وابن الخطيب من الشعراء الذين لا يمكن أن تقرأ لهم دون أن تفكّر بنهايتهم الدمويّة، كلوركا، والحلّاج، وعبد يغوث بن صلاءة، فمن المعلوم أنّ الغوغاء اقتحموا عليه سجنه، وقتلوه خنقًا، ثم عادوا في اليوم التالي فنبشوا قبره، وأضرموا النار بجثته.
وسرّ مأساتهُ -رحمه الله- أنّه كان يحوي في إهابه ثلاثة رجال معًا: رجل الدولة، والأديب، والعالِم، وكل هؤلاء من الضخامة بحيث يزحم بعضهم بعضًا. فعلى صعيد السياسة، وزَرَ ابن الخطيب للسلطانين أبي الحجاج يوسف وابنه الغنيّ بالله =
وكان كما روى ابن خُلدون وغيره من معاصريه سياسيًا كفؤًا، ومحنّكًا، يبطش بأعدائه، ويتحرّز منه أصدقاؤه، حتى لتخاله أمير ميكيافيلي. أما على صعيد الأدب، فهو صاحب الموشح الذائع الصيت: جادكَ الغيثُ إذا الغيثُ همى * يا زمانَ الوصلِ بالأندلسِ
إذن كان شاعرًا كبيرًا، وكاتبًا مُترسلًا، تُعدّ رسائله في ميزان عصرها آيةً في البيان، وكان فوق ذلك محبًا للجَمال والمسامرة وجلسات الفن والموسيقى والأدب، حتى لتخاله روحًا كلّه. أما على صعيد العِلم، فلقد كان متبحرًا في علوم عصره من فقهٍ وكلامٍ وأصولٍ وتصوفٍ ونحوٍ وطب =
ولم يكن أحبّ إليه من أن يُخلّى بينه وبين كتبه ليقرأ ويصنّف، ومن قرأ سيرته يدرك أنّ السنتين اللتين قضاهما منفيًا في سَلا بين كتبه هي الفترة الوحيدة الهانئة في حياته المضطربة، ولقد بقي يحنّ إليها طول حياته، ولم أرَ رجلًا حنّ إلى منفى كشاعرنا ابن الخطيب.
ظلّ السياسي والأديب والعالِم يتصارعون داخله، وهو ما ينقله في قوله: إنْ تورّعتُ أصبحتْ حَوزةُ المُل * كِ ضياعًا لجُرأةِ الفُجّارِ * أو تقاعدتُ أصبح الأمرُ فوضى * تلعبُ الشاةُ فيه بالجَزّارِ * أو تعرّضتُ وانتدبتُ سمِعتُ ال * نقدَ حال الإيرادِ والإصدارِ .
سُئل مرةً عن حاله فأجاب: أملي من الدنيا تأتّي خلوةٍ * في منزلٍ بادٍ خصيبِ الجانبِ * أُذكي به زندَ القراءةِ والقِرى * رحب الجنابِ لطارقٍ أو طالبِ * حتى ألاقي اللهَ لم تصرفنيَ ال * أوهامُ عنهُ بشاغلٍ أو شاغبِ
ولقد انصاع شاعرنا لإغراء العزلة أخيرًا، لا سيّما بعد أنّ تكالب أعداؤه عليه وصاروا يألّبون الغني بالله ضده، فأوهم سلطانه أنه خارج ليتفقد الثغور، حتى إذا وصل جبل طارق، جاز المضيق، وفارق الأندلس، ولم يدرِ -يرحمه الله- أنه يخطو نحو هلاكه.
أغاظ محمدًا الغنيَّ بالله تركُ وزيرِه له، وألحّ أعداؤه في السعاية حتى نسبوه إلى الإلحاد والحلول بإيعاز من السلطان، فحاكموه غيابيا، وأحرقوا كتبه، وكان شاعرنا مطمئنا إلى جوار سلطان المرينيين، فلما مات، أسلمه السلطان الجديد إلى أعدائه في صفقة سياسية دنيئة.
هناك مسحة من الجبرية والحتميّة القدريّة fatalism تملأ ديوان ابن الخطيب وتجلل معظم قصائده، خصوصًا رثائياته، وكأنّه كان يحدسُ بخاتمته ويحاول الفرار منها على طول صفحات الديوان، أو كأنه يفرّ من قدره ليرتمي فيه دون علمه.
