أنا من جيلٍ نشأ على حبِ بغدادَ والحُلم بها دون أن يُتاحَ له زيارتها بسبب الخلافات السياسية، لكنّ حبّ بغدادَ بقي محفورًا في شفرتنا الجينية =
صادفنا بغدادَ أول مرة في مسلسل السندباد فملأت أحلامَنا وطفولتنا، ثمّ كبرنا شيئًا فقرأنا في الإبتدائية عن أبي جعفر المنصور ومدينته الدائرية =
عن أثر ذلك الجسر الطافي في مخيلاتِنا الطفولية! ثمّ كبرنا شيئًا، فبدأنا نقرأ في دواوين أبي نُواس، والعباس بن الأحنف، وعلي بن الجهم =
فكان لقاء ابن الجهم بذاك السربِ من المها النازل من الجسر والمتهادي إلى الرصافة أرسخ في عقولنا وأكثر عملًا مما قرأناه لاحقًا في الفيتا نوفا =
عن لقاء دانتي وبياتريس قرب جسر السانتا ترينيتا، وكيف يمكن أن نقارنَ وهواء دجلة أعذب، ومهاة عليٍ أحور، ولوحته الرائية أكثر ألوانًا؟! =
ثمّ كبرنا شيئًا فقرأنا رسائلَ الجاحظ وكتبَ التوحيدي ونشوار التنوخي، فبدأت بغداد تتجمع في مخيلتنا كالفسيفساء؛ بخلفائها، وأمرائها، وقادتها، =
وقضاتِها، وشعرائها، وكتّابها، وجندِها، وعلمائها، وقيانِها، وبطّاليها، فتاللهِ لن تجدَ مدينةً صُوّرت بطريقة أكثر غنى وألوانًا من بغداد! =
ولم يكن العراقيون غافلين عن هذا الطابع التاريخي المهم لمدينتهم، فسخّر الله لها في السبعينات مجموعةً من عباقرة فن النحت والتمثيل =
كمحمد غني حكمت، وإسماعيل فتّاح الترك، وخالد الرّحال، فكان همّهم أي يقيموا تماثيلَ ونُصُبًا ترسّخ الطابع العربي الإسلامي لمدينتهم الجميلة =
بقصص وأجواء ألف ليلة وليلة، يظهر ذلك في أعماله التي تناثرت على جانبيّ دجلةَ، كشهريار وشهرزاد، وكهرمانة، والفانوس السحري، والسندباد البحري =
وتدلق الزيت فوق أربعين جرّة كي تُخرجَ الأربعين لصًا، وإياكَ أن تخطئ وتقول: علي بابا والأربعون حرامي، إذ أنَّ لقهرمانة حكايتها المستقلّة =
في المخيال البغدادي. يبلغ التمثال غاية أبهته إذا أنيرت الأضواء ونزلت المياه في الجرار دلالةً على استمرار الحياة. عانى التمثال من البِلى =
والإهمال، وطُليت الجرار فيما بعد بلونٍ أخضرَ بشع، ونضبَ الماء لفترة ولا أدري هل عاد أم ليس بعدُ، لكن ما أحوجَ بغدادَ إلى الجارية كهرمانة =
كي تصبَّ زيتَ غضبِها الحامي فوقَ لصوص المال العام، وسترى في بقية التغريدات أن يدَ البلى والإهمال -وأحيانًا التخريب- طالت كثيرا من التماثيل =
وللمتنبي علاقة ملتبسة مع بغداد، فكما هو معلوم هو كوفي أكثر منه بغداديًا، وحين زار بغداد وهو في قمة مجده ضيّق عليه وزيرها المهلبيّ ورجاله =
فهجوه وأفحشوا وكتبوا رسائلَ في ثلبه، لكن لبغداد أيضًا فضل في تكوين المتنبي، فلقد زارها ونهل من علمائها قبل رحلته الأولى إلى الشام =
رُوي أنّه جيء بالمتنبي -وهو صبي بذؤابة- إلى ابن دريد فقيل: إنّه شاعر، فقال: أنشدنا يا فتى شيئًا من شعرك، فأنشد: مُتُّ إنْ لم تأخذوا بدمي/ =
يَا لَقَحْطَاني ويَعرُبيَه! فمسح ابن دريد على رأسه وقال: لا بل نأخذ بدمك. وهي قصة ثمينة نادرة، ترينا المتنبي وهو في صباه يتفجر فتوةً وثورة =
وترينا إياه أيضًا بين يدي ابن دريد صