يستنى للمشاهد في عالم الحيوان على عجالة المرور بحيوانات قامت بتشكيل مجموعات والعدد يقبل حيوانان فما فوق. البعض منا قام بملامسة ذلك على الطبيعة إما برؤية هجرة جماعية لطيور أو بفراره من لسعات أفراد نحل العسل أو برؤيته جيوش من النمل تتحرك في مسارات محددة.
الكل يظن في الوهلة الأولى أن تكوين الجماعات لا يعود إلا بالنفع لكافة الأفراد، والسبب في ذلك غالباً لأننا كبشر بطبيعتنا إجتماعيين وغالباً ينتج من تعاوننا فائدة مقسمة نسبياً على الكل. هكذا كانت نظرة علماء الأحياء للسلوك الجماعي بأنه يكون لمصلحة النوع كوحدة كلية.
لفترة تصل إلى منتصف الستينيات الميلادية كانت تفاسير السلوك الجماعي محدودة وغالباً تهمل لأنها مملة نوعاً ما حتى ظهرت الطريقة التكيفية في دراسة علم السلوك فظهرت مكنونات وأعجوبات لهذا السلوك الجميل من سؤال واحد فقط "لماذا يشارك الحيوان في سلوك جماعي"
سيتم تقسيم أنواع التفاعل الجماعي في جدول للتبسيط إن شاء الله للتسهيل وعليه تبنى الأمثلة والتعاريف والأسئلة. ولكن الآن لمن يحب الاطلاع على سلوك الحيوان عليه إجابة السؤال السابق وسنكمل غداً إن شاء الله.
لنبدأ الأمثلة بالتفريخ التعاوني ولنأخذ نقار خشب البلوط Melanerpes formicivorus كمثال. في هذا النوع قد يتزاوج الذكر مع أنثى واحدة وتسير الأمور على مايرام. لكن يحدث أن ينتشر السلوك الجماعي في فترة التزاوج تحت مسمى التفريخ التعاوني Cooperative breeding وتأخذ الأمور مجريات أخرى.
وعند ذلك يتوقفن تماما عن هذا السلوك الأناني وينتقلن إلى الرعاية الجماعية ولكن عندما يحين ذلك الوقت نجد أن أكثر من ثلث العدد الكامل للبيض قد تم تحطيمه وبذلك تقريباً نجد أن الثمن مرتفع جداً عند التشارك في السلوك الجماعي.
الأسود تعيش في جماعات متفاوتة الأعداد من قبل الجنسين ولكن هنالك مجموعة ثابتة والأخرى متغيرة. تتكون المجموعة الواحدة من بضعة إناث متقاربات عبارة عن أمهات وأخوات وبنات خالات. أما الذكور فقد يكونوا غير متقاربين والسبب في ذلك أنهم بعد سن الثالثة يتغير نمط حياتهم إلى رحالة.
هذا السلوك من قبل الذكور يؤدي إلى تجاوب سريع من قبل الإناث فبدلاً من تأخر فترة التزاوج إلى سنتين والتي تقضى في تربية الصغار يتم تسريع هذه الفترة إلى ٩ شهور وقد تؤثر العوامل الكيميائية الفرمونية في تزامن الشبق لدى الإناث ولكن نجد الآن أن هناك تساوٍ في المصالح لدى الجنسين.
فالذكور قامت بقتل الصغار للفوز بتزاوج سريع واستغلال هذه الفترة لإستحثاث الإناث للتزاوج معهن بأكبر فرصة ممكنة لأن الاستيلاء من الذكور الآخرين قادم لا محالة وكذلك لإتاحة الفرصة لتربية صغارهم بدلا من صغار الأسود المطرودة من المجموعة.
