ابو سيف🦅
ابو سيف🦅

@2good2bsmart

50 تغريدة 325 قراءة Mar 19, 2020
متى وكيف بدأت فكرة المؤامرة الماسونية؟
١- في نهايات القرن الرابع عشر ومطلع القرن الخامس عشر، تشكلت في معظم بلدان أوروبا الغربية والجزر البريطانية، نقابات جمعت الحرفيين المختصين بشئون البناء لينظموا من شأنهم ويتبادلوا الخبرات المتعلقة بالبناء.
٢- كان أفرادها يعتبرون مواطنين أحرارًا وليس عبيد أرض كبقية الشعب، ولكنهم دون النبلاء والموظفين الكنسيين في المكانة الاجتماعية. كذلك كان أفراد هذه النقابات، بحكم مهنتهم ذوي معرفة علمية عملية.
٣- يمكن أن نسميها سر الصنعة، شكلت طريقة تفكيرهم الخاصة المخالفة للثقافة السائدة التي تدور حول التراث المسيحي الأوروبي وشذرات من فلسفة أرسطو. وبمرور الوقت،وحدوث الإصلاح الديني اللوثري في ألمانيا،راح أبناء هذه النقابات يطورون مفهومهم الخاص للدين.
٤- لا يعتمدون فيه على الكنيسة، بما يسمح لهم أن يقدموا أعمالهم في المناطق الكاثوليكية والمناطق البروتستانية بحرية.وقد ظلت هذه النقابات تعمل بحرية حتى مطالع القرن الثامن عشر.
٥- عند ظهور المدارس الهندسية والإنشائية الحديثة،فأصبحت المعارف المتعلقة بالبناء معارف عامة،وسقط عنها عباءه الأسرار السرية. ولكن النقابات كانت قد تحولت إلى أندية ثقافية عرفت باسم “محافل الماسونيين الأحرار.
٦- تلك المرحلة من التاريخ الأوروبي الذي تحولت فيها نقابات البنَّائين إلى محافل الماسونيين الأحرار، يصفها عالما اللسانيات “أومبرتو إكو” كالتالي، ” تمرد الأوروبيون على الكنيسة، فلما خرجوا منها ألفوا أنفسهم في تيه روحي،فراحوا يرتمون في أحضان الكابالا اليهودية
٧- والديانات الشرقية الغامضة، والوثنيات القديمة”،وكانت المحافل الماسونية واحدة من تلك الجهات التي ارتمى في أحضانها شباب البرجوازيين الأوروبي، الذين وجدوا في سريتها ملجأ من الاستبداد السياسي والتعصب الكنسي.
٨-سرعان ما قام هؤلاء القادمين الجدد بصبغ المحافل الماسونية بصبغة هذا العصر التي قال عنها “إكو”، “كانوا مغرمين بالطقوس المبهرجة المستوحاة من الأديان الوثنية القديمة،والموضوعات الصوفية الغامضة المقتطعة من الفلسفات الشرقية،والرموز السحرية التي استعاروها من ثقافات عرفوها سطحيًا”
٩- بحلول منتصف القرن التاسع عشر،كانت المحافل الماسونية في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة قد نظمت كجمعيات خيرية،وقام المحامي الأمريكي والماسوني “آلبرت جالتين ماكي” بصياغة أفكار الماسونية وتنظيمها من خلال كتبه، وأهمها كتاب “مبادئ القانون الماسوني .
١٠- وكتاب “رمزية الماسونية الحرة The Symbolism of Freemasonry” الصادر عام 1869، وفي الكتاب الأول وصف “ماكي” الماسونية بأنها معتقد ربوبي Deism ورؤية إنسانية أخلاقية للإنسان والكون، مما يعني إيمانهم بوجود خالق للعالم يتوصل إليه عن طريق العقل.
١١- ف الكتاب الثاني شرح الطقوس والرموز الماسونية، وبين أن الغرض منها تكريم مهنة البناء على مدى التاريخ،باعتبارها مهنة مقدسة ميز بها الرب البشر، وهو الأمر الذي يجعلهم يبلجون شخصية حيرام أبيف الذي يفترض به أن يكون بنى المعبد للنبي سليمان حسب المعتقد اليهودي.
١٢- إلى هنا، الماسونية مجرد حركة أوروبية منفلتة عن المؤسسة الكنسية، مثلها في ذلك مثل العلمانية ومثل المدارس الفلسفية المختلفة التي ظهرت في أوروبا القرن التاسع عشر.
