عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

29 تغريدة 56 قراءة Jul 05, 2022
سألني صديق عن روايات دوستويفسكي الأربع الكبرى؛ بأيّها يبدأ؟ فلعلّ في هذه التغريدات ما يساعد على تقحّم هذا العالم وفهمه.
كنتُ -إلى مدةٍ قريبة- أسلّم بالرأي القائل: إنّ دوستويفسكي يبدأ رواياته بشكل متقن لكنه ينهيها بشكل ردئ، كنت أتساءل وأنا أقرأ "الشياطين": ما باله أخذ يُعمِل في شخصياته قتلًا وتدميرًا وكأنّ خيوط الرواية أفلتت من يده؟!
حدث مثل هذا أيضا وأنا أقرأ "المراهق"؛ فبعد أن صبّ دوستويفسكي سلسلةً من الفضائح فوق رؤوس أبطاله -وهو أسلوب مفضّل لديه- إذا بفضاء الرواية يتحوّل خرابًا بلقعًا كئيبًا تحكمه الفوضى. تركني وأنا أتصوّر الحبكةَ كرةً صوفٍ في يده تمزّقت وتشعّثت خيوطها.
بقيت أسلّم بهذا الرأي إلى أن بدأ يتشكّل في ذهني تصوّر محدد واضح لمفهوم "الفوضى" Chaos في أدب دوستويفسكي، وما إن اختمر هذا التصور وأخذ مكانه حتى صرت أفهم نهايات دوستويفسكي وأجدني أكثر تعاطفا معها.
لنتذكر أنّ دوستويفسكي بدأ حياته يساريًا ثائرًا على النظام القيصري مما أودى به إلى السجن. تجربة السجن غيّرته تماما، واضطرته إلى مراجعة كثير من قناعاته، وزاد من مرارة التجربة نوبات الصرع التي بدأت تداهمه دون سابق تجربة.
خرج دوستويفسكي من السجن وقد تحوّل من اليسار إلى اليمين. أصبح لا يكره شيئا كرهه الثورة بما تجرّه من فوضى، وهو ما سيهاجمه بضراوة في روايته "الشياطين"، كذلك هاجم الفوضى الأخلاقية في "الجريمة والعقاب" ، والفوضى الحسيّة في "الأخوة كارامازوف".
وقضية دوستويفسكي مع الفوضى Chaos أعقد من هذا، ومتجذرة في تركيبه السيكولوجي، وأظن لها علاقة بنوبات الصرع بما يتبعها من خمول وكآبة وضياع. إنّ من يقرأ مذكرات آنا غريغوريفنا -زوجة دوستويفسكي- يدرك أن أسوأ ساعات زوجها هي تلك التي تتبع الصرع.
تصف آنا غريفوريفنا بفصاحة كيف أنّ زوجها يقضي يومًا كاملا بعد النوبة في مزاج سوداوي وتشتت وعجز، وكأنّ نفسه طارت شَعاعًا بالتعبير الحرفيّ للكلمة، كأنّ هذه التيارات الكهربائية المفاجئة ضربت ما في عقله من انسجام لتتركه في حالة من الفوضى.
لهذا السبب أصبح دوستويفسكي لا يكره شيئا كرهه الفوضى، في مستوياتها السياسية والأخلاقية والحسيّة المختلفة، شخصياته السيئة ليست شريرة، إنما فوضوية، وأسوأ نهاية يتصوّرها لأبطاله ورواياته عندما تضرب الفوضى ليتحوّل كل شيء خرابًا وأطلالًا.
هذا بالضبط ما يحدث في كثير من روايات دوستويفسكي وكنت أستنكره سابقًا وأعزوه إلى إفلات خيوط الرواية من يده. إنّ "جسد الرواية" لدى دوستويفسكي يُصاب بالصرع حرفيًا، ليتبع ذلك جوٌ من السوداوية والتشتت والتعب يخيّم على باقي الرواية. وأكبر مثال على ذلك "الشياطين" و "المراهق".