أما عن تجاوب الإناث ففيه إيثار بنسبة كبيرة بحيث أنهن يقمن بالدخول في النشاط الجنسي المتزامن لعدة أسباب ومنها إقصاء تنافس الذكور على الجنس مما يؤدي إلى تفكك المجموعة ولذلك نجد أن التزاوج يكون متعدد Polygamous لكل الجنسين. كذلك الولادة في أوقات متقاربة تكفل لهن رعاية صغارهن
في حال تخلف إحداهن أو بعضهن من المجموعة للصيد وأخيرا ضمان ذكور أقوياء يضمن لهن عدم التحرش بصغارهن من قبل أسود آخرين حتى يكبرون ويغادرون المجموعة. فسبحان من أحسن كل شيء خلقه.
من أشهر النظريات لفوائد السلوك الجماعي في تفادي المفترسات هي نظرية التمييع Dilution theory وهي ببساطة أن الكائنات يقل نسبة إفتراسها إذا كانت مجتمعة فعلى سبيل التقريب لو افترضنا أن هنالك جرادة لونها غير مموهة وبإمكان الطيور ملاحظتها فإن نسبة إفتراسها ١٠٠%.
أما إذا كانت في مجموعة فستصبح نسبة إفتراسها ١/ن. ن هو عدد المجموعة أي أنه لو كان عدد المجموعة ٢٠٠ جرادة فستصبح نسبة إفتراس الفرد الواحد من الجراد ١/٢٠٠ = ٠.٠٠٥%. وهنالك طرائق للحيوانات تعلن فيها إستعدادها وتجمعها في وقت واحد.
أبرز مثال هو الجراد الصحراوي Schistocerca gregaria وهو من الأنواع التي تهاجر إلى السعودية وتفتك بالمحاصيل الزراعية. لدى هذا النوع مرحلتين مهمة هي المرحلة الفردية Solitarious phase والمرحلة التجمعية Gregarious phase وهناك فروق مظهرية وسلوكية بين المرحلتين.
تجمعها بهذا الشكل قد يقلل من نسبة إفتراسها ولكن الألوان البراقة التي تحولت إليها تسمى بالألوان التحذيرية Warning colouration or Aposematism وهذا النوع من تغير اللون البطيء هو الشائع في الكائنات الحية.
قلنا ألوان تحذيرية ولكن كيف تعمل؟ قبيل التغير لهذا اللون يقوم الجراد بالتغذي على النباتات السامة وغالبا من الفصيلة العشارية Asclepiadaceae وبذلك يكون مذاقها في حال الإفتراس غير مستساغ ويسبب تقيوء واضطرابات للمفترس وبذلك يعمل اللون على تنبيه المفترسات ( تاكلني تحمل ما يجيك)
من الفرضيات المندرجة تحت نظرية التمييع هي فرضية إشباع المفترس Predator satiation وفيها يفترض أن الحيوانات تظهر في وقت متزامن لتعمل على إشباع المفترسات وبالتالي تقل نسبة إفتراس الأفراد أو تتاخر بفعل الظهور الجماعي للكائنات.
فمن الأمثلة الشهيرة لهذه الفرضية هي ظهور ذباب مايو وهنالك دراسات على Dolania americana توضح آلية عمل هذا السلوك. هذا النوع من الذباب يقضي فترة طويلة من حياته داخل الماء وفي شهر مايو تظهر الحشرات البالغ للتزاوج قبل إشراق الشمس لكل يوم من بعد منتصف شهر مايو ولمدة إسبوعين.
مدة حياة الحشرات البالغة تتراوح من دقائق إلى ٢٤ فهذا النوع يتعرض للإفتراس من الهواء ومن الماء ويتزاوج سريعا وتلقي الإناث البيض. في الأيام الأولى للظهور تكون نسبة الافتراس عالية جدا ومع مرور الزمن يزيد ظهور المجموعات وتنخفض هذه النسبة بشكل سريع مما يزيد من فرص التزاوج قبل الموت.
وهذا ما لاحظه العالمان بيرنارد سويني و روبين فانوت ١٩٨٢م. هنا شكل مختصر يوضح التغير في نسبة الافتراس وتجدون الدراسة بشكل مفصل هنا google.com.sa
فسبحان من أحسن كل شيء خلقه.
فسبحان من أحسن كل شيء خلقه.
