عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

46 تغريدة 4 قراءة Apr 12, 2023
قرأت قبل سنتين الجزء الأول من "دون كيخوته" لثيربانتس فأحدثَ شرخًا عميقًا في قلبي، وبكيت لكيخوته أكثر من ضحكي عليه، وسأشرح هنا أسبابَ ذلك =
لكن قبل أن أبدأ أحبّ أن ألفتَ الانتباه إلى هذه الظاهرة الغريبة؛ كثير من الأعمال المكتوبة لحظة انبثاق نوعٍ أدبي جديد تكون في غاية الحداثة =
وتبقى كذلك مقارنةً بالأعمال المتأخرة عليها، حتى وإن أخضعناها لمعاييرنا الحاليّة، وتفسير ذلك أنها وُلدت حرةً على غير مثال سابق، قبل أن توضع =
قوانين وشروط النوع الجديد، انظر مثلا إلى المعلقات، أليس في تأرجح وعي الشاعر بين الطلل والناقة والليل -هكذا كيفما اتفق- نوعا من تيار الوعي؟ =
وانظر إلى دون كيخوته؛ كُتبت عام ١٦٠٥م، ويعتبرها النقاد أول رواية غربية بالمفهوم الحديث، قارنها بروايات تولستوي ودوستويفسكي أيها أكثر حداثة =
سيخرج دون كيخوته لا محالة منتصرًا. جزء من حداثة "دون كيخوتة" يعود إلى لغتها الناصعة المبتهجة الخالية من التكلف والزخرف، لكنّ الجزء الأكبر =
يعتمد على طواعيتها الهائلة أمام التأويل. "دون كيخوته" -في نظري- رواية تمرّدت على مبتغى مؤلفها، ابتكر لها ثيربانتس أسلوبًا سهلًا للغاية =
بطلٌ قارئ يخلط بين الخيال والحقيقة، لكنّ التنويعات اللانهائية الناجمة عن هكذا تكنيك أعطت للرواية غناها، وفتحت أبوابًا لم يفطن لها المؤلف =
نعم، أؤمن بأن حداثة "دون كيخوته" لم تكن نتيجة براعة واستشراف ثيربانتس فقط، إنما لأنه وقع -صدفةً- على تكنيك مبتكر حمله إلى نهاية تنويعاته =
وإذا أردت دليلًا على ذلك، افحص القصص البينية المدرجة عنوةً في السياق (كقصة كاردينو، وقصة الأسير، إلخ) ستجدها ضعيفةً فنيًا، قديمةً في الروح =
ليس لها نضارة باقي الرواية، مما يدلُّ أنّ ثيربانتس مدين بالكثير لهذا التكنيك الذي ما إن وقع عليه، حتى أخضعَ نفسَه بالكامل لمنطقه ومفاجآته =
لم تتمرد "دون كيخوته" على مؤلفها في التكنيك وحسب، وإنّما تمردت في الموضوع والحجم أيضًا، هناك دراسات تقترح أنّ ثيربانتس أراد لقصته أن تنتهي =
بعد مغامرات فارسه الثلاث الأولى: مغامرة التعميد، ومغامرة الصبي المجلود، ومغامرة تجار الحرير، والأخيرة أُبرح فيها ضربًا بعد أن طالب التجّار =
بالاعتراف بجمال معشوقته "دولسينيا" رافضًا أن يريهم البورتريه الخاص بها، فأيّ فضل للإيمان بعد المشاهدة؟ وهذه أول ثيمة إيمانية في الرواية =
وأظنها نقطة تحوّل لدى ثيربانتس. ينسى كثيرون أن كيخوته كان واعيا بنفسه وبأصله، فعندما جبهه أحدهم باسمه الحقيقي: أنت سينيور كويخاندا! أجابه: =
"أعرف من أنا، وأنّ بإمكاني أن أصبحَ لا من ذكرتَ فقط، وإنّما نبلاء فرنسا الإثنى عشر!" المسألة إذن مسألة إيمان وإرادة، كما في شيطان ملتون =
أفضل قراءة لدون كيخوته هي تلك التي ترتكز على طوعية جنون كيخوته، وأنّ هناك نوعًا من الإرادة في إسلامه نفسه لهكذا لعبة، مع قدرة شبه كاملة =
على نسيان أنّها لعبة. هناك فصل مفصليّ يكشف عقيدة كيخوته المثالية (الفصل Xl)، حين يمسك فارسنا جوزة بلوطٍ ويشرع يتغنى بما يدعوه "عصرا ذهبيا" =
هذا الفصل هو الاستراحة الأولى التي يمر بها كيخوته وقارئه دون أن يتعرضا لأذى جسديّ أو معنويّ، لذا حق لهما أن يشكرا ثيربانتس على هذه الفسحة =
دون كيخوته غير راضٍ عن عصره الحاليّ -بل هو يدعوه عصرًا حديديًّا- ذلك لأنّ "عاديّته" جعلت من الصعب ممايزة الخير والشرّ كما في العصر القديم =
لذا يحاول كيخوته عبر التخييل وتكييف الإبصار إعادة بناء الواقع وجعله أكثر تمايزًا، هكذا تتحول مغامرته نفسها إلى "عصرٍ ذهبيّ". إنّه حين يرفض =
"العصر الحديديّ" أمامه خياران؛ إما أن يعيد "العصر الذهبيّ" بقوّة ساعده، أو أن يعيده بعقله بالتخييل وتكييف الإبصار، وهو ما يتصدى له كيخوته =
ها هنا حركة ثنائية لإعمال الإرادة وتعليقها، في الأول تحتاج أن تعطّل وعيك طواعية، ثم تنخرط تلقائيًا في اللعبة، وسيزيد إيمانك أثناء الرحلة =