كتبَ دوستويفسكي مجموعةً من القصص والروايات قبل السجن وبعده، إلى أن وقع أخيرًا على نمطين من الشخصيات سيطوّرهما ويستخدمهما في أغلب رواياته اللاحقة: شخصية الحالم في "ليالٍ بيضاء" ، وشخصية رجل القبو في "مذكرات من تحت الأرض".
شخصية الحالم The dreamer تكاد تكون مثالية idealistic ، رغم عيشها بيننا إلا أن حجابًا رقيقًا يفصلها عن الحقيقة والواقع، أبرز تمظهراتها الروائية: الأمير ميشكن في "الأبله"، وستيفان فروخونفسكي في "الشياطين"، وأليوشا في "الأخوة كارامازوف".
أما شخصية رجل القبو The Underground man ، فهي وجوديّة، منطويّة على نفسها، رغم عيشها في المجتمع إلا أنّ حقدها وبرمها به وبنفسها يضطرها إلى اللجوء إلى قبو سفليّ بالمعنى المكاني والنفسيّ، أفضل تمظهراتها: راسكلنيكوف في "الجريمة والعقاب" وبطرس وستافروجين وكيريليوف في "الشياطين".
رواية "الأبله" أول ما قرأت لدوستويفسكي، هي أحبّ أعماله إلى قلبي، وتصوّر الأميرَ ميشكن؛ تلك الشخصية الملائكية المصابة بالصرع، وكيف رجع من رحلة علاج في سويسرا ليُقذف به في خضم المجتمع السان بطرسبرغي بمؤامراته وشهواته، وما ينتج بالضرورة عن ذلك من دراما.
أكثر ما لفت انتباهي شخصية الأمير. رغم أن العنوان يصفه بالبَلَه، إلا أننا نُفاجأ بعكس ذلك، نُفاجأ بقدرته العجيبة على تمييز الشر وفهم النوايا والنكت السيئة بحقه. إنّه يعرف الشر جيدًا لكنه عاجز عن اجتراحه، لهذا تقع كل الشخصيات في حبه.
إحدى هذه الشخصيات بارفيون روجيين، لو تذكرون كلامنا عن الفوضى ها هو الفوضى مجسّمة، رغم إنّه لا يضمر العداء لميشكن، بل يكاد يحبه، ويعقد معه أخوّةً روحيّة، ويبادله الصلبان، إلا أنّ فوضى الشهوات المتلاطمة داخله تؤدي إلى نهاية الرواية الكارثيّة.
لا أنسى مشهدين من الرواية ما بقيت: مشهد دخول ميشكن بيت روجيين، أريد لكم أن تقرأوه وأنتم تستحضرون أن دوستويفسكي صوّر بيت روجيين المظلم الكئيب الذي يحوي لوحة المسيح الميّت كما لو أنّه عقل روجيين نفسه، كما لو أننا دخلنا وعي روجيين، ويا له من وعيٍ مرعب!
أما المشهد الثاني فلا يمكن أن أقرأه دون أن يتحرّك شيء داخلي. يصور المشهد الأمير ميشكن جالسا في حديقة يتذكر أيامه الأولى في سويسرا، أيام مرضه وبلهه، كان يومًا مشمسًا، رائعًا، أشبه بكرنفال من البهجة، إلا أنّ عجزه عن النفوذ إلى ما وراء المشهد والمشاركة فيه ظلّ يعذبه.
كانت "الجريمة والعقاب" ثاني ما قرأته له، وأعدّها أفضل رواياته فنيًا، وهي ما أوصي به -عادةً- كمدخل إلى عالم دوستويفسكي. تصوّر الرواية راسكلنيكوف، رجل القبو بامتياز كما أسلفنا، لا يمكن أن تقرأ مشاهد غرفته الضيّقة الخانقة دون أن تُصاب بالرهاب والكلوستروفوبيا.
إنّ عزلة راسكلنيكوف الشعورية جعلته يتصرف كما لو أنّه خارج النسيج القانوني، فتصوّرَ أنّه بقتله المرابية العجوز الشريرة التي تطلبه مالًا إنّما يصلح المجتمع، وهكذا تحصل الجريمة في الفصول الأولى وتكون رحلته الأخلاقية والروحيّة في باقي الفصول عقابًا لها.