فمتى وكيف بدأت فكرة المؤامرة الماسونية؟
١٣-كانت المحافل الماسونية نوادٍ اجتماعية للبرجوازيين،والذين كانوا قد أصبحوا من القوة بحيث يطالبون بحقوقهم في الموارد الاجتماعية،والثروة والسلطة، في أوروبا، ولذلك نمت بينهم الاتجاهات المناهضة لسلطة تحالف الكنيسة والملكية الأوتوقراطية،فأصبحت المحافل الماسونية مقرات للحركة الثورية
١٤- وهو ما دفع سلطات الممالك في أوروبا إلى النظر إليهم بعين الريبة، بينما أظهرت الكنيسة عداءها لهم بالفعل،وراحت قوى الكنيسة والمملكة تروج إلى أن الحركة الماسونية في حقيقتها ما هي إلا منظمة سرية تهدف إلى نشر عبادة الشيطان،وهذا دَجَل وخرافة.
١٥- وذلك من خلال تدمير الكنيسة والممالك المسيحية،ورُوجَ إلى أن بريطانيا والولايات المتحدة قد وقعتا تحت نفوذ الماسونية، بدليل وجود عدد من أعضاء المحافل الماسونية بين أكابر زعماء هذين البلدين،وهنا يكمن السر ف اختيار هذا البلدين.
١٦- في الواقع كان اختيار بريطانيا والولايات المتحدة اختيارًا دقيقًا وليس وليد الصدفة، فكلتا البلدين لفظتا نظام الملكية المطلقة الذي لا يزال يناضل في أوروبا،وتبنت أنظمة ديموقراطية توسع من قاعدة المشاركة الشعبية في الحكم.
١٧- كما أنها قيدت النفوذ الدنيوي للكنيسة على أراضيها، وهو ما يجعلهما هدفًا لسخط حلف الكنيسة والمملكة.
١٨- خدعة تاكسيل، دليلًا واضحًا وصريحًا على حملة الدعاية السوداء التي خلقت نظرية المؤامرة الماسونية، ففي مطلع 1885 أعلن صحفي فرنسي علماني أمضى حياته في الهجوم على الكنيسة أسمه “ليو تاكسيل Leo Taxil” عن توبته، وأنه سوف يوقف قلمه على فضح مؤامرة الماسونيين الشيطانية وغيرهم
١٩- المتمردة على سلطة الدولة والكنيسة، وبدأ تاكسيل حملته بكتاب بعنوان “تاريخ الماسونية” في اربع مجلدات، أطلق فيه تاكسيل العنان لخياله، فجعل من الماسونية عبادة شيطانية تهدف للتمهيد لحكم المسيخ الدجال Antichrist، تشتمل على طقوس سحرية مروعة .
٢٠- كما قام برسم تاريخ توازي للتاريخ الأوروبي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، يجعل من الماسونية المحرك الخفي لجميع أحداثه مثل الثورة الفرنسية والحرب الأهلية الأمريكية. لحق تاكسيل هذا الكتاب، بعدد من الكتب التي تابع نشرها على مدار إثني عشر عامًا، دارت كلها حول الجمعيات السرية
٢١- في إبريل 1897 دعى تاكسيل إلى مؤتمر صحفي، لتعريف المجتمع بالسيدة ديانا فوجان، وهي ساحرة وعابدة شيطان أمدته بمعظم مادة كتبه، ولكنه بدلًا من ذلك، قام بإلاعتراف العلني أنه قام بكتابة جميع من كتبه منذ توبته المزعومة بدافع المال الذي دفعته له جمعية اليسوعيين .
٢٢- أعلن تاكسيل عن أسماء مشغليه من اليسوعيين، وقائدهم والذي كان قس كاثوليكي يحمل جواز سفر بابوي بوظيفة مستشار للبابا. وفي اليوم التالي كان جميع اليسوعيين الذين ذكر أسمائهم قد غادروا فرنسا إلى روما، ما عدا كبيرهم الذي أختفى ولم يعرف مصيره إلى اليوم.
٢٣-على الرغم من تلك الفضيحة المجلجلة، والتي تبعتها عدة فضائح أخرى يطول عن ذكرها المقام، إلا أن هذه الكتابات المختلقة قد حققت نجاحًا واسعًا بين معارضي الماسونية، وترجمت إلى مختلف اللغات، واعتُبرت مرجعًا علميا موضوعيًا لكثير من الكتب التي تناولت موضوع الماسونية.
٢٤-في العالم العربي وصلنا من هذا الغثاء كتب مثل “حكومة العالم السرية” تأليف الروسي شيريب سبيريدوفيتش والذي كان عميلًا سابقًا للحكومة القيصرية، و”أحجار على قطعة الشطرنج” الذي ألّفه الكندي وليام جاي كاي، الذي عرف عنه تعصبه للجنس الأبيض والكنيسية.
