عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

29 تغريدة 5 قراءة Apr 12, 2023
هذه تغريدات سريعة أكتبها عفوَ الخاطر لأتساءل عن الشعراء العميان؛ هل هم أقدر من نظرائهم المبصرين على وصف الليل؟ =
ما دفعني إلى هذا وقوفي على مقاطعَ وأبياتٍ في شعر بشار بن برد وأبي العلاء وهوميروس وبورخيس أعدّها من أجمل ما كُتب في وصف الليل والإظلام =
وقد تعترض: لكنّ الشعراء المبصرين حين يغيب النور يرون الظلام، وهكذا يتسنى لهم وصفه كزملائهم العميان تماما. ولعلّك لاحظت المفارقة في تعبيرك: =
"يرون الظلام"، مما يدفعني إلى التفلسف قليلًا فأقول: إنّ الأعمى حين لا يبصر الليل، إنّما هو يبصره على الحقيقة، أليس كذلك؟ ثمّ قلْ لي: =
كيف يمكن مقارنة ليلٍ عمرهُ إغماضة جفنٍ، بذاك الليل الأبديّ الذي يلازم الكفيفين؟ تلك والله مقارنة ضِيزى! وقد تلحّ باللجاج فتسألني: =
ألم تذكر في تغريداتٍ لك سابقة أنّ الملك الضِّليل امرأ القيس بن حُجر أبرع من وصف الليل؟ لا زلنا نذكر تغنّيك بما أطلقت عليه "تحوّلات الليل" =
وكيف فضّلتها على تحوّلات وانمساخ أوفيد! أي نعم، لكنَّ وصف الليل عند الشعراء العميان مختلفٌ بعض الشيء، فالليل عند امرئ القيس بعيرٌ يتمطّى، =
وبحرٌ يهدُر، وستارٌ يُسدَل، بينما هو عند الشعراء العميان أطيافٌ من النور والظلام، وصراعٌ بين الدجنة والغسق، وهذا هو كُنه الليل وأسّه. =
ولعبة النور والظلام هذه لا يخلو منها شعر امرئ القيس، ألم يجعل من النجوم مصابيح رهبانٍ وحبال كتّان؟ لكنّها عند الشعراء العميان أشدّ حضورًا =
وأكثرَ تمايزًا، ولنترك اللجاج جانبًا ونستأنس بالأمثلة، وخير ما نبدأ به بيت بشار: كأنّ مثارَ النقع فوق رؤوسنا * وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه =
ورغم أنّ الموضوع هو المعركة وليس الليل، ورغم أنّ المُشبّه هو المعركة بينما الليل لا يعدو أن يكون مشبّهًا به، إلّا أنّ الصورةَ بلغت قدرًا =
من الهول والضخامة والقوّة يدفعك قسرًا إلى نسيان المعركة والوقوف مبهوتًا مشدوهًا أمام هذه الصورة الملحميّة لليلٍ كونيّ يحجب الغبارُ نجومَه =
وتتساقط كواكبه كالسيوف (لاحظ أنّي قلبت المشبّه والمشبّه به مرة ثانية) ؛ صورة بارعة مهولة لا يطيقها إلّا شاعر أعمى بحجم ابن بُرد. وليس أبرع =
من بشار سوى أعمى المعرّة حين افتتح نونيّته قائلًا: عَلّلاني فإنّ بيضَ الأماني * فنيتْ والظلامُ ليس بفاني ؛ ولو قال شاعر مبصر: إنّ الظلامَ =
ليس فانيًا لما صنع شيئًا، لكنّها تكتسب كل هذا الزخم والحزن والصدق لأنّ قائلها أعمى مجرّب. ثمّ يقول بعد أن أطفأ حزنه بالشراب واصفًا ليلَه: =
رُبّ ليلٍ كأنّه الصّبحُ في الحُسْ * نِ وإن كانَ أسودَ الطّيلَسانِ * قد رَكَضنا فيه إلى اللّهْوِ لمّا * وَقَفَ النّجْمُ وِقْفَةَ الحَيْرانِ =
كمْ أرَدْنا ذاكَ الزّمانَ بمَدْحٍ * فشُغِلْنَا بذَمّ هذا الزّمَانِ * فكأني ما قلْتُ والبدْرُ طِفْلٌ * وشَبابُ الظّلْماءِ في عُنْفُوانِ =
ليلتي هذه عروسٌ من الزّنْ * جِ عليها قلائِدٌ مِن جُمانِ ؛ وهذا البيت الأخير بلغ الغاية في الحسن وروعة التصوير، فهو بالإضافة إلى اشتغاله =
بلعبة النور والظل يتحلّى بمسحة حسيّة شهوانيّة، فإذا الظلام اللُّجي اللانهائي الثقيل يتحول عروسًا مشتهاةً من بنات الزنج، ترصّع النجوم نحرها =
وكأنّ الخمر التي طلب الشاعر من صاحبيه أن يعللاه بها عملت عملها، فحوّلت الليل الثقيل عروسا زنجيّة! غفر الله لك يا أبا العلاء ونوّلك الجنّة. =
ثم هناك بورخيس وقصيدته البديعة تاريخ الليل Historia de la noche ؛ كتبها في أواخر عمره حين أصيب بالعمى، استعرض فيها مفهوم الليل عبر الأجيال =
كيف كان مرادفًا للظلام والخطر في الزمن السحيق، إنّه الوقت الذي يرجع فيه الصيّاد البدائي إلى كهفه، ثمّ تطوّر لاحقًا، فأصبح الفضاء الأسود =
الممتدّ بين النجوم، ثمّ ارتبط بالأساطير، فإذا الإغريق يجعلون منه أمًّا للسيّدات الثلاث اللائي يغزلن القدر The Fates ، ثمّ ينتقل في رحلته =
الثقافيّة لمفهوم الليل إلى أصدقائه المفضّلين، فيستعرضه عند هوميروس، وباسكال، ولويس دي ليون الذي جعل من الليل وطنًا لروحه، أما في عصره، فقد =
أصبح الليل شيئًا غير مستهلكٍ كالخمر العتيقة، لا أحد يتأمله دون أن يُصابَ بالدوار، ويختم بورخيس: لتظنَّ بعد كل هذا أنّه لن يوجد إلّا لهذه =
الآلات الضعيفة: العيون! قصيدة بديعة، أنتقل بعدها إلى "الأيام" لطه حسين، والكتاب بعيد عنّي، لكنّي لا أزال أتذكر كيف بدأ الكتاب في الظلام =
حين حاول طه أن يسترجع أول ذكريات طفولته، وكأن بُعْدَ الذكرى زادها إظلامًا. والعميان لا يبدعون في وصف الظلام فقط، وإنما أيضًا انبلاج النور =
خصوصًا إذا وُلدوا مبصرين وأُصيبوا بالعمى فيما بعد، عندها يتحوّل النور أمنية وذكرى في نفس الوقت. وأشهر مثال على ذلك وصف هوميروس في الأوديسة =
عندما وصف انبلاج الفجر، وكيف أضاء الكونَ بأصابعه الورديّة. أتوقف عند هذا التشبيه البديع، فعندما تدرك شهرزاد الصلاة، تتوقف عن الكلام المباح.

جاري تحميل الاقتراحات...