باشو ليس شاعرًا فقط، وإنّما أحد معلمي الإنسانية المهمين، وأنا كفيل لمن يقضي وقتًا يدرس شعره بتغير يجعله أكثر اتزانًا وتناغمًا مع الحياة =
ودروس باشو المهمّة ليست موجودةً في محتوى شعره، وإنما بالطريقة التي يقول فيها هذا الشعر، بتكنيكاته التي اخترعها ونقلها إلى تلاميذه =
إن تكنيكات مثل: سابي (الوحدة في الزمن)، ووابي (التقشف)، ويوجن(الإغماض)، وكارومي (الخفة) ليست طريقةً لقول الهايكو وحسب، وإنّما أسلوب حياة =
إنها تعلمك كيف ترى العالم من جديد، وتضبط حواسك لالتقاط همساته وزفراته وارتعاشاته، تعلّمك كيف تتخف من ذاتك، فتصف الأشياء كأشياء دون أن تفرض =
عليها ذاتك أو فهمك، ليس هناك أنسنة للأشياء في الهايكو، ولا دراما ذاتيّة، هو يعلمك كيف ترى الآني في الخالد، والخالد في الآني، أن تتصالح =
مع الحزن والوحدة في الزمن، وأظن أهم ما يعلمك إياه الهدوء والسكون. خير حادثة تصوّر لنا باشو كمعلم قصته مع تلميذه تاكاري كيكاكو، فلقد قصده =
الأخير مزهوًا منتفخًا بالهايكو الذي أنشأه: يعسوبٌ أحمر * مَزِّق جناحيه * كرزةٌ حامضة ! فما كان من الأستاذ إلا أن قلب الهايكو رأسا على عقب: =
كرزةٌ حامضة * امنحها جناحين * يعسوبٌ أحمر ! وأنت لا تحتاج كبير مساعدة كي تدرك الفرق، فبحركة رشيقة أشبه بخفة اليد تخلص باشو من العنف والموت =
في الهايكو الأصلي، ليتحول إلى شيء يمنح الحياةَ، لا يُخمدها. وعلاقة باشو مع الموت وعدم استمرارية الأشياء مفصليّة لفهم شعره وحياته =
جرب باشو الفقد أول مرة في صباه في إينو، عندما فقد رفيق صباه يوشيتادا، كان باشو ينتمي لأسرة ساموراي فقيرة، وكان يوشيتادا ابن الإقطاعي سيدهم =
ورغم تباين عالميهما إلا أنّ حب الشعر جمعهما في صداقة حميمة، عندما مات يوشيتادا فتّ ذلك من عضد باشو، فترك كل شيء وسافر إلى إيدو (طوكيو) =
ستتكرر تجربة الفقد لاحقًا عند موت أمه ويكون لها نفس التأثير. انخرط باشو في الدوائرالأدبية في إيدو، وبدأ شعره يظهر في المختارات الأدبيّة =
طور باشو شعر الواكا المتضمن إحدى وثلاثين وحدة صوتية ( ٣١ = ٥/ ٧/ ٥/ ٧/ ٧ ) ليكتفي بسبع عشرة وحدة صوتية ( ١٧ = ٥/ ٧/ ٥ ) أو ما يعرف بالهوكو =
فإذا بصوره تتميز بالتركيز والخفة، وتجئ بريئةً من الانفعال والذاتية، كلماته تكاد تكون أسماء دون أفعال، مما يتماشى مع مبدأي وابي وكارومي =
فعندما يقول: فوق فرعٍ ذابل * حطّ غراب أسود * الخريف والليل .. يضطرك شحّ الأفعال في الهوكو إلى استخدام خيالك لملء ما بين الصور بالحركة =
فإذا الليل يهبط كالغراب تمامًا، وإذا الغراب ليلٌ والليل غداف أسود، وإذا بهبوط الليل لا يجلل العالم فقط وإنّما قلبك وروحك! وعندما يقول باشو =
في هوكو آخر: الخريف وأول الثلج * وما يكفي كي تنثني * أوراق النرجس الذابلة .. لن ترى الثلج فقط، وإنما السماء الثقيلة، والبساط الأبيض والسهل =
لن تنثني الورقة تحت وطأة الندف الأبيض وحسب، وإنما ستسقطه، وستعلو وتهبط، في حركة بطيئة مخدّرة يضطرك إليها خيالك المرتجف مع برد الصباح =
