أبو محمد
أبو محمد

@abu2mh

17 تغريدة 5 قراءة Dec 09, 2019
مازلت أذكر آخر يوم لي في الجامعة .. تسلمت الوثيقة بعد طول انتظار .. ثم دلفت خارجًا ولم ألو على شيء .. وعند بداية الدرج الخارجي توقفت .. وأخرجت سيجارة .. أشعلتها .. أخذت نفسًا عميقًا لأحرق مابقي بداخلي من سيء الذكريات .. ثم ألقيتها وأنا أقول: هذا فراق بيني وبينك؛ أعنيهما الاثنتين.
لكني حنثت وعدت بعد ستة أشهر ...
جميعنا كنّا نكره الجامعة .. الصالح والطالع .. المتفوق والفاشل .. كلنا نتفق على كره الجامعة والأساتذة .. لم نكن نفرق بين سعودي وغير سعودي .. كلهم سواء .. كانت سنوات عجاف .. عيّت تخلص!
عادت النخبة من الطلاب للجامعة لدراسات الماستر، وأزعم أني من تلك النخبة، وتوطدت العلاقة مع الزملاء بشكل أكبر .. تخلصنا من أولئك الذين يستجدون الملخصات ويجلسون بجانبك وقت الاختبار لتتصدق عليهم بإجابة سؤال يعدون معه المادة .. كل أولئك انقطعت العلاقة بهم بعد آخر اختبار في البكالوريوس
خلال مرحلة الماستر عرفت السبب الحقيقي لكره الجامعة والأساتذة، السبب هو تلك المذكرات، حرمونا من قراءة أمهات الكتب، حُرمنا من كلام علماء اللغة؛ الرعيل الأول، لم نعرفهم إلا في الماستر. واجهنا صعوبة في بداية الأمر فلم نعتد القراءة من كتب التراث مباشرة .. والآن ليس شيء أحب إلينا منها.
خلال الدراسة ظهرت لنا فئة المعلمين طُلاّب المستوى السادس، وهم مع مالديهم من علم أقل الطلاب حماسًا له، وكان أغلب حديثهم عن موافقة جهة العمل والحصول على الأوراق التي تيسّر الحصول على المستوى السادس بأسرع شكل، فكان كثير منهم يغيب ولايحضر اجتماعاتنا خارج الجامعة للقراءة الجماعية
عرفنا علماء العربية بفروعها وفنونها، وولجنا عالم الكتب التراثية، وبتنا نميّز بين الطبعات العلمية والتجارية، نعرف المحقق الثبت والمحقق سالق البيض والمحقق الوهمي.
ثم عرجنا على المجلات المحكمة؛ وكنت قد أدمنت مدة على قراءتها لقصر أبحاثها مقارنة بالكتب ولطرافتها.
ولا أزكيها ففيها غثّ!
للحديث بقيّة ...
كانت فترة الدراسة في الماستر مرحلة بناء لكثير منّا .. الضعيف يبحث عن المختصرات والمقدمات ويسأل عن أفضل الشروح ليجاري البقيّة في المستوى .. لأنه في حديث تخصصي دائم .. يعرض عقله وعلمه صباح مساء لزملائه عبر مجموعة خاصة في الواتسب .. ولا يريد أن يكون أقل شأنًا من البقية.
الواتسب يسّر التواصل والتنسيق .. وأحيانًا نجتمع فيه لساعات طويلة خاصة إذا طُرحت قضية خلافية .. وبالمناسبة يصل التعصب للرأي فيها وتبادل الشتائم إلى حد لم يصل إليه الإخوة عُشّاق الرياضة .. لكن بالفصحى ?
بداية الأمر كنّا نجتمع في المكتبة .. لكن طبيعة المكان لاتصلح لحوار حاد وساخن .. فانتقلنا إلى مقهى المكتبة في الدور الأرضي .. فاستاء منّا الساقي لأننا نطلب بمبلغ يسير ونجلس لساعات .. والناس حولنا لايعلمون فيما نخوض، يسمعون: قال فال استقام استقوم استفال استفعل ... تحضير جنون ?
يقولون العلم بحر كناية عن غزارته .. هذا المعنى القريب .. أما المعنى البعيد وهو المقصود: أنه كالبحر لأنك كلما شربت منه ازددت عطشًا ..
كل كتاب أو بحث نسمع به ندوّنه ونضيفه لقائمة قراءاتنا المستقبلية .. إذا فاتك شيء فقد يتعداك الركب ويصدق عليك القول: نمت وأدلج الناس.
بعض الزملاء فيه نشاط عجيب ومبارك له في وقته .. أنهى الدراسة في المدة النظامية .. وبعضهم عنده علم لكن الحياة أشغلته فأجّل وأجّل ولم ينته من رسالته حتى انقضت المدة النظامية مع سنوات التأجيل والاستثناء ..
في مرحلة الماستر تبدأ بترك الكثير من الصداقات والعلاقات التي لاتفيد .. فيتقلص عدد أصدقائك من غير التخصص إلى واحد أو صفر! والسبب في ذلك أنك تجالسه فلا يتحدث بما تريد ولا تتحدث بما يريد .. فتحصل بينكما الوحشة .. أما أنا فلم يبق لي صديق من غير أصحاب التخصص!
تركتهم أو تركوني!
لم تنقطع الجلسات واللقاءات بعد الماستر للقراءة الجماعية أو الحديث في مواضبع الساحة العلمية .. وكان نصف الزملاء قد التحق ببرنامج الدكتوراه ممن سبقنا في التخرّج .. فتقدمت فور تسلّمي الوثيقة للدكتوراه وقُبلت ولله الحمد من أول محاولة.
في الدكتوراه أصبحنا نقيّم أساتذتنا .. لم يعد يرضينا من يقرأ النص ويشرحه .. أظننا تجاوزنا هذه المرحلة .. كنّا نبحث عن الأدوات المنهجية للتعامل مع النصوص .. بعضهم كان ثقيلاً على النفس لكنه عجيب في تعامله مع النصوص .. قدّم لنا مفاتيح ثمينة ظهر أثرها على تناولنا للمسائل لاحقًا ...
بدأنا بتكوين مجموعة جديدة لطلاب الدكتوراه .. وهم نخبة النخبة من مجموعة الماجستير .. وفي أثناء الدراسة المنهجية توقفنا عن القراءة الجماعية لانشغالنا بالمنهج ومايتعلق به .. ثم انشغلنا بالاختبار الشامل .. ثم اختيار موضوع الرسالة .. هذه المواضيع كانت تسيطر على الحديث في كل لقاء.

جاري تحميل الاقتراحات...