عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

9 تغريدة 3 قراءة Apr 12, 2023
هذه قصةٌ لها قصّة ؛
كلما كتبت موضوعًا أدبيًا أفضّل فيه أديبًا، أو أطري ديوانًا، أو أصدر حكمًا، تأتيني ردود من شاكلة: انتهى عصر المفاضلة، المسألة ليست حسابًا ورياضيات، تجاوز النقد الحديث كلَّ ذلك، إلخ. كتبتُ القصة أعلاه وأنا أفكر في الموضوع.
إنّ العاشق حين يتذكر وجه حبيبته ويتمتم متلذذًا: أجمل ما فيها عيناها! بل أنفها! بل شعرها! بل شفتاها! يدرك في قرارتِه أنّها مقارنة باطلة، لكنّه يستغرق فيها لأنها تمثّل وجه المحبوبة أمامه.
عندما تجبه أحدهم برأي ويجترّ ما يحفظه عن موت المؤلف وموت الناقد وغير ذلك كما لو أنها حقائق ومسلّمات، حينها لا تملك إلا أن تبتسم. جاءت أدبيات ما بعد الحداثة لتثور على مركزية الحقيقة والدوغما والمرجع، لذا يبدو الأمرُ مضحكًا ومُفارقًا حين يردد المرء تلك الاقتراحات كما لو أنها دوغما!
مأخذي على بعض الممارسات النقديّة الحديثة، أنّها قلّصت الساحة النقدية والأدبية إلى حالٍ من الصمت. يتحامى الناقد المعاصر أن يفضّل عملًا، أو يُصدرَ حكمًا، أو يُطريَ شيئًا، حتى يكاد لا يقول شيئًا، وحتى سيطر الخواء والجدب على المشهد.
عندما أجلس إلى أصدقائي آخر الأسبوع، أبدأ الجلسة قائلا: فلان أفضل الأدباء، وهذا أجمل ديوان، ثمّ ينكر عليّ أصحابي، ويشنّعون على الأديب أو الديوان، وندخل في نقاش طويل ممتع، وكلنا يدرك أنّ العبارة الاستهلالية لم تكن غرضًا بذاتها وإنما عذرًا لفتح باب القول.
وأظنّ أنّ أبا عُبيدة، وأبا عمرو بن العلاء، وابن الأعرابي، والأصمعي، عندما كانوا يقولون: فلان أشعر مُضَر، وفلان أشعر الجاهليين، وفلان أشعر المُحدثين، كانوا يرمون إلى شيءٍ مما ذكرت من فتح باب القول، أما ما يُذكر عن سلطة الناقد، وفرضه ذوقه، فهو ضَربٌ من هشاشة الإنسان الحديث.
بوسعك أن تقرأ نصًا على ضوء حياة مؤلفه، أو تقرأه بمعزل عن مؤلفه، وبوسعك أن تقارن وتفضّل بين الأدباء، أو تقول باستحالة التفضيل والمقارنة، لكنك ستبدو مضحكًا حين تعتنق إحدى هذه الاختيارات كما لو أنها دوغما، وما هي إلا أعراف تواكب مزاج وإيمان المجتمع بشأن مركزية الحقيقة والمرجع.
سأختم بهذه: جلست مرة مع أحد أصحابي وكان بين يديه رواية آدا Ada لنابكوف، وكان مولعًا بالكاتب. أخذ عليّ أنني أعبّر عن آرائي بشيء من القوة والقطع. ابتسمت، وتناولت كتابه، وفتحت على الصفحة الثانية حيث تُسرد أعمال المؤلف، وأشرت إلى أحدها، وكان العنوان: آراء قويّة Strong Opinions .

جاري تحميل الاقتراحات...