عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

45 تغريدة 46 قراءة Mar 26, 2020
عندما سُجن دوستويفسكي في آذار ١٨٧٤م طلب نسخةً من بؤساء هيجو وأعاد قراءتها. هل كان يبحث فيها عن إجابة ما؟ هذا ما سأبحثه في باقي التغريدات =
لكن قبل ذلك، يتعيّن أن أرجع سنتين إلى الوراء؛ كان دوستويفسكي قد عاد لتوّه من أوروبا واستقرّ في سانت بطرسبرغ، بعد أن نال حظًا من الشهرة =
إنّه المؤلف المعروف صاحب "ناس فقراء" و "بيت الأموات"، خالق راسكلنيكوف والأبله، كان قد فرغ لتوّه من نشر "الشياطين" في صحيفة "البشير الروسي" =
هذه الرواية أثارت ضجةً وهجومًا ضدّه، لعلاقتها بحادثة ناتشييف الشهيرة، ولهجومها على الثوريين والعدميين، أخذ عليه شانؤه تهويماته الصوفية =
وشذوذه السايكوباثي، وعدّوه ضمن الرجعيين. يبدو أنّ هذا الوصف جذب إليه أعين البلاط، فاتصل به الأمير ميشريسكي وعرض عليه رئاسة تحرير "المواطن" =
كان ميشريسكي يُعرف بين الناس بالأمير "نقطة"؛ كتب مرةً يدعو إلى إيقاف الإصلاحات الداعية إلى تحرير الأقنان، ووضع "نقطة" عليها آخرَ السطر =
أما صحيفته "المواطن" فلقد كانت تقف في أقصى اليمين، تدافع عن الملكيّة وسلطة الكنيسة، ويمدّها البلاط بالدعم والمال اللازمين. وافق دوستويفسكي =
وانتقل إلى مقرّ عمله الجديد، لدينا تفاصيلُ غنيّة تؤرخ لتلك الفترة، فلقد دوّنت ڤارڤارا تيموفيڤنا -إحدى موظفات الصحيفة- ذكرياتها آنذاك =
تصف ڤارڤارا دوستويفسكي لحظة دخوله عليهم: كان رجلًا ناحلًا، في منتصف عمره، شاحبًا إلى درجة مَرَضيّة، جبهته عريضة تمتلئ أفكارًا، هذه الأفكار =
تكاد تتقافز متمردةً لولا ضبطه الحديديّ، كان شكّاكًا، لا يتورّع عن النظر في عينيك، ولا يعجّل -لو انتبهت- بتحويلهما عنك وكأنه يسبر أغوارك =
كان يدخل بهدوء، يقضي معظم وقته يقرأ ويراجع وينقّح بصمتٍ تام، حتى قلمه ليس له صرير، مما ألقى جوًّا ثقيلا للغاية على الصحيفة وموظفيها =
تجرأت ڤارڤارا ذات مرة فلفتت انتباهه إلى عشرة أخطاء نحويّة ولغويّة في مقالة له، فما كان إلا أن نهرها قائلًا: لكل كاتب أسلوبه الخاص وقواعده =
لا أحفل ألبتّة بنحو وقواعدَ وما شابه. تحسّنت العلاقة بين الموظفة ورئيسها فيما بعد، اصطحبها مرةً إلى بيتها بعد أن تأخّر الليل، ونصحها يومًا =
بقراءة هيرزن -وهو أمر غريب إذا أخذنا تُهم الرجعيّة ضده بالاعتبار-. بدأت أعباء التحرير تثقل كاهله، شغلته عن الشيء المهم في نظره وهو الرواية =
بدأ يضيق ذرعًا بتدخلّات الأمير ميشرسكي وتباين آرائهما في عددٍ من القضايا الشائكة، اكتشف أنّه غدا دميّةً في يد ميشرسكي والبلاط القيصري =
ثمّ جاءت الحادثة التي قصمت ظهره؛ حين صدر حكم بسجنه يومين وتغريمه ٢٥ روبلًا نتيجة نشره مقالًا للأمير ميشرسكي يتضمن كلماتٍ قالها الإمبراطور =
دون الحصول على إذن رسميّ من وزير البلاط. وهكذا دخل دوستويفسكي السجنَ مرةً ثانية، بينما بقي الأمير ميشريسكي -كاتب المقال- حرًّا طليقًا =
طلب دوستويفسكي من ڤارڤارا أن تأتيه بنسخة من "البؤساء" ليعيد قراءتها. كان قد مضى على صدور الرواية اثنتا عشرة سنة ولم يزل مؤلفها حيًّا =
يحكي سولوڤييف -أحد أصدقاء دوستويفسكي- أنّه زاره في السجن، فوجده جالسًا إزاء طاولة، يلفّ ويدخّن سجائر التبغ، ويلتهم صفحات رواية هيجو =
ألحّ دوستويفسكي على سولوڤييف كي يعيد قراءة البؤساء، أجاب الأخير إنّه يفضل "الجريمة والعقاب" عليها، وإنّها طويلة جدًا، تمتلئ حذلقةً =
لكن دوستويفسكي بقيَ يلحّ على صديقه كي يعيدَ القراءة، وما فتئَ يستخرج منها -والكلام لسولوڤيف- ما ليس فيها. فما هو يا ترى ذاك الذي استخرجه؟ =
إذا أخذنا ظروف دوستويفسكي بالاعتبار، وصراعه الأخلاقيّ بسبب الصحيفة، وتصنيفه ضمن القوى الرجعيّة؛ تبيّن لنا أنّ هيجو كان خيارًا طبيعيًا =