٢٥- يتم تداول هذه الكتب بين أيدي المسلمين دون أي دراسة موضوعية لمحتواها، وينظر إلى ما تقدمه من نظرية مؤامرة كحقيقة مسلم بها.
٢٦- تتمحور نظرية المؤامرة في تركيبها حول وجود كيان خفي هائل القوة يمثل الساحر الشرير في الثالوث المدنس. ولكن هذه الملامح العامة المذكورة غير كافية لرسم الصورة المرعبة لهذا الشيطان القادر على تهديد مجتمع بأكمله، لكن هناك ملامح أخرى تفصيلية هي المسئولة عن رسم صورة الشيطان في العقل
٢٧- أهم هذه الملامح هي إضفاء المظاهر الخارقة للطبيعة المادية أو التاريخية والاجتماعية على هذا الكيان الشرير، كأن يكون هذا الكيان وجد منذ بضع آلاف من السنين، وصيغت أهدافه وبرامجه منذ ذلك الحين، ولم يموت أو يتخلى عن أهدافه على مدى هذه القرون.
٢٨- مثل هذه الخاصية العجيبة تراها في مؤامرتي حكماء صهيون والمتنورين التي يزعم القائلين بها أن كلًّا من الكيانين الخرافيين أُسسا منذ آلاف السنين لتنفيذ هدف محدد.
٢٩- في هذا الزعم خرق للسنن الاجتماعية والتاريخية، فجميع المؤسسات تتغير بمرور السنين عليها، حتى أنه يمكن أن تؤمن لحظة بأهداف غير تلك التي أمنت بها من قبل، ومثال ذلك الاستخبارات البريطانية التي نشئت لحماية النظام الملكي، واليوم أصبح هدفها حماية الشعب البريطاني ومصالحه.
٣٠- ومن الملامح الضرورية لإتمام رسم الصورة الشيطانية للساحر في نظرية المؤامرة، هو انتخاب فئة مستضعفة اجتماعيًا وربطها عنوة بالمؤامرة، وهذا الإجراء يرمي إلى هدفين. الهدف الأول أن الفئات المستضعفة اجتماعيًا تفتقر للقنوات الإعلامية التي تعبر عن نفسها من خلالها.
٣١- بذلك يسهل التعبئة الإعلامية ضدها، بينما لا تملك هي أي وسيلة للدفاع عن نفسها، ومثال ذلك مكارثي وعصابته التي استهدفت المعارضة اليسارية واتهمتها بالشيوعية، واستخدمت الصحف ومحطات الراديو في تشويه سمعتهم واتهامهم بالتآمر على الولايات المتحدة.
٣٢- بينما لم يملك هؤلاء المساكين أي موقع إعلامي يدافعون به عن أنفسهم.
٣٣- الهدف الثاني أن الفئات المستضعفة اجتماعيًا يمكن التخلص منها وتدميرها في حال حدوث فورة للعامة غير محسوبة، بدون الخوف من مسئوليات قانونية، ولعل يهود أوروبا الذين دام اضطهادهم على يد الكنيسة لقرون، ثم اضطهدوا على أيدي الأنظمة الفاشية الستالينية في روسيا والنازية في ألمانيا.
٣٤- وهذا مثل ممتاز على استخدام الفئة المستضعفة اجتماعيًا في نظرية المؤامرة،وسحقهم و طحنهم بدون أن يكون لهم منبر للدفاع عن أنفسهم ويتم تزييف الوعي الجمعي للمجتمع.
٣٥-ومن المهام الرئيسة في شيطنة الساحر، أتهامه بأنه يعتمد على مرجعية شريرة، ولا أعني بشريرة غير أخلاقية، بل شريرة بمعني أن الكيان الذي يمثل الساحر في نظرية المؤامرة، لابد وأن يرتبط بالشر المطلق ويمثله، ضد كل ما هو خير، فمن الضروري أن يصبح فرسان المعبد يعبدون الشيطان.
٣٦- حتى يمكن أن يصبحوا ركن لنظرية مؤامرة جيدة، أما الرهبان اليسوعيين، فيمكن أن يتهموا يالخيانة الوطنية وتقديم ولائهم للبابا على ولائهم للملك وهكذا يقبل العامة أن هؤلاء الرهبان مجرد خونة متآمرين.
٣٧- وأخيرًا، أهم ملامح شيطنة الساحر، إعادة تفسير التاريخ بحيث يصبح للكيان المتآمر دورًا أساسيًا في الهزائم التي تلاقها المجتمع، ولأن المجتمع المؤمن بنظرية المؤامرة، كما قدمنا، يعيش في ظل هزيمة حضارية ثقيلة يرفض تقبلها وتحمل مسئوليتها، فإنه سوف يتقبل أي تفسير لهزائمه السابقة.
