقدا بذلك أنك ستأكلها. الأمر السيء أنها لا تقتصر على ذلك: وضع أهداف معينة -صعبة أحيانا- ثم فشلك في تحقيقها له أثر سلبي أعظم بكثير مما لو أنك لم تضع أي هدف محدد وجعلته محور حياتك ومركز وجودك..
ان نوعية المشاكل التي تسببها هذه الطريقة من التفكير لا تحدث وتتوقف عند هذا الحد، بل تولّد سلسلة مشكلات أكبر تجعل الدوامة التي يدور فيها المرء تتعاظم، حتى تفوق قدرته على المقاومة، فيستسلم أخيرا،لكنه استسلام مرير مصحوب بشعور بالفشل والتفاهة وعدم القدرة، أو الرغبة، على فعل شيء مجددا
من ذلك كمية الوقت والجهد "الضائعين" حقا، والشعور بأنك تحت المجهر وأن كل ما تفعله مراقب، وأنك أمام جمهور عظيم ينتظرك فقط لتخطيء حتى يهاجمك ويسخر منك،ثم تولّد المشكلات النفسية من قلق وهلع وتقدير متدني للذات وفي بعض الأحيان اكتئاب مرضي وشعور باللاجدوى قد يؤدي إلى التفكير في الانتحار
أضف إلى ذلك أن هذه الطريقة تجعلك -شئت أم أبيت- تقارن بين ما حققه الآخرون وبين موقعك الحالي، وهي في معظم الوقت، إن لم أقل كله، مقارنة ليست في محلها. أنت تقارن ما لم تحققه بما حققه فلان، وستجد شخصا آخر يقارن ما لم يحققه هو بما حققته أنت. لكنك لن ترى ما حقّقت لأنك لا تنظر إليه أصلا.
عموما الحديث في هذه التجربة يطول، لكن أود أن أختم فقط بأمرين: أولا فكرة "إعادة البرمجة" بعيدا عن كل هراء التنمية الذاتية. الحقيقة أنها أمر ممكن وأثره عظيم، صحيح أنها تتطلب جهدا لكن أثرها عظيم، والفكرة "تدريب" كما تدرب عضلات جسمك، فبالطريقة الصحيحة والاستمرار والوقت ستلاحظ التغيير
وأهم شيء أنه تدريب "واعي وحاضر"، سأختار أن أفعل هذا بدلا من ذاك، وسأعصي "ما اعتدت فعله" برغم كل الإلحاح والقلق الذي سأشعر به في لحظتها لأنني لم أفعله. وقد وصل بي الأمر أحيانا إلى أنني لم أؤخر عملا فحسب، بل رفضت أعمالا مهة كاملة،هكذا فقط، عصيانا لرغبتي القهرية التي تريد فعل كل شيء
ومع كل رفض أوضح لنفسي أني أفعل هذا لأنني لست "مضطرة" لفعل شيء، أو لإثبات أي شيء لأي أحد، حتى لنفسي، وأنني سأجعلها تفعل ما تريد عندما يكون دافعها الوحيد لفعل هذا الأمر هو "الرغبة الخالصة".سأشاهد ذلك الفيلم لذلك المخرج المهم إذا أعجبتني قصته ورغبت بمشاهدته، وإلا فليذهب إلى الجحيم..
سأؤدي عملي على أكمل وجه، ولكن لن أصبح مهووسة يالتفاصيل والتغيير المستمر، سؤديه دون الشعور بضرورة أن اكون في القمة وفوق الجميع وأن هذه هي الطريقة الوحيدة للنجاح. ما العيب في المركز الثاني؟ ما ضرّ لو كنت من بين المثاليين بنسبة 95% مثلا؟ لماذا يجب أن أحاول الوصول ل200%؟
لماذا يجب أن انجز كل شيء قبل الديديلاين بعدة أيام؟ ماذا سيحدث لو سلمته في اليوم الأخير، أو حتى بعده بنصف يوم؟ لا شيء. لماذا يجب أن أقرأ ذلك الكتاب لأن الجميع قد قرأه ويقولون بأنه مهم جدا وتجب قراءته؟ سأطلع عليه، إن كان من ضمن اهتماماتي قرأته، وإلا فليلحق ما سبقوه إلى الجحيم.
هل سيحدث شيء لو اكتفيت بتوفير حياة كريمة لنفسي وأحطتها بمجموعة حقيقية من الأصدقاء،وحققت بعض الإنجازات الصغيرة،فعشت بسلام ومت بسلام؟لا شيء. ماذا لو رغبت بتحقيق أمور أعظم؟ سأضع أهدافا لها،وسأحاول الوصول إليها، لكن سأذكّر نفسي طوال الطريق أني لست "مضطرة" لذلك، وأني لا أدين بشيء لأحد
ومع كل هذا قد أنسى أحيانا، وأجد نفسي أعود لدوامة القلق جراء الرغبة بتحقيق الذات على نحو أكبر وأعظم، ولا عيب في أن يسعى المرء للمجد وأن يكون من أصحاب الأثر، بل يا له من هدف سام، لكن عليه أن يفعل ذلك بالطريقة الصحيحة وأن يذكّر نفسه بها دائما. حينها آخذ استراحة وأعيد ترتيب كل شيء.
فليركض العالم كما يشاء نحو الكثير من الهراء عديم المعنى، أما أنا فسأسير حسب سرعتي الخاصة، وانطلاقا من رغبتي في فعل ما أفعل، ودون أن يتجاوز قلق العمل المعدلات العادية التي تصاحب أداء أي عمل كما هو مطلوب فقط، لا أكثر ولا أقل، وسأحاول أن لا يكون هذا على حساب حياتي وعلاقاتي الشخصية.
والنتيجة؟لم ينته العالم ولم تتهاوى حياتي، ولم يحدث أي شيء مما كنت أخشى حدوثه. لم أتخلف عن الركب ولم أفشل في عملي، بل على العكس. أصبحت أعمل بشعور أفضل وبالتالي أقدم نتيجة ممتازة دون بذل حتى "نصف" الجهد الذي كنت أبذله. ثم وفرت ذلك الجهد والوقت الضائعين لأمور أخرى أفضل، كفعل اللاشيء
أصبحت حياتي أكثر اتزانا، إذ توقفت عن الركض بعدما اقتنعت أنني غير مُلاحقة، وأصبحت أصل إلى وِجهاتي مشيا حينا وهرولة أحيانا، حسب طاقتي ورغبتي وجهدي الذي أستطيع، دون قلق من عدم الوصول أو الخوف من أن لا أكون مثالية. جميعنا نخطئ،وهذه أصعب حقيقة ستحاول إقناع نفسك بها، لكن نتائجها رائعة.
وأخيرا: هاكونا ماتاتا. ??
جاري تحميل الاقتراحات...