وللشاعر مقطّعاتٌ عديدة تعبّر عن إحساسٍ قويّ بوقتية الحياة وزوالها. نظر مرة في ساعة الرمل (المنكانة) فقال: تأمّل الرملَ في المنكانِ مُنطلِقًا * يجري وقدِّرهُ عُمرًا منك منتهبا * واللهِ لو كان وادي الرملِ ينجِدهُ * ما طال طائلهُ إلا وقد ذهبا .. يقصد وادي الرمل الواقع شمال مدريد.
كتب مرة بعد أن نزل رملةً ثم فارقها: أقمنا برهةً ثم ارتحلنا * كذاك الدهرُ حالًا بعد حالِ * وكلُّ بدايةٍ فإلى انتهاءٍ * وكل إقامةٍ فإلى ارتحالِ * ومن سامَ الزمانَ دوامَ حالٍ * فقد وقفَ الرجاءَ على المُحالِ .. ووقف أخرى على أطلال مدينة خرِبة فكتب على حيطانها شيئا يشبه هذا.
إنّ الحياة في نظرِه خيال زائل، ووهمٌ وأحلام: العمرُ نومٌ والمنى أحلامُ * ماذا عسى أن يستمرَّ منامُ * وإذا تحقّقنا لشيءٍ بدأةً * فله بما تقضي العقولُ تمامُ * والنفسُ تجمحُ في مدى آمالِها * ركضًا وتأبى ذلك الأيامُ * من لم يُصَبْ في نفسِه فمُصابهُ * بحبيبِه نفذت بذا الأحكامُ.
أما الأحياء فأغرارٌ يمشون نيامًا، لكنه مشي محفوف بالمهالك، ومن درج في مسالك السياسة وابتلي بكيد الأعداء يعلم دقّة وصفه: كيفَ الحياةُ لدارجٍ متكلّفٍ * سِنَةَ الكرى بمدارجِ الحيّاتِ * واللهِ ما استهللتَ حيًا صارخًا * إلا وأنتَ تُعَدُّ في الأمواتِ.
إنّنا حين ننهجُ فوق الأرض نفوسٌ انقضى أجلُها وجاوزت مدّتَها: ما أوبقَ الأنفسَ إلا الأملُ * وهو غرورٌ ما عليهِ عملُ * يفرِضُ منه الشخصُ وهمًا ما لهُ * حالٌ ولا ماضٍ ولا مستقبلُ * ما فوقَ وجهِ الأرض نفسٌ حيّةٌ * إلا انقضى بالرَغمِ منها الأجلُ =
لو أنهم من غيرها قد كُوّنوا * لامتلأ السهلُ بهم والجبلُ * ما ثمَّ إلا لقمةٌ قد هُيّئت * للموتِ وهو الآكلُ المُستعجلُ .. ومن أراد أن يحقّقَ الجبرَ في شعره والحتميّة القدرية فليقرأ: نبيتُ على علمٍ يقينٍ من الدهرِ * ونعلمُ أنّ الخلقَ في قبضة القهرِ
لكنّ أظرف ما قرأته في هذا المعنى قوله: كيف الخلاصُ لهاربٍ قد جدَّ في * طلبٍ حثيثٍ ليلهُ ونهارهُ * جيشانِ من زنجٍ ورومٍ أحدقا * بطريدِ معركةٍ فبان فِرارهُ .. لله درّه كيف مثّل الإنسانَ رجلًا عالقًا في ساحة معركة، يركضُ خيلَه وقد أحدق به جيشان على وشك الاصطدام، فأين النجاة؟
وله تنويعٌ آخرُ ظريف على نفس المعنى: هو الدهرُ ذو وجهين يومٍ وليلةٍ * ومن كان ذا وجهينِ يُعتِبُ في غدرِ! وقال في شبابه يرثي والده: وإنّا وإن كنا على ثبجِ الدُّنا * فلا بدّ يومًا أن نحُلَّ على الشطِّ * وسيّان ذُلُّ الفقر أو عِزّة الغِنى * ومن أسرع السيرَ الحثيثَ ومن يُبطي =
تساوى على وِردِ الردى كلُّ واردٍ * فلم يغنِ ربُّ السيفِ عن ربّة القُرطِ .. وهذا البيت الأخير يعجبني للغاية، فأتصوّر نوعًا من قصص الفروسيّة كان شائعًا في زمن ابن الخطيب، يشبه ما نقرأ الآن من قصص الفرسان حين ينقذون الأميرات، ماذا يغني كل سعيهم أمام حقيقة الموت؟
إنّ من يقرأ ديوان ابن الخطيب، ويمتلئ بكل هذه المعاني، يفهم لماذا فرّ من الوزارة بدهاليزها وأحابيلها، وسيفهم أكثر حين يعلم أنّه دفن زوجته قبل عشر سنوات في سَلا، حيث كانا منفيين في المغرب. وها هو الآن يعبر البحر وكأنّ قبرها مغناطيس روحيّ يجذبه إليها.