لا أعرف روائيًا يتمثّل فيه هذا الصراع بين الرجعية والثورية، والملكية والجمهورية، واليمين واليسار، مثل هيجو، بل كان الأمر أشبه بشأنٍ عائليّ =
فمن المعروف أنّ هيجو نشأ في بيتٍ ممزقٍ متباين النزعات، كان والده جنرالًا جمهوريًا في جيش نابليون بونابرت، وكانت أمّه ملكيّة الهوى والولاء =
ولأنّ هيجو أمضى معظم طفولته في كنف أمه، نشأ ملكيًا، وعندما نبغ في طفولته وقال الشعر أُختير شاعرًا للملك، لكن سرعانَ ما بدأ يراجع قناعاته =
أخذ يرى في معاني الجمهورية والثورة كل ما يجدر بفرنسا أن تكونَه، وعندما استبدّ نابليون الثالث بالحكم لم يتورّع هيجو عن المناداة بإسقاطه =
لينتهي به المطاف مطاردًا لاجئًا في جزر القنال، وليكتب رائعته "البؤساء" هناك، حيث تمثّل هذا الصراع وهذا التجاذب وهذا التوتر في أجلى صوره =
وأنا أريد من القارئ أن يعودَ إلى نسخته القديمة من البؤساء: الباب الأول، الفصل العاشر، تحت عنوان: "الأسقف في حضرة ضياء مجهول"، ليعيد قراءته =
هي فرصة -إن لم يقرأ البؤساء- كي يقف على قوّة وتأثير هيجو، وإن كان قرأها سابقًا فليتخيّل نفسه دوستويفسكي -في ظروفه تلك- وليبحث معه عن جواب =
يصوّر هذا الفصل المبكّر لقاءً بين الأسقف الذي غيّر حياة جان فالجان (مونسينيور بيينفينو) وعضوٍ سابق في المؤتمر الوطني سمع الأسقف أنّه يحتضر =
يحدث اللقاء إبّان عودة الملكية والتخلص من نابليون، لذا كان الكهل الذي نجا من الحقبة الماضية واعتزل بعيدًا أشبه بوحشٍ بالنسبة لأهالي القرية =
يسمع الأسقف أنّ هذا الكهل المعتزل ؛ هذا الوحش البشري ؛ هذا العضو السابق في المؤتمر الوطني - يحتضر، فيرى أنّ واجبه الديني يحتّم عليه زيارته =
يأخذ الأسقف صولجانه ومعطفه ويخرج قاصدا الكهل، يجده جالسًا على الباب يراقب الغروب، ويدور بينهما حديث أعدّه من أروع ما كُتب في الأدب العالمي =
فمن ذلك أنّ الكهلَ شرح كيف أنّهم لم يكملوا عملهم؛ حطّموا الطاحونةَ لكنّ الرياح بقيت تهب. اعترض الأسقف: قد يكون التحطيم ضروريًا، لكنّي =
لا أثق به حين يشوبه الغضب، ردّ الكهل: العدل له غضبته عزيزي الأسقف! مهما قلنا عن الثورة الفرنسية تبق أعظم خطوة في تاريخ البشرية بعد المسيح =
أجل، لم تتم عملها، لكن كم كانت باهرة! لقد رققت القلوب، ونوّرت العقول، ونشرت الحب، وأجرت أنهار الحضارة في العالم. يعترض الأسقف: ماذا عن ٩٣؟ =
(و٩٣ هو عام الرعب) ، يجيب الكهل: أجل،٩٣! كنت أنتظر أن تذكره. سحائبُ تتجمع طوال ألفٍ وخمسمئة سنة، وفي الأخير حين تضربُ العاصفة، تدين الرعد؟ =
تتداعى دفاعات الأسقف تدريجيا، لكنه يهتف أخيرا: يتعيّن على التقدم أن يؤمن بالله، الملحد قائد شرير للبشريّة. هنا يصوغ هيجو واحدًا من أكثر =
مشاهده تأثيرًا، يقول هيجو: لم يجب الكهل، لكنّ رجفةً اعترته، نظر إلى السماء، وتشكلّت دمعة ببطء في محجر عينه، لتنحدر بعد ذلك على وجهه الشاحب =
تمتم لنفسه وهو لا يزال متطلعًا إلى الأعلى: أنت وحدك الكامل، أنت وحدك الموجود، انفعل الأسقف بطريقة لم يكن جاهزا لها. بعد هنيهة، أشار الكهل =
إلى السماء وقال: هذا اللانهائي له كينونة، إنّه هناك، لو لم تكن له ذات، إذن لاندثرت ذواتنا، لن يكون هناك لانهاية، أو بتعبير آخر: لن يكون! =
لكنه يكون، ولذا لديه ذات، وذات اللانهاية هو الله. (تخبّط منير البعلبكي وهو يترجم هذه المعاني العويصة). ينهي هيجو هذا المشهد بطريقة مؤثرة =
فبعد أن جاء الأسقف وفي قلبه حرج ووِقْر تجاه هذا الكهل، إذا به ينثني على ركبتيه طالبًا مباركته! الفصل مؤثر للغاية، لا يسعك حين تفرغ منه =
إلا أن تشعر بجذوة نار تتلظى داخلك، مثل هذا كثير في البؤساء، لكنّ هذا الفصل أبرعها وأفصحها وأشدّها انتصارًا ومحاماةً عن الثورة، فهل كان هذا =
ما نشده دوستويفسكي حين طلب من ڤارڤارا تيموفيڤنا نسخةً من البؤساء؟ لا أدري! لكننا نعرف أنّه بمجرد خروجه من السجن بعث باستقالته إلى الجريدة.

جاري تحميل الاقتراحات...