الرواية مكتوبة بأسلوب بوليسي بارع، تشّكل لعبة القط والفأر بين راسكلنيكوف والمفتش الذي يجيد اللعب على سيكولوجية راسكلنيكوف أبرع ما في الرواية. هناك مشهد لمحاولة اغتصاب لا يزال يثير رعبي رغم تباعد الزمن ونسياني التفاصيل، كل ما أذكره مزيج من العناكب والصراصير والقرف!
الرواية الثالثة "الشياطين". أراد دوستويفسكي أن يوجّه عبرها هجاءً للثوريين وكتّاب اليسار بما يجرّونه من فوضى، لذا كان يُفترض أن تكون هزلية، هي فعلا تحوي مجموعةً من أطرف مشاهد دوستويفسكي، لكنها في الوقت نفسه وصلت مناطقَ قصيّة للشرّ لم يسبق لأحدٍ أن نظر إليها.
الرواية كرنفالية بامتياز، يتجاور فيها الجدّ والهزء، والضحك والرعب، والخير والشر، أغلب مشاهدها تحدث في الظلام، إن كانت "الجريمة والعقاب" تحوي رجل قبوٍ واحد ف"الشياطين" تحوي عشرات! كل من قرأها سوف يذكر الليلة الأخيرة لشاتوف وكيريلوف.
يوجد فصل شائك في الرواية يُدعى "عند تيخون" يحوي اعتراف ستافروجين الذي ألمح فيه إلى اغتصاب طفلة قاصر، هو الفصل الوحيد الذي تعرّض لمقص الرقيب فحُذف كاملًا في حياة دوستويفسكي، أما الآن فيُطبع في مكانه، وأحيانا كملحق أخير كما فعل الدروبي، والأجدر أن يُقرأ فصلا تاسعًا في مكانه.
الرواية الرابعة "الأخوة كارمازوف" ، آخر ما كتب دوستويفسكي، كان ينوي أن يكتب تتمةً لها لكنه توفي قبل ذلك. تحكي القصة عن ثلاثة أخوة: ديمتري الشهواني، وإيفان الملحد، وأليوشا المتدين، ويمكن أن يُضاف إليهم أخ رابع غير شرعي هو الخادم سميردياكوف.
تجري الأحداث على خلفية مقتل الأب فيودور كارمازوف في ظروف غامضة، يُتهم إثرها الابن الأكبر ديمتري فيهرب، وكسائر روايات دوستويفسكي الضخمة لا يستغرق زمن الرواية سوى عدة أيام، هنا تظهر براعة دوستويفسكي حين يحشر أحداثا ضخمة متزاحمة في نطاق زمني ضيق.
يوجد فصل لا يُنسى يجلس فيه الأخ الأصغر أليوشا إلى أخيه الأوسط إيفان، وكما هو متوقع يكون حديثهم عن الله والإيمان والإلحاد. يرفض إيفان الاعتراف بعدالة سماوية تقوم على عذابات طفل، ويتلو على أخيه فصلا عنوانه "المفتش العام" ؛ أصبحت هذه القطعة جزءا من التراث الفلسفي العالميّ.
قرأت هذه الروايات أول دخولي الجامعة، قبل عشرين سنة تقريبًا، ثمّ حاولت أن أعيد قراءتها حديثًا مع بعض الأصدقاء فلم أستطع، وجدتني أتذكر تفاصيلها وأبرم بما أتذكره. هذه ظاهرة غريبة، لا أدري لها سببًا، فأنا -مثلا- أعيد قراءة أعمال هيجو بشكل سنويّ وأجد فيها نفس اللذة والمتاع كل مرة =
هل يعود ذلك إلى أني تجاوزت السن الذي يُستمتع فيه بروايات دوستويفسكي؟ أم أنّ روايات دوستويفسكي لا يُمكن قراءتها ثانية؛ ذلك أنّها كالزلزال، تقرأها في سنيك الغضّة فتنشركَ شعَاعًا وتعيد تشكيل روحك، لكنك لن تجرّب نفس الزلزال مرتين!

جاري تحميل الاقتراحات...