لهذا النشيد منزلة خاصة في قلوبنا، ولعلّي لا أبالغ كثيرا إن قلت إنّ طلع البدر من أول محفوظاتنا. ألتفت إلى الوراء، فأرى نفسي صبيًا في الروضة =
اصدحُ ب"طلعَ البدرُ" مع غيري من الصبية، في ذات الوقت الذي كنا نُلقّن فيه كيف نجيبُ أسئلةً من طراز: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فلا غرابةَ =
لو استقرّ النشيد في روعنا كحقيقةٍ تاريخية لا يتطرّق لها الشك، لم يخطر ببالنا أنّ ثنيّة الوداع هذه فيها خلاف، وأنّ القول الراجح ينسبُ اسمها =
إلى ما حصل من توديع للجيش قبل غزوة تبوك، ولم يكن في وسعنا أن نحورَ إلى مصادر السيرة كابن اسحاق والطبري وطبقات ابن سعد فلا نجد أثرًا للنشيد =
وهكذا لبثنا نصدحُ بالنشيد بأعلى صوتنا، ونتخيّل أنفسَنا صبيةً من الأنصار، نجري ونتقافر مع أنس بن مالك كي نظفرَ بنظرةٍ إلى رسول الله ﷺ =
وإني لأحمد الله على هذه النشأة والبُلهنية الطفولية، فالنشيد -وإن لم يكن حقيقةً- ينقل لنا أجواءَ الحبور في يثربَ ويمثلها أمامنا أفضلَ تمثيل =
وأنت لو أردتَ أن تحيطَ بشيءٍ من أجواء الفرح تلك، مثِّلْ أمامكَ خمسمئة رجل من الأنصار يحيطون بناقة النبي ﷺ ، كلهم يسأله أن يحلّ ضيفًا عليه =
ثمّ مثِّل غلمانًا يسعونَ يهتفون: جاء محمد، جاء محمد، لكنّ جدار الرجال المحيط بالناقة من الجانبين يحجب عنهم الرؤية، فيقفزون دون فائدة =
مثِّل نساءً وعواتقَ يعتلين البيوتَ يترائينه وهنّ يتهامسن بحماس: أيّهم هو؟ أيّهم هو؟ ثمّ مثِّلْ جواريًا يضربن بالدفوف وينشدن بين يدي ناقته =
ولو أردتَ أن تفهمَ هذه الأجواءَ أكثر، تصوّر نفسك عبدًا أو أمَةً في يثرب، ترى هذا الشابَ المكيّ الوضيء مُصعبَ بن عمير يدرج بين يدي أسيادك =
يحدّثهم عن الدين الجديد، وأنّ لا فرق بينهم وبين عبيدهم -وهي دعوى لم تعرفها العرب- فينفذ حديثه في قلوبهم -وقلبك- نفاذ الماء في الأرض العطشى =
يبدأ المهاجرون بالتوافد، فترى بلالًا، وعمّارًا، وخُبيبًا، وتسمع قصصهم، وماذا فعل بهم أسيادُهم، وماذا فعل بهم الدين الجديد، فتمتلئ حبًا =
تمتلئ حبًا تجاه هذا الرجل الذي بقي وحيدًا في مكة ليس معه من أتباعه غير نفر قليل، ثمّ تسمع أنّه خرج من مكة، وأنّ أعداءه أهدروا دمه، وأنّهم =
يجدّون في طلبه، فتمتلئ فَرَقًا، وتخشى أن تفشلَ الدعوة، وينهارَ كل ما علّقته عليها من آمال؛ أيامٌ من الترقب والخوف، ثمّ تسري بشارة في يثرب =
مفادها أنّ النبيّ ﷺ شوهِد في قباء، وأنّه في طريقه إلى يثرب؛ ألن يرقصَ قلبُك فرحًا؟ ألن تعدوَ كالمجنون إليه؟ ألن تخرجَ منشدًا بين يديه؟ =
ولو أردتَ أن تمارسَ تأملًا أشرفَ وأعلى، حاوّل أن تحزرَ العواطف التي جاشت في فؤاد الرسول ﷺ، وهو شيء لا نطيقه، فمقامُنا أوضعُ من ذلك =
لكن لا بأسَ من التطلع إلى السماء؛ تذكّرْ أنّ الرسول ﷺ كان مهدورَ الدم مطاردًا قبل أيام، فإذا بكامل يثربَ تهبُّ مرحّبةً به! تذكّر ما ناله =
من أذىً قبل سنوات في الطائف، ثمّ قارنه بهذا المنظر! يقول ابن هشام: أشدّ ما لقي رسول الله ﷺ من قريش أنّه خرج يومًا فلم يلقَه أحد من الناس =
إلا كذّبه وآذاه، لا حرٌّ ولا عبد، فرجع رسول الله ﷺ إلى منزله فتدثّر من شدة ما أصابه (فداك أبي وأمي يا رسول الله) .. اقرأ هذا، ثمّ قارنه =
بمشهد استقباله في يثرب، وقد تحلّق حوله المؤمنون؛ وجوه يعرفها من مكة، ووجوه أول مرة يراها، لا بدّ أنّ قلبه الكريم كان يفيض شكرًا لله =
هو الذي كان منذ البداية مستشعرًا ثقلَ الأمانة، هو الذي لطالما ركبَ نفسَه فوقَ جهدِها كي يكون أهلًا للإصطفاء، فداك أبي وأمي يا رسولَ الله =
فكِّرْ بكل هذا، ثمّ اقرأ المشهدَ الذي صوّره البيهقي في دلائله، يقول البيهقي نقلًا عن أنس: عندما بركتْ ناقة الرسول ﷺ على باب أبي أيوب =
خرجت جوارٍ من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن: نحن جوارٍ من بني النجارِ * يا حبّذا محمدٌ من جارِ! فخرج إليهم رسول الله ﷺ فقال : أتحبوني؟ =
فقالوا: إي والله يا رسولَ الله، فقال: وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم. ورغم أنّ الحديث لم يروِه أحد من أصحاب السنن =
إلّا أنّه لو صحّ يأتي عذبًا متساوقًا مع الموقف: رجل نشأ يتيمًا، محروما من حب الأبوين، كذّبه قومه، وسخروا منه، وآذوه، ثمّ يجد نفسه لأول مرة =
أمام هذا الفيض الجماعيّ من الحبّ، فلا غرابة إن سأل: أتحبوني؟ إيه والله نحبك يا رسول الله. هذه هي الرؤى والصور والأفكار التي جالت في خاطري =
وأنا أسمعُ "طلع البدر علينا" .. وإن كان جواري وإماء يثربَ لم ينشدنها أثناء مقدم الرسول ﷺ لا بدّ أنّهنّ أنشدن شيئا مشابهًا بها جذلًا مثلَها =
ولو أتيح لي أن أرى مؤلفَ "طلع البدرُ علينا" لقبّلت رأسَه كِفاءَ إشراكه لنا لذّةَ استقبال الرسول ﷺ، إنّ لحظةَ الهجرة لحظة كونيّة، لنبيٍ لم =
يكفِه أن نأتيَ إليه فأتى إلينا، لذا ليسَ عجيبًا أن تزامنَ وقت حفظنا للنشيد مع بداية معرفتنا بالرسول ﷺ وباسمِه وبنتفٍ من سيرته، إنّنا نقفُ =
مرحبين بقدوم الرسول ﷺ إلى حياتنا، كلٌ يطلّ من سطح وعيه، كما فعلت العواتق قبل ألف سنة، منشدين في جوقةٍ جماعيةٍ أبديّة: طلعَ البدرُ علينا.
جاري تحميل الاقتراحات...