عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

47 تغريدة 4 قراءة Apr 12, 2023
سأتحدث عن علاقة الفن بالحياة، وعن قصتين كتبتهما قديما، ثم تصرّمت السنون فإذا بهما تلقيان ظِلالا على أحداث وقعت لاحقا بطريقة لم أكن أتوقعها =
وباعث ذلك أنّ أصحابي يسألوني أحيانًا: لماذا لم تعلّق على تلك الحادثة؟ ولماذا لم تكتب في تلك القضية؟ ولماذا معظم قصصك تدور في الماضي =
حتى لتكاد تكون تجريديةً لا صلة لها بحاضرنا؟ وجلسائي يعلممون أنّ معظم حديثي عن القضايا السياسيّة والوضع الراهن، فلِمَ هذا التناقض؟ =
وجواب ذلك أنّ هناك فرقا بين كاتب الرأي والفنان، وكثيرٌ للأسف يلتبس عليهم ذلك الفرق. فكاتب الرأي يُطلِع قارئه على ما يحدث ويوجهه مباشرةً =
وهو شيء أجده سوقيًا ولا يخلو من نظرة دونيّة إلى القارئ (أو جموع القراء إذا تحرّينا الدقة، فكاتب الرأي دائما يخاطب قارئه ضمن الجموع) =
أما الفنان فهو يخاطب قارئا واحدًا فقط، في غرفته المستقلّة، وفي معزلٍ عن الجموع، يسعى إلى تنميّة حسّه الجمالي والأخلاقي، حتى إذا وقعت حادثة =
استطاع القارئ أن يختار لنفسِه، لا أن ينتظر رأيَ كاتبه، وهذا فرق كبير جدًا. أما بخصوص الماضي والحاضر، والكتابة في التاريخ، فأنا لديّ إيمان =
قويّ بأهميّة التاريخ، وبظله العريض الذي يلقيه على الحاضر. التاريخ هو الخُرْج الذي يحمله العربيّ فوق راحلته أبدًا، وهو الفيل الذي في الغرفة =
ومن أراد حلًا لمشاكله الراهنة دون أن يصلح التاريخ انتهى بتناقضاتٍ جسيمة يسقط تحتها لا محالة. هناك من يدعو إلى قطع العُرى مع التاريخ =
زاعمًا أنّ الغرب لم ينهض إلا حين أدار للتاريخ ظهره، وهذه دعوى باطلة، ينقضها التاريخ نفسه، فنحن نعلم أنّ اكتشاف رسائل شيشرون كانت الشرارة =
التي قدحت عصر النهضة The Renaissance ، وكذا عصر التنوير الألماني The Enlightment صاحبهُ التفاتٌ مكثّف نحو التركة الرومانية وإصلاح لها =
لكن لندع التنظير جانبًا ونستشهد بقصتين كتبت إحداهما قبل عشر سنين، والأخرى قبل ثلاث سنوات، ثمّ تكشّفت الأحداث بطريقة جعلتهما بالغتي الدلالة =
القصة الأولى بعنوان "طاووس ملك"، كتبتها عام ٢٠٠٧ ، وصدرت ضمن "حكاية الصبي الذي رأى النوم" عن نادي الرياض الأدبي =
تتناول القصة مؤسس "الطائفة الإيزيدية" الشيخ عدي بن مسافر أثناء سفره إلى هكار، وتتخيل أنه نزل على رجل سنّي بسيط يُدعى أبا سليمان الدارميّ =
نراه يصيبُ شيئًا من طعام ثم يخلد إلى النوم، ليكتشف أبو سليمان في خُرجه كتابا يشرح مذهبه، ويقرأَ مقطعًا يشرح كيف أنّ إبليس رفض السجود لآدم =
فغدا أول الموحدّين! شيء يناقض عقيدة أبي سليمان تمامًا ويُحدِث زلزالًا هائلا في روحه. يدور صراع بين أبي سليمان وابنه في مشهدٍ أسمّيه =
"دراما الغرفة الواحدة" -وهو نوع أحب كتابته كثيرًا- ؛ يصرخ الابن مطالبًا تسليم هذا "الكافر" إلى الوالي، بينما يدافع أبو سليمان قائلًا =
إنّ الرجل ضيفهم ويتوجب عليهم إكرامه والمنافحة عنه. حاولتُ ما وسعني أن لا أتحيّز لأبي سليمان أو ابنه أثناء كتابة المشهد، إنّما أكون أمينًا =
في تصوير الصراع الذي يدور في قلب أبي سليمان. تنتهي القصة بحوارٍ فلسفي بين المضيف وضيفه، وبمشهد صفاء يتناغم فيه أبو سليمان مع كل ما حوله. =
عندما سلّمت المجموعة للنشر توقعت أن تثيرَ هذه القصة كثيرًا من المتاعبَ وتلقى اعتراضًا، كانت مفاجأتي كبيرة حين مرّت بسلام دون اعتراض واحد. =
كان العراق -عند كتابتي القصة- قد خرج لتوّه من حكم صدام، وشمال العراق أشبه بمنطقة قصيّة نجهلها، والإيزيديون لا نعرفهم إلا بالاسم =
ومن يعرفهم يطلق عليهم: "عبدة شيطان"، هكذا! ثمّ دار ما دار في العراق، وحوصر سنجار، وسُلّطت الأضواء عليهم بشكلٍ عالميّ، فتذكرت قصتي القديمة. =
تُرجمت المجموعة فيما بعد إلى الألمانية والصينية، فكان مما وصلني -وفرحت به كثيرا- هذه الرسالة من الأستاذ أسامة أمين مترجمها إلى الألمانية. =
القصة الثانية بعنوان "شجرة النبق"، كتبتها عام ٢٠١٤ ، وصدرت ضمن المجموعة الثانية "أمثولة الوردة والنطاسي" عن دار جداول =
وقتها كان الوضع ملتبسًا في الشام، فبينما كان هناك إجماع شعبيّ على تأييد الثورة، كانت ملامح داعش الحقيقيّة آخذةٌ في التشكّل والانبثاق =
كان المشائخ لا يزالون يدعون إلى النفير والجهاد، قبل أن تتدخل الحكومة بشكلٍ رسميّ وتجرّم السفر هناك، وكان الحوار الديني بخصوص ذلك على أشدّه =
على هذه الخلفية كتبت هذه القصة التي أفخر بها كثيرًا. تبدأ القصة بمشهد من التوتر والاحتقان يشبه الفضيحة العائلية، فلقد اكتشفت عائلة سعودية =
أنّ ابنها "أحمد" على وشك النفير إلى الشام للجهاد. يسحب الوالد أوراق ابنه الثبوتية، ويحبسه في غرفة، ويحلف لا يخرجه حتى يتراجع عن غيّه =
تطلب العائلة من ابن خالته "إبراهيم" الحديث إليه، فالشباب يصغون إلى بعضهم بطريقة أفضل، ورغم أنّ إبراهيم -المشغول بالقراءة والكتابة- =
أبعد الناس شبهًا بابن خاله أحمد، إلا أنه يرضخ تحت إلحاح أمّه، فيتجه إلى بيت خاله، ويقطع خلوة أحمد، ويدور في الغرفة حديث مرتبك أخرق =
ينتهي فيه إبراهيم -بطريقة غير محسوبة- إلى الإخبار عن قصة يهمّ بكتابتها يتخيّل فيها هجرة الرسول ﷺ من وجهة نظر الحمامتين والعنكبوت =
يعترض أحمد قائلا إنّ حديث العنكبوت والحمامة موضوع، لا أصل له في الأسانيد الصحيحة، إلّا أنّ إبراهيم سرعان ما ينفض هذا الاعتراض ويستأنف قصته =
تأخذ القصة بتلابيب أحمد شيئًا فشيئًا، خصوصًا حين يصف إبراهيم ببلاغته مشهد العنكبوت وهو يرى الرسولَ ﷺ يضع يده فوق كتف صاحبه =
فإذا بالمخاوف جميعها تتبدد. كان العنكبوت يجادل في أول القصة قائلا إنّه لا يحفل بأمر البشر وصراعاتهم، ولن يبني النسج، ثمّ بمجرد أن رأى =
تلك اللمسة النبويّة وذاك الحنوّ اللانهائي، عرف أنّ هذا الرجل هو الحقّ عينه، وشرع يبني النسج. ثمّ يكمل إبراهيم حكايته، فيصف آلام العنكبوت =
بعد أن ترك الرسول ﷺ الكهف، وكيف قرر الهجرة خلفه، ليموت وسط الطريق والقفار، ويتحوّلَ جوهرةً في الجنة. ينهي إبراهيم قصته، ويوّدع أحمد =
ثم يلوم نفسه حين يسمع بهرب أحمد إلى الشام؛ إذ كيف يحكي قصةً عن فضل الهجرة لشابٍ يحدّث نفسه بها! وبعد ثلاثة أشهر يرجع أحمد، ويدور حوار =
بين الشابين نفهم منه أنّ ما أرجع أحمد هو تلك النظرة التي صوّرها إبراهيم ببراعة، لقد كان يبحث في وجوه أصحابه عن ما يملأه بنفس تلك النظرة =
وعندما لم يجدها رجع. قلت إنّني فخور بهذه القصة، وذلك لأسبابٍ عدّة منها: أنّها اتخذت موقفا مبكرًا وواضحا مما سيغدو لاحقًا داعش قبل توحشّها =
وأيضا لأنّها أظهرت جانبًا حقيقيًا وغامضًا في الفن: كان إبراهيم يلوم نفسه لأنّه حكى قصةً في غير موضعها لرجل يحدّث نفسه بالهجرة، ثمّ اكتشف =
أنّها سبب رجعته. فبغض النظر عن مناسبة القصة، هي تكتسب أهميّتها وتأثيرها من جودتها وتجذّرها اللامبالي في الحقيقة. أما السبب الثالث -وهو =
شيء لم ينتبه إليه كل من قرأ النص- فهو عجز العنكبوت عن فهم اللغة البشرية، وكيف أخذ المشهد بعينيه فقط، وكأنّ القصة تقترح أنّ الجدل الدائر =
بخصوص الوضع لن يوصل إلى نتيجة، لاعتماد المتجادلين على نفس الإرث والأدلة والأحاديث مع اختلافٍ في تأويلها فقط، وإنّما الأحرى =
اتخاذ خطوة إلى الوراء، والتزام الصمت، كما فعل العنكبوت، عندها ستسمح لنفسك ولعينيك بأخذ الموقف كاملا، بعيدًا عن الطنين الثيولوجي، لن يكون =
موقفا إسطيقيًا فقط (كما يخيّله لك ارتكازه على العينين) وإنما موقفًا أخلاقيًا ودينيًا أيضا، يعتمد على فطرتك التي نمت وهي تسمع سيرة الرسول ﷺ =
فطرة تستنكر مشاهد الحرق والقهر والتنكيل، ويغفل عن دورها المربون والأخلاقيون والمشائخ. كل هذا أردت أن أقوله وأدته القصة على أكمل وجه. =
والآن قل لي باللهِ عليك: هل هذه القصص التي أوردتها تجريديّة، منغمسة في الماضي، بعيدة عن الواقع، كما يزعم أصحابي؟ لا أظن. ولهذا ما زلت أكتب.

جاري تحميل الاقتراحات...