سيلاحظ القارئ شحّ الأفعال في الهايكو، وأهمية اقترانه بأحد فصول السنة، وأهمية تنضيدالصور جنبا إلى جنب وترك خيال القارئ كي يكمل باقي المشهد =
ولذا عندما تقرأ نماذجٓ من الهايكو الحديث، بتتابعه المنطقي، وتنكّره للدورة الزمنية، ستعلم أنك تقرأ شيئا شائهًا لا دخل له بما ابتدعه باشو =
يقول باشو في هوكو آخر: الليل والباشو والريح * وصوت قطرات المطر * طَسْت في الظلمة.. اخترت هذا الهايكو عمدًا كي أتحدث عن شجرة الموز (الباشو) =
التي زرعها تلاميذ باشو قرب كوخ أستاذهم في بقعة منعزلة أسفل نهر سوميدا. كان باشو يحب هذه الشجرة، واستعار منها اسمه الأدبيّ لاحقًا =
يقول متحدثًا عنها: أحب هذه الشجرة لعدم فائدتها، فجذعها لا يصلح للتحطيب، وأزهارها ليست مبهجة كباقي الزهور، وعندما تهب الريح وتتشعث تحتها =
تذكّرني بذيل عنقاء جريح أو مروحة ممزقّة. كان يطيب لباشو الجلوس تحتها أثناء المطر والريح، وهو ما يفسر الطابع الصوتي المميز للهوكو السابق =
ولذا عندما احترق كوخ باشو وخاض النهر حامًلا حاجياته فوق رأسه، كان ذلك بمثابة إنذار له، ومناسبة للتفكر في زوال الأشياء وعدم لبوثها =
وكيف أنه يضع قدمًا في عالم وأخرى في عالم، عقد العزم على السفر كي يطّرح ذاته القديمة ويسترد ذاته الشعرية، ومن هذا القرار انبثقت مجموعة كتب =
ساهمت هذه الرحلات في تجويد فنه، وتهدئة روحه، لكن فكرة الفناء لم تغادره أبدًا، وهو ما انعكس على كل ما كتبه بعد ديوان "البلوطة الجوفاء" =
يقول باشو في واحدة من أشهر صوره: أثناء منتصف الليل * وتحت القمر المشعّ * دودة تنخر بلوطة .. ورغم أنه لم يحشر نفسه إطلاقًا في هذا الهايكو =
إلا أن طبيعة المشهد كفيلة بتحويله من صورة خارجية إلى شيء داخلي وذاتي للغاية يعبر عمّا يجول في النفس من ألم وموت بطيء. يقول في هايكو آخر: =
صرخة أزيز الحصاد * لا تحمل نبؤةً * عن موته المستعجل .. وقد يحدث ويحشر نفسه في الهايكو، فيعدّ القارئ ذلك انتهاكا لمبدأ التخفف من الذات =
لكنه يحدث بطريقة رشيقة تنعدم فيها الحدود بين الذاتي والخارجي. يقول باشو: المجاديف والأمواج * وأمعائي المتجمّدة * ودموع في الليل المظلم =
لكم أحب الهايكو السابق! وحده من جرّب الكآبة المهلكة يعلم أن صوت المجداف وهو يضرب في الموج لا يُستقبل في الأذن فقط، وإنما أيضا في الأمعاء. =
يقول أيضا: من تراه يكون * باكيًا الخريف المنصرم * والريح تعبث بلحيته ؟ .. ويقول: لاأحد غيري * يقطع الطريق في الغسق * والخريف في آخره =
كلا الصورتين تعبران بفصاحة عمّا يجول في خاطر رجل في أواخر عمره، يقطع درب الحياة وحيدا. وبالفعل، تدرك المنيّة باشو أخيرًا في إحدى رحلاته =
فيسقط مريضا بالديسنطاريا في أوساكا، يسمع بذلك تلاميذه فيهبون من كل أقطار اليابان كي يودعوا أستاذهم قبل رحيله. يدخل باشو في إغماءة =
يفيق منها ليرجع إليها عدة مرات. يملي قبل موته الهايكو التي ابتدأت به تغريداتي: مريض وقت ترحالي * وأحلامي تتجول طافيةً * في الحقول الذابلة =
بعد بضعة أيام، يقضي الأستاذ نحبه "محاطا بحب تلاميذه"؛ هكذا سجّل لنا التاريخ والشهادات المعاصرة، لكن الأديب ريونوسكيه أكوتاغاوا له رأي آخر =
