لكن قبل ذلك، يتعيّن أن أرجع سنتين إلى الوراء؛ كان دوستويفسكي قد عاد لتوّه من أوروبا واستقرّ في سانت بطرسبرغ، بعد أن نال حظًا من الشهرة =
إنّه المؤلف المعروف صاحب "ناس فقراء" و "بيت الأموات"، خالق راسكلنيكوف والأبله، كان قد فرغ لتوّه من نشر "الشياطين" في صحيفة "البشير الروسي" =
هذه الرواية أثارت ضجةً وهجومًا ضدّه، لعلاقتها بحادثة ناتشييف الشهيرة، ولهجومها على الثوريين والعدميين، أخذ عليه شانؤه تهويماته الصوفية =
وشذوذه السايكوباثي، وعدّوه ضمن الرجعيين. يبدو أنّ هذا الوصف جذب إليه أعين البلاط، فاتصل به الأمير ميشريسكي وعرض عليه رئاسة تحرير "المواطن" =
كان ميشريسكي يُعرف بين الناس بالأمير "نقطة"؛ كتب مرةً يدعو إلى إيقاف الإصلاحات الداعية إلى تحرير الأقنان، ووضع "نقطة" عليها آخرَ السطر =
أما صحيفته "المواطن" فلقد كانت تقف في أقصى اليمين، تدافع عن الملكيّة وسلطة الكنيسة، ويمدّها البلاط بالدعم والمال اللازمين. وافق دوستويفسكي =
وانتقل إلى مقرّ عمله الجديد، لدينا تفاصيلُ غنيّة تؤرخ لتلك الفترة، فلقد دوّنت ڤارڤارا تيموفيڤنا -إحدى موظفات الصحيفة- ذكرياتها آنذاك =
تصف ڤارڤارا دوستويفسكي لحظة دخوله عليهم: كان رجلًا ناحلًا، في منتصف عمره، شاحبًا إلى درجة مَرَضيّة، جبهته عريضة تمتلئ أفكارًا، هذه الأفكار =
تكاد تتقافز متمردةً لولا ضبطه الحديديّ، كان شكّاكًا، لا يتورّع عن النظر في عينيك، ولا يعجّل -لو انتبهت- بتحويلهما عنك وكأنه يسبر أغوارك =
كان يدخل بهدوء، يقضي معظم وقته يقرأ ويراجع وينقّح بصمتٍ تام، حتى قلمه ليس له صرير، مما ألقى جوًّا ثقيلا للغاية على الصحيفة وموظفيها =
تجرأت ڤارڤارا ذات مرة فلفتت انتباهه إلى عشرة أخطاء نحويّة ولغويّة في مقالة له، فما كان إلا أن نهرها قائلًا: لكل كاتب أسلوبه الخاص وقواعده =
لا أحفل ألبتّة بنحو وقواعدَ وما شابه. تحسّنت العلاقة بين الموظفة ورئيسها فيما بعد، اصطحبها مرةً إلى بيتها بعد أن تأخّر الليل، ونصحها يومًا =
بقراءة هيرزن -وهو أمر غريب إذا أخذنا تُهم الرجعيّة ضده بالاعتبار-. بدأت أعباء التحرير تثقل كاهله، شغلته عن الشيء المهم في نظره وهو الرواية =
بدأ يضيق ذرعًا بتدخلّات الأمير ميشرسكي وتباين آرائهما في عددٍ من القضايا الشائكة، اكتشف أنّه غدا دميّةً في يد ميشرسكي والبلاط القيصري =
ثمّ جاءت الحادثة التي قصمت ظهره؛ حين صدر حكم بسجنه يومين وتغريمه ٢٥ روبلًا نتيجة نشره مقالًا للأمير ميشرسكي يتضمن كلماتٍ قالها الإمبراطور =
دون الحصول على إذن رسميّ من وزير البلاط. وهكذا دخل دوستويفسكي السجنَ مرةً ثانية، بينما بقي الأمير ميشريسكي -كاتب المقال- حرًّا طليقًا =
طلب دوستويفسكي من ڤارڤارا أن تأتيه بنسخة من "البؤساء" ليعيد قراءتها. كان قد مضى على صدور الرواية اثنتا عشرة سنة ولم يزل مؤلفها حيًّا =
يحكي سولوڤييف -أحد أصدقاء دوستويفسكي- أنّه زاره في السجن، فوجده جالسًا إزاء طاولة، يلفّ ويدخّن سجائر التبغ، ويلتهم صفحات رواية هيجو =
ألحّ دوستويفسكي على سولوڤييف كي يعيد قراءة البؤساء، أجاب الأخير إنّه يفضل "الجريمة والعقاب" عليها، وإنّها طويلة جدًا، تمتلئ حذلقةً =
لكن دوستويفسكي بقيَ يلحّ على صديقه كي يعيدَ القراءة، وما فتئَ يستخرج منها -والكلام لسولوڤيف- ما ليس فيها. فما هو يا ترى ذاك الذي استخرجه؟ =
إذا أخذنا ظروف دوستويفسكي بالاعتبار، وصراعه الأخلاقيّ بسبب الصحيفة، وتصنيفه ضمن القوى الرجعيّة؛ تبيّن لنا أنّ هيجو كان خيارًا طبيعيًا =
لا أعرف روائيًا يتمثّل فيه هذا الصراع بين الرجعية والثورية، والملكية والجمهورية، واليمين واليسار، مثل هيجو، بل كان الأمر أشبه بشأنٍ عائليّ =
فمن المعروف أنّ هيجو نشأ في بيتٍ ممزقٍ متباين النزعات، كان والده جنرالًا جمهوريًا في جيش نابليون بونابرت، وكانت أمّه ملكيّة الهوى والولاء =
ولأنّ هيجو أمضى معظم طفولته في كنف أمه، نشأ ملكيًا، وعندما نبغ في طفولته وقال الشعر أُختير شاعرًا للملك، لكن سرعانَ ما بدأ يراجع قناعاته =
أخذ يرى في معاني الجمهورية والثورة كل ما يجدر بفرنسا أن تكونَه، وعندما استبدّ نابليون الثالث بالحكم لم يتورّع هيجو عن المناداة بإسقاطه =
لينتهي به المطاف مطاردًا لاجئًا في جزر القنال، وليكتب رائعته "البؤساء" هناك، حيث تمثّل هذا الصراع وهذا التجاذب وهذا التوتر في أجلى صوره =
وأنا أريد من القارئ أن يعودَ إلى نسخته القديمة من البؤساء: الباب الأول، الفصل العاشر، تحت عنوان: "الأسقف في حضرة ضياء مجهول"، ليعيد قراءته =
هي فرصة -إن لم يقرأ البؤساء- كي يقف على قوّة وتأثير هيجو، وإن كان قرأها سابقًا فليتخيّل نفسه دوستويفسكي -في ظروفه تلك- وليبحث معه عن جواب =
يصوّر هذا الفصل المبكّر لقاءً بين الأسقف الذي غيّر حياة جان فالجان (مونسينيور بيينفينو) وعضوٍ سابق في المؤتمر الوطني سمع الأسقف أنّه يحتضر =
يحدث اللقاء إبّان عودة الملكية والتخلص من نابليون، لذا كان الكهل الذي نجا من الحقبة الماضية واعتزل بعيدًا أشبه بوحشٍ بالنسبة لأهالي القرية =
يسمع الأسقف أنّ هذا الكهل المعتزل ؛ هذا الوحش البشري ؛ هذا العضو السابق في المؤتمر الوطني - يحتضر، فيرى أنّ واجبه الديني يحتّم عليه زيارته =
يأخذ الأسقف صولجانه ومعطفه ويخرج قاصدا الكهل، يجده جالسًا على الباب يراقب الغروب، ويدور بينهما حديث أعدّه من أروع ما كُتب في الأدب العالمي =
فمن ذلك أنّ الكهلَ شرح كيف أنّهم لم يكملوا عملهم؛ حطّموا الطاحونةَ لكنّ الرياح بقيت تهب. اعترض الأسقف: قد يكون التحطيم ضروريًا، لكنّي =
لا أثق به حين يشوبه الغضب، ردّ الكهل: العدل له غضبته عزيزي الأسقف! مهما قلنا عن الثورة الفرنسية تبق أعظم خطوة في تاريخ البشرية بعد المسيح =
أجل، لم تتم عملها، لكن كم كانت باهرة! لقد رققت القلوب، ونوّرت العقول، ونشرت الحب، وأجرت أنهار الحضارة في العالم. يعترض الأسقف: ماذا عن ٩٣؟ =
(و٩٣ هو عام الرعب) ، يجيب الكهل: أجل،٩٣! كنت أنتظر أن تذكره. سحائبُ تتجمع طوال ألفٍ وخمسمئة سنة، وفي الأخير حين تضربُ العاصفة، تدين الرعد؟ =
تتداعى دفاعات الأسقف تدريجيا، لكنه يهتف أخيرا: يتعيّن على التقدم أن يؤمن بالله، الملحد قائد شرير للبشريّة. هنا يصوغ هيجو واحدًا من أكثر =
مشاهده تأثيرًا، يقول هيجو: لم يجب الكهل، لكنّ رجفةً اعترته، نظر إلى السماء، وتشكلّت دمعة ببطء في محجر عينه، لتنحدر بعد ذلك على وجهه الشاحب =
تمتم لنفسه وهو لا يزال متطلعًا إلى الأعلى: أنت وحدك الكامل، أنت وحدك الموجود، انفعل الأسقف بطريقة لم يكن جاهزا لها. بعد هنيهة، أشار الكهل =
إلى السماء وقال: هذا اللانهائي له كينونة، إنّه هناك، لو لم تكن له ذات، إذن لاندثرت ذواتنا، لن يكون هناك لانهاية، أو بتعبير آخر: لن يكون! =
لكنه يكون، ولذا لديه ذات، وذات اللانهاية هو الله. (تخبّط منير البعلبكي وهو يترجم هذه المعاني العويصة). ينهي هيجو هذا المشهد بطريقة مؤثرة =
فبعد أن جاء الأسقف وفي قلبه حرج ووِقْر تجاه هذا الكهل، إذا به ينثني على ركبتيه طالبًا مباركته! الفصل مؤثر للغاية، لا يسعك حين تفرغ منه =
إلا أن تشعر بجذوة نار تتلظى داخلك، مثل هذا كثير في البؤساء، لكنّ هذا الفصل أبرعها وأفصحها وأشدّها انتصارًا ومحاماةً عن الثورة، فهل كان هذا =
ما نشده دوستويفسكي حين طلب من ڤارڤارا تيموفيڤنا نسخةً من البؤساء؟ لا أدري! لكننا نعرف أنّه بمجرد خروجه من السجن بعث باستقالته إلى الجريدة.
جاري تحميل الاقتراحات...