ولكن لهذا المقترح بعض القيود منها عدم تعامله مع اتجاه المفترسات من عدة أبعاد فقد يشرح تأثيره تفادي حيوانات أرضية من مفترس أرضي ولكن لو افترضنا أن هنالك قطيع من الأسماك فإن الصيد سيكون من عدة جهات من مفترسات هوائية ومائية.
ولذلك تكون طريقة (تضليل المفترسات Predators confusion) هي الأنسب لشرح التفادي وفيها أن الحيوانات تستمر في الحركة مع تماسك المجموعة لتبتعد عن الاستهداف.
youtu.be
youtu.be
في الأنماط السابقة كان التقليل من نسبة الافتراس يتطلب التجمع دون المقاتلة ولكن ليس كل الفرائس التي تعيش بشكل جماعي مقيدة بهذه الأنماط فمن فوائد العيش في جماعات الدفاع المشترك Communal defence وفيه تبعد الفرائس مصدر الخطر عنها بواسطة المهاجمة.
ولكن قد يحدث أن الأنانية تطغى على أفراد المجموعة فكثرة أفراد المجموعة تزيد من التنافس على الغذاء وقد يلجأ بعض الأفراد بتكريس وقت كبير للتغذي ويقلل من نسبة المسح عن المفترسات فيزيد الثمن وتقل المنفعة ولكن بملاحظة عامة بطريقة (المنفعة والثمن) Cost-Benefit approach
ولكن لو كان الغطاء غير جيد ومعدل الخطر عالي فتتداعى هذه الطيور وتزيد من مناداتها لبعضها فتكون جماعة في مكان التغذية لتكثر الأعين الراصدة للخطر فسبحان من ألهمها ذلك.
منغمسون في التغذي وقد يبدو هذا إيثار في الوهلة الأولى ولكن تنظيم معقد مثل هذا قد ينشأ من أنانية الفرد ولمصلحة نفسه فعند الإحساس بالشبع يقوم بالحراسة وعند الجوع يوكلها لغيره وبالرغم من ذلك فهذا يصب في مصلحة الجميع وتكون المنفعة متبادلة فالناتج من ذلك هو إطلاق أصوات تحذيرية
يفهمها بقية أفراد المجموعة ويلجأ الجميع لأقرب مخبأ. لكن في الكون جماليات كثيرة فليست تلك الأصوات بمأمن من السرقة والتقليد كما يحدث تماما في سرقة ألحان مغنٍ ما لهدفٍ ما في العالم الموسيقي. يوجد في الحيوانات ما يسمى Kleptoparasitism وهو ببساطة التطفل بالسرقة ?.
فأروع مثال على ذلك هو طائر الدرونقو فهذا الطير يعيش بالقرب من كائنات إجتماعية مثل الميركات ويقلد أصواتها التحذيرية بأعجوبة. لن أطيل في الشرح وإليكم هذا المقطع الجميل وأترك لكم تحليله: youtu.be
أخيرا كما يوضح الجدول في بداية هذه السلسلة أن الجماعات تزيد من كفاءة التغذية إما بالعمل كمركز معلوماتي كما في فرضية مركز المعلومات والتي تقول بأن الأفراد غير الناجحين في البحث عن الغذاء يتبعون الأفراد الناجحين في إيجاد بقعة جيدة للغذاء. وأما الصيد في جماعات فهو أكثر في إظهار
وببساطة يقوم فردين بدورية للبحث عن الوبير وفور تحديد الهدف يقوم أحد الأفراد بتشتيت إنتباه الهدف بينما الآخر يقوم بالإنقضاض عليه فسبحان من ألهمها ذلك. أترككم مع هذا المقطع المصور من عمان من فيلم Wild Arabia
youtu.be
youtu.be
وبذلك أكون قد إنتهيت من هذه السلسلة البسيطة، والأكيد أنه ينقصها الكثير مما تم تنحيته وقد أقوم بوضع بعض المواضيع الاختيارية لاحقا.
جاري تحميل الاقتراحات...