٣٨- لا يتحمل فيه هذا المجتمع مسئوليته عن هذه الهزيمة، وفي هذه الحالة حتى ولو كان إعادة تفسير التاريخ تزويرًا واضحًا لا يصمد لنقد أو لمنطق، كما في تلك الحالة التي أرجع فيها أحدهم سقوط الأندلس في القرن الخامس عشر الميلادي، إلى جماعة نشئت في القرن العشرين، فإن هذا الهذيان.
٣٩- سوف يكون مقبولًا وغير قابل للنقد من قبل المؤمنين بنظرية المؤامرة.
٤٠- تصبح نظرية المؤامرة نظرية جيدة وفعالة، عندما يعظم عدد المؤمنين الصادقين في إيمانهم بالمؤامرة، هؤلاء الذين يؤوون إلى نظرية المؤامرة كلما تعرض مجتمعهم لهزيمة،وهناك طريقان لنشر نظرية المؤامرة في الناس:
٤١- الطريقة التقليدية
وهي استخدام القنوات المتاحة لمخاطبة الجمهور في إملاء نظرية المؤامرة وتفاصيلها عليهم. وهذه الطريقة التي استخدمت على نطاق واسع في القرن التاسع عشر لترويج لنظريات المؤامرة في أوروبا، حيث استخدمت الكنائس والصحف في إملاء نظرية المؤامرة على روادها وقراءها.
٤٢-الثانية ،نشأت ف ألمانيا ف الحقبة النازية،واستخدمت في تطوير هذه الطريقة أحدث نتائج البحوث النفسية والاجتماعية المتاحة حينئذ، وهي الطريقة التي حملت أسم Falsches Bewusstsein ويعني تزييف الوعي بالألمانية، وهي واحدة من من أخطر آليات الفاشية،التي ابتدعها مهندس الدعاية النازية جوبلز.
٤٣-جاء في دليل عمل توجيهي للعاملين في الإذاعة النازية أشرف على إعداده جوبلز نفسه ما يأتي “لا تقوموا بترديد ما نريد من الجمهور أن يؤمن به، ولكن قدموا له الأدلة والبراهين على ما نريده أن يؤمن به، اختاروا الأدلة والبراهين التي تخدم ما نريد، واحجبوا عنه أي شيء قد يضر بها.
٤٤- وإذا عجزتم عن إيجاد مثل هذه الأدلة،فزيفوها،ومهدوا الطريق للجمهور حتى يستنتج من خلال ما نقدم له ما نريده أن يؤمن به، عندئذ سوف يعتقد الجمهور انه بذكائه قد استنتج المؤامرة على الوطن، سوف تصبح الفكرة من صنعه ليس من صنعنا، وفي أي لحظة لاحقة.
٤٥-إذا توفرت له براهين جديدة على زيف ما يؤمن به، فإن غطرسته والكبر الفطريين في الإنسان، سوف تدفعانه دفعًا للتمسك بما أوحينا إليه والدفاع عنه، لأنه بذلك يدافع عما صنعه وآمن به.
٤٦-إن خطورة نظرية المؤامرة لا تنحسر في تبربر الهزيمة للمجتمع المهزوم،أو في جعل هذا المجتمع يستمرأ هذه الهزيمة،ولكن خطورتها أنها تعمل على تسطيح وعي الفرد والمجتمع.
٤٦- علماء وظائف الأعضاء يعتقدون أن درجة ذكاء الإنسان تتناسب مع نسبة تعقيد سطح مخه، هناك المؤمنين الصادقين بنظرية المؤامرة تتحول أمخاخهم مع الوقت إلى ما يشبه سطح البيضة، يسبح في المياه الآسنة لنظرية المؤامرة، رافضًا ومهاجمًا أي يد شريفة تحاول أن تساعده على الخروج من هذا المستنقع.
٤٧- وبمرور الوقت،فإن أي فرصة للإصلاح سوف تصبح مظهرًا من مظاهر المؤامرة لدى المؤمنين الصادقين، تحشد من أجل تدميرها قوى المجتمع بأكملها. ولما كان اضمحلال المجتمع لا يمكن أن يستمر أبدًا، بل لابد له وأن ينتهي إما بانتصار الإصلاح أو بانهيار المجتمع.
٤٨- لا يمكن التخلص من عقيدة نظرية المؤامرة،إلا بعد إحلال ثقافة المجتمع التي تعتبر الاعتراف بالخطأ من علامات الضعف الإنساني، بثقافة أخرى يلعب فيها النقد الذاتي والإقرار بالخطأ دورًا أساسيًا ف ثقافة المجتمع و قدرته ع الفهم.

جاري تحميل الاقتراحات...