ورغم أنّ كيخوته اختار لعبة التخييل والإيمان، إلا أنّه لا يستطيع أن يدخلها وحده، يحتاج إلى سانشو كي يقنعَ نفسَه حين يعطي بنات أفكاره صوتًا =
وهكذا يتردد في كل مغامرة حوار متكرر يشير فيه سانشو أنّ العمالقة ما هم سوى طواحين أو براميل نبيذ، فيرد كيخوته: أيها المجنون، ألا ترى؟ =
إنها رحلة روحيّة لتعليم سانشو كيف يبصر من جديد، كيف يتكلف الحركة الثنائية لإعمال الإرادة ثم تعليقها؛ التابع يحتاج سيده، والسيد يحتاج تابعه =
يصادفُ كيخوته شخصياتٍ كثيرةً تلاحظ جنونه، وتريد مباشرة أن تنخرط في اللعبة دون تصديقها، كدوروتيا التي تقمّصت شخصية الأميرة ميكوميكونا بتلذذ =
رغم أنّها كانت تمرّ بمتاعبَ ليس أقلّها الاغتصاب، ومثلها لوسيندا، وفيرناندو، وكاردينو، ورغم أن هؤلاء ينتهون نهايةً يُفترض أنها سعيدة حيث =
يلتقون بأحبائهم، إلا أن جوًا من الكآبة يظلّ يخيّم فوقهم بعكس دون كيخوته وسانشو، ذلك لأن مبتغى الشخصيات السابقة ماديّ قريب، أما كيخوته =
فمبتغاه مثالي، عصيّ التحقق، مما يجعل لعبة إيمانه لانهائية، وسعادته أبديّة! أما أكثر إثنين يريدان الانخراط باللعبة فهما حلاق وكاهن القرية =
أعجبُ كيف لم يفطن النقاد إلى الدور الخطير الذي يلعبه هذان الإثنان! نقابل ماستر نيكولاس الحلاق وصاحب النيافة الكاهن في أول الكتاب =
فنراهما يناقشان سينيور كويخاندا (كيخوته) أيّ الفوارس أشجع: أماديس دي جاولا أم أورلاندو فوريوسو؟ نفس الكتب المشؤومة التي أفسدت عقل كيخوته =
ثم نقابلهما ثانية في محكمة التفتيش التي عقداها لمحاكمة وحرق الكتب -من أمتع المشاهد- فنعجب لحماسهما ومتعتهما وهما ينخرطان في تقمص الدور =
نقابلهما مرةً ثالثة في مغامرة السييرا مورينا (الجبال السوداء) فندرك أنهما -رغم رغبتهما العارمة بالمشاركة في اللعبة- لا يستطيعان نسيان =
موقعهما الإجتماعي، ولا أنّها لعبة. ها هو الكاهن يأتي بفكرةٍ -كي يرجع كيخوته- تقتضي تنكرّه في زي فتاةٍ عذراء، لكنّه سرعان ما يتحرّج ويخلع =
زيّه خوفَ أن يدنّس منصبه الكنسيّ! قرأتُ كلّ هذا، فلمحت خلفَ الرغبة الباطنة بالمشاركة مع العجز عن الإيمان، حسدًا وحقدًا يبطنانه ضدّ كيخوته =
وكما يحدث -عادةً- حين تأخذني خيالاتي بعيدًا، تخيّلتُ مشهدًا مفاده أنّه بعد موت السينيور كويخانا ماركيز مانتوا يتم القبض على الحلاق والكاهن =
ويكون ذلك مشوبًا بشيء من العنف. يُتهم الإثنان بتسميم عقل السينيور كويخانا، ويتم العثور لديهما على بعض كتب الفروسية الناجية من المحرقة =
يعترف الكاهن أثناء التحقيق أنّه لم يحسد السينيور كيخوته قطّ، هو فوقهُ جنونًا وقدرةً على الإيمان- لكن سانشو بانزا (هنا يرفع يديه محتجًا) =
كيف تأتّى لراعي الخنازير هذا -الفقير الجاهل السوقيّ- أن ينخرطَ في لعبة سيده بهذا التسليم والاستغراق والإيمان والثقة؟ هكذا تخيّلتُ المشهد =
ولم يكذب ظني، فلقد أنهى ثيربانتس الجزء الأول من "دون كيخوته" بطريقة وحشيّة كشف فيها الحلاق والكاهن أخيرا عن خبث طويتهما في الفصول الأخيرة =
كيف يُفسر تصرفهما تجاه صديقهما كيخوته حين سجناه في قفص للحيوانات، واكتفيا بالفُرجة ضاحكين عندما أبرحه راعي البغال ضربًا؟ ثمّ أدخلاه القرية =
بطريقة كرنفالية يوم الأحد في وضح النهار كي يراه الجميع داخل القفص (قارن ذلك بالراعي الذي عاد بكيخوته ليلًا أول الرواية كي لا يراه أحد) =
أنهيت الجزء الأول ما بين عبرةٍ وغَصّة، وطويت الكتاب لا أقوى أن أقرأ أكثر، كان في نيّة ثيربانتس أن ينهي روايته هكذا، لولا أنّ جزءًا ثانيًا =
مزيّفًا انتشر في حياة ثيربانتس وتحت أنفه، وهكذا أزمع الأخير أن يكتب تتمةً يقتل فيه بطله، كي يقطع الطريق أمام المُنتحِلين والسارقين =
والآن بعد مرور عامين على تلك القراءة، أظنّ أنّ جروح كيخوته برأت، وشرخي اندّمل، والوقت حان كي أنطلق مجددًا خلف الدون وسانشو وطريقهما الطويل.

جاري تحميل الاقتراحات...