قال ابن الخطيب يرثي زوجته: روّعَ بالي وهاجَ بَلبالي * وسامني الثُّكلَ بعد إقبالِ * ذخيرتي حين خانني زمني * وعُدّتي في اشتدادِ أهوالِ * حفرتُ في داري الضريحَ لها * تعلُّلًا بالمُحالِ في الحالِ * وغِبطةٌ توهِم المُقامَ معي * وكيف لي بعدها بإمهالِ =
سقى الحَيَا قبرَكِ الغريبَ ولا * زال مُناخًا لكلِّ هطّالِ * قد كنتِ مالي لمّا اقتضى زمني * ذهابَ مالي وكنتِ آمالي * أمّا وقد غابَ في ترابِ سَلا * وجهُكِ عنّي فلستُ بالسالي * فانتظريني فالشوقُ يُقلقني * ويقتضي سُرعتي وإعجالي * ومهّدي لي لديكِ مُضطجعًا * فعن قريبٍ يكونُ تَرحالي .
قل ما شئت عن هذه الأبيات، أما أنا فلا أقرأها دون أن أذوبَ حزنًا وإشفاقًا لما تصوّره من صدق عاطفة، وتجلّدٍ مفجوع، وهي من القصائد النادرة التي تصوّر الزوجة شريكةً حقيقية للرجل، فإذا رحلت رحل نصفُ حياته. ثمّ تأمّل وعده الذي قطعه حين قال: انتظريني، وحين قال: مهدّي لي مضجعًا =
أتراهُ أنجز وعده حين جاز المضيقَ بعد عشر سنوات، ليُدفن معها في تربة المغرب؟ لكنّ القدر حال بينهما شيئًا، فدُفنت في سلا، ودُفن في فاس، قُرب باب المحروق، ولو مررت هناك هذه الأيام، ودخلت ضريحه، ستقرأ على الجدار أبياتًا قالها وهو في الحبس، حين شعر بدنو أجله =
وكنا شموسَ سماءِ العُلى * غربنَ فناحت علينا البيوتْ * فكم جدّلتْ ذا الحُسامِ الظُبَى * وذا البختِ كم خذلتهُ البخوتْ * وكم سيق للقبر في خِرقةٍ * فتى مُلِئت من كُساهُ التُّخوتْ * فقل للعِدا ذهبَ ابنُ الخطيبِ * وفات ومن ذا الذي لا يفوتْ.
اقرأ الأبيات السابقة، ثمّ مثّل في خيالك رجلًا في الثالثة والستين، عركته الحياة، وأنهكته التجارب، حتى غضّنته، ولم تترك عنده ذرّة شك أنّ أعداءه قاتلوه، فسلّم أمره إلى الله، وبدأ الصلاة والاستغفار حتى صار بعيدًا عن الدنيا وسخمها، ستفهم حينها قوله: بعُدنا وإن جاورتنا البيوتْ.
رحمك الله يا ذا الوزارتين، وَليت الإنشاء فملأت الدنيا تحبيرًا وكتبًا، ووليت الوزارة فسددت ثغرك ورفعت دولتك، ولمّا ضقت بأحابيل السياسة، وتعبت، وآثرت العزلة، هربت بنيّة النجاء، لكن أين النجاء وأنت القائل: وما بغريبةٍ نُوبُ الليالي * ولكنَّ النجاةَ هي الغريبه!
جاري تحميل الاقتراحات...