وإنّي لأرى في شخصية امرئ القيس، وغرارته السياسيّة، وأوديسته المتخبّطة خلفَ ثأرِه، وتهالكه على النساء، وحكمته المتأخرة، ونكباته آخر حياته، حتى لتنقمَ عليه ساعة، وتعطفَ عليه ساعة، وتُعجَبَ به ساعة، وتَعْجَبَ منه ساعة؛ أرى في كل ذلك ما يمثّل الشخصية العربية أصدق تمثيلٍ وأحسنه.
وديوان امرئ القيس -رغم ضياع جزء منه- منجمُ جواهر، لا أعرف ديوانًا آخرَ يعطيني كلّما أعطيته، ويمدّني بالدروس اللغوية والأسلوبيّة والأدبيّة والحياتيّة والفلسفيّة والجماليّة كما يفعل هذا الديوان، لم أفتحه يومًا إلا وخرجت بدرسٍ جديد.
وديوانه عِلقٌ نَفيس عند أهل العربية واللغة، يدّخرونه ويَقنونه ويجمعون نَشَراتِه، لكنّي أريد للآخرين أن يستفيدوا منه ويعرفوا قيمته، أريد ذلك لشاعر الحداثة، وما بعد الحداثة، وكما يحوي كل منزل في إيران نسخةً من ديوان حافظ، أريد لكل منزل عربي أن يحوي ديوان امرئ القيس.
ولكي يُقرأَ الديوان على وجهه يجدر بالقارئ أن يتعرفَ على مشكلتين تحولان دون ذلك: القَصَص الشعبي الذي يحيط بشخصية امرئ القيس، والطريقة المضطربة التي جُمع بها ديوانُه، وسأتعرض سريعًا لكلا المشكلتين.
عاش شاعرنا في زمن المنذر بن المنذر بن امرئ القيس (والد عمرو بن هند)، ويُعتبر من أقدم الشعراء الجاهليين الأعلام، وإن كان هناك أقدمُ كعدي بن ربيعة وزهير بن جناب، لذا يجدر بالمؤرخ أن يتناول أخباره بكثير من الحيطة والتحرّز والشكّ.
لكن حذارِ أن يكونَ الشكّ -بعد أن ترك المنقولَ خرائبَ وأنقاضًا- سببًا في الارتماء نحو نقيضه من الخيال، كما حصل مع طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي" حين زعم أنّ امرأ القيس شخصيةٌ خيالية ابتكرها اليمانيون وابتكروا شعره للتورية عن ثورة عبد الرحمن بن الأشعث الكندي.
والأمر لا يحتاج كبيرَ جهدٍ لتفنيده، فهو أشبه بدخولك محلّ مجوهرات، فتعمد إلى أصلب وأجمل الجواهر، الجوهرة المعيار التي تُقاس عليها باقي الجواهر، فتقول: هذه مزيّفة! أدرك طه كم كان زعمه سخيفًا، فانصرف عنه واستدرك في "حديث الأربعاء".
لكنّ الثابت عندي أنّ الرواةَ -آنذاك- وقد نقلوا جزءًا من شعر امرئ القيس إلى الخلفاء والأمراء والأعيان، وجدوا أنفسَهم يُسألون عن مناسبة الأبيات، وترجمة الأعلام المذكورة، وقصصهم، فخلق ذلك سوقًا نافقة لوضع القصص واختلاق الأخبار.
وأكثر ما يُروى من أخبار امرئ القيس واضح الوضع، ضعيف النِحلة، ولعلّ الأكثر ركاكةً ما يأتي مرويًا من جهة ابن الكلبي وابن السِكيّت والأصمعيّ، وأغلب هذه الأخبار تتضارب وينفي بعضها بعضا حتى تتساءل إن كنا نعرف شيئا حقيقيًا عن امرئ القيس سوى ما يقترحه شعره الصحيح النسبة.
وأشهر ما يُروى من أخباره مقتل أبيه حُجر، ووصيته إليه، وانغماس امرئ القيس في اللهو أثناء تلقّيه الخبر، وقوله: اليوم خمرٌ وغدًا أمر، وقوله لنديمه: ما كنتُ لأفسدَ عليكَ دستك، والخبر على طوله يكاد يكون مسلوخًا بالكامل من قصة البسوس وكُليب والمهلهِل.