يبدو أن الوصف: "محاطا بحب تلاميذه" استفز أكتوغاوا، فكتب القصة لا ليشكك بحب وتفاني التلاميذ، إنما ليؤكد على الوحدة الفظيعة في تجربة الموت =
يصوّر أكوتاغاوا ببراعة ما يدور في ذهن كل تلميذ حين يتناول دلو الماء والريشة ليبلل شفتي باشو (أحد طقوس الوداع اليابانية) فنرى كيكاكو أولا =
كيكاكو البدين، السوقي، النافر من الأشياء القبيحة، أشهر تلامذة باشو، وصاحب هايكو الكرزة واليعسوب الأحمر.. نراه يتقدم تجاه باشو ليبلل شفتيه =
كان يتصور أنه سيمتلئ حزنًا، فإذا بنوع من اللامبالاة يتملكه، وعندما تأمل وجه أستاذه أحس بالنفور لشحوبه وقبحه، تقهقهر شاعرًا بالخزي لولا أن =
القرف طغى على باقي مشاعره. نرى بعده كيوري، المدبّر، الخبير بأمور الحياة، الذي ما إن سمع بمرض المعلم حتى هبّ من كيوتو إلى أوساكا =
وسعى بتدبر كل شيء من أمور المرض والجنازة والمعبد بتلقائية وكفاية، عندما تقدّم ليبلل شفتي المعلم شعر بمزيج من الأسى والرضا يختلطان داخله =
كما يختلط النور والظل، هذا الرضا الذاتي خلق عنده شعورا بالذنب زادته ابتسامة شيكو خزيا. بعده نرى چوسو، الساموراي السابق، وممارس الزن، الذي =
بكى باشو ثلاث سنوات متواصلة. كان وقورا أثناء احتضار معلمه، منهمكا في صلواته، لولا نشيج سايشو المفاجئ الذي كاد يفقده توازنه. سنرجع إلى چوسو =
فيما بعد، لكن الآن نقفز إلى شيكو، شيكو المتشكك، الكلبي Cynic ، الأشبه مزاجًا بكاتب القصة أكتوجاوا، نراه يتأمل المنظر بابتسامة ساخرة =
يتذكر الهايكو الأخير للمعلم، وكيف شكرهم قبل أيام لأنه يموت فوق فراش وثير وليس وحيدا في حقل مهجور، يفكر كيف سيسجل هذه اللحظات الأخيرة =
وما الذي سيحل بمدرستهم الشعرية بعد موت الأستاذ، وما حظ كل تلميذ من تركته الأدبية، وعندما يتقدم لتبليل الشفتين يدرك أنهم لا يبكون الأستاذ =
إنما يبكون أنفسهم إذ غدوا دون أستاذ! بعده ننتقل إلى إنينبو، الراهب العجوز ذي الجرم الطفولي، أكبرهم سنا، نراه يتقدم لتبليل الشفتين، لكن =
غرغرة الأستاذ تملأه رعبا، وتذكره بفنائه وقرب منيته. هكذا نبدأ نقتنع مع شيكو أن الأستاذ -رغم إحاطة تلاميذه به- يموت وحيدا في حقل ذابل =
لذا ليس أمامنا إلا أن نرتد إلى چوسو كي لا نركن إلى اليأس: چوسو الوقور، المنهمك في الصلاة من أجل روح أستاذه، لا بد أنه أملنا الوحيد! =
هنا سأترجم عن أكتوغاوا حرفيا لنرى كيف أنهى قصته: امتلأ چوسو شيئا فشيئا -مع أنفاس المعلم التي بدأت تهدأ- بتيار من الحزن والراحة اللانهائيين =
وكما لو أن ضوء الفجر البارد انتشر وسط الظلمة، أفكاره الدنيوية طرحها جانبًا، والدموع تحوّلت حزنًا عفيفًا لا يضايق قلبه. هل يعود ذلك لتحرر =
معلمه من الهموم الأرضية وانتقاله إلى أبدية وسعادة النيرفانا؟ لا، إنه سبب آخر، لم يستطع الاعتراف به: غبطة التحرر من شخصية باشو القوية! =
وهكذا علت وجهه ابتسامة، وداعب سبحته، وقرأ صلاة من أجل روح باشو .. ما رأيكم؟ أليست نهاية تبعث اليأس؟ أن يكون المرء محاطا بأحبابه ويموت وحيدا!
جاري تحميل الاقتراحات...