وكأنّي بواضع الخبر استشعر جنايته حين سلخ الخبر، فأراد أن يكفّرَ بزعمه أنّ والدة امرئ القيس أختٌ لكليب والمهلهِل، وهذا من الزيف البيّن، فامرؤ القيس يمنيّ الخؤولة والعمومة كما يخبرنا شعره: خالي ابنُ كبشةَ قد علِمتَ مكانَهُ * وأبو يزيدَ ورهطُهُ أعمامي
ويروي الهيثم بن عدي أنّ امرأ القيس كان ضمن جيش أبيه حين لقي قبيلة أسد وقُتل، فهرب امرؤ القيس على فرسٍ له شقراءَ وأعجزهم، وهذا عندي أسوغ من الرواية السابقة الظاهرة الوضع.
وثاني ما ذاع عن امرئ القيس خبره مع ابنة عمه عُنيزة يوم دارة جُلجل، نقله الأصمعي عن راوية الفرزدق عن الشاعر، والعاقل يدرك أنّ الخبر موضوع، فالعربيّ لا يفضحُ ابنة عمّه، فشرفها شرفه، ونسبها نسبه، وهو يدرأ عن هذا النسب بكل ما لديه، فما بالك إن كان نسبًا ملَكيًا!
وابن حبيب يروي بيت المعلّقة: ويومَ دخلتُ الخدرَ خدرَ عُنيزةٍ ، هكذا: ويومَ دخلتُ الخدرَ يومَ عُنيزةٍ ، ويقول: عُنيزة هضبة سوداء بالشِّحر ببطن فَلج، وامرؤ القيس يذكر عُنيزة كمكان في مواضعَ أخرى من شعره، ولا مانع أن تكون عُنيزةُ امرأةً أخرى لا تمتّ له برحم.
ثم تأتي قصة انتزاحه إلى قيصر، ولا غرابة أن يستغل امرؤ القيس الصراع بين الفرس والروم كي يستعيد ملك آبائه، فلقد كان الفرس يدعمون المناذرة، وكان الروم يدعمون كندة عن طريق عمالهم الأحباش، لكن الغريب والمضحك قصة افتتان ابنة قيصر به، وحديث الحلّة المسمومة، وغير ذلك من التخاريف.
ها قد أريتك أنّ ما يُروى عن امرئ القيس أشبه بالقَصَصِ والأساطير الشعبية والأجدر اطرّاحه قبل أن يستقبلَ المرء الديوان لقراءته، وأن يفتّش عن قصته في ثنايا الديوان نفسه.لكن هل يمكن الاطمئنان إلى كل ما في الديوان؟ هنا تأتي العقبة الثانية.
فالديوان جُمع بالرواية، كان العلماء يجوبون الفيافي كي يلتقطوا البيت أو البيتين من أفواه الرواة، ولربما وقع البيتُ أو القطعةُ في قصيدة تناسبها وزنًا وقافية وهي ليست منها! وهذا كثير جدًا في ديوان امرئ القيس.
فمثلًا، لا يمكنني أن أقرأ قصيدته البديعة: أحارِ بن عمروٍ كأنّي خَمِرْ * ويعدو على المرءِ ما يأتمِرْ .. أقول: لا يمكنني قراءتها دون أن أشعرَ أنّها إن لم تكن قصيدتين فهي ثلاث ضُمّت سويًا بالخطأ.
ومثل ذلك يُقال في ترتيب الأبيات، والمحققون مُلزمون بسوقها كما في المخطوط أمامهم، أما القارئ فلا بدّ أن يدخل في لعبة قصٍ ولزقٍ وإعادة ترتيب حتى يخرج بما يتصوره قريبًا من القصيدة الأصل، وهي لعبة لا تخلو من متعة.
وصلنا الديوان برواية الأصمعيّ والمفضّل الضبّي والسُكّري وغيرهم، ولقد أحسن محمد أبو الفضل إبراهيم في نشرته التي عرض فيها هذه الروايات. وأنا أطمئن إلى أكثر ما جاء عن طريق الأصمعي (شعرًا وليس خبرًا)، وأطمئن إلى بعض ما انفرد به المفضّل، أما عدا ذلك فلا أكاد أقبله.
فهذه عقبتان، لو وعاهما القارئ وقرأ الديوان وهو ملمٌ بهما سيتحصل على أكبر فائدةٍ بإذن الله. قلتُ في أول كلاميّ إن الفائدة ليست مقصورة على اللغويين، وإنّ في شعره دروسًا أسلوبية للأدباء الجدد، وسأدلل على ذلك بحديثٍ عن ظاهرةٍ في شعره أسمّيها: "تيّار الصور".
من المعلوم أنّ امرأ القيس من أحسن الشعراء وصفًا، بل يكاد الشعراء يكونون عيالًا عليه في تشبيهاتهم، وقديمًا قيل: الشعراء ثلاثة: جاهليّ وإسلامي ومولّد، يقصدون امرأ القيس وذا الرّمة وابن المعتز، لإجادتهم الوصف.
لكن لا ذا الرمّة ولا ابن المعتز يبلغان شأو امرئ القيس حين يصف، فالصورة عند امرئ القيس معقّدة، ومركّبة، ومتحرّكة، ولها زمنها الخاص، وإطارها القصصي، وسأضرب ثلاثة أمثلة على ذلك.
ويطيب لي أحيانًا أن أفهمها على غير وجهِها، فأرى التجار يُنزلون الخمر بترفقٍ ويُسر حذرًا وإشفاقًا على الجرار، حتى إذا ما استقرّت فتحوها، ومزجوها بأصفى الماء وأعذبه. فهذه صورة متحرّكة لها قصتها الداخلية، توهم القارئ أن امرأ القيس تكلّفها كي يشبّه الريق بأعذب أنواع الخمر، لكن كلا =
لقد أدرك امرؤ القيس أنّ تغيير المشهد، والانسياق مع زخم الصورة، يعطي السامع انشراحًا، ويبث الحياة في القصيدة، ويدفع الملل، وقد يخاله الناقد ضربًا من "تيار الوعي" لكنه شيء آخر، فبمجرد أن تنتهي الصورة يرجع امرؤ القيس إلى موضعه من القصيدة، فإذا بقدميه ثابتتين لم تتزحزحا عن موضعهما.
يبحث عن الغضا كي يشعلَ بها ناره، ثم حلّق حول جَمُراته أصول الأشجار كي تمدّها فلا تنطفئ أبدًا، ثمّ جعلها فوق أكمةٍ عالية، تطرقها الريح فتزيدها التهابًا، ثمّ أراد امرؤ القيس أن يزيد الصورة حركةً =
فقال إنّ موضع الجمر بقعة يؤوب إليها المسافرون، فينزلون من رواحلهم، ويتحلقون حول النار طلبًا للدفء. فهل رأيت أبدع من هذا التشبيه، وكيف يندفع امرؤ القيس مع زخم الصورة حتى تكاد تنسى أنه يتحدث عن قلادة محبوبته!
الأبيات أعلاه مقتطعة من قصيدته الرائية البديعة: سَمَا لك شوقٌ بعدما كان أقصرا * وحلّت سُليمى بطنَ قوٍّ فعرعرا ، وتكاد تكون أحبَّ قصائده إلى قلبي. فبعد أن ودّع امرؤ القيس ظعائنه =
وقف يستشرفهم، فرآهم يخوضون في السراب كأنهم سفنٌ مقيّرة، وهذا معنى استفاده طَرَفة بن العبد لاحقًا، لكنّ خوض السفائن في الآل جعل تشبيه امرئ القيس أدقّ وأبهج. ثم يشبّه امرؤ القيس الهوادج وقد علتها البُسُط بالنخلِ المحمّلِ بُسرًا =
وهو معنى استفاده ذو الرّمة إذ يقول: رفعن عليه الرَقمَ حتى كأنّه * سَحوقٌ تدلّى من جوانبها البُسْرُ ، لكن شتّان بين صورة ذي الرمّة الأحاديّة الجامدة وصورة امرئ القيس المتحركة المركبّة. فهوادج امرئ القيس =
كأنّها نخيل قومٍ يُقال لهم بنو الربداء من آل يامن، تقع بساتينهم في اليمامة بين حصني الصفا والمشقّر، نخلهم باسق، أحمر البُسر، يحميه بنو الربداء بالسيوف المُصلتة، ويدور حوله عمال كسرى تتردد فيه أعينهم يريدون جبايته. =
انظر كيف نسى امرؤ القيس نفسه، وأسلمها كليًا لزخم الصورة ومنطقها وعالمها وقصتها، حتى إذا ما استنفدها عاد إلى موضعه السابق من القصيدة. قل ما شئت عن هذا الأسلوب، أما أنا فأجده في غاية الحداثة والنضج، وسأستخدمه في قصصي وكتاباتي.
وخلاصة القول أنّ امرأ القيس في مملكة الشعر يكاد يكون الملك المُتوّج، وهذه من المفارقات التي لا أملّ الإشارة إليها ؛ لقد أضاع حياته في طلب ملك آبائه الكنديين دون جدوى، لكنه في تلك الأثناء كان يبني -دون علمه- عَرشَه الخالد في مملكة الشعر.
جاري تحميل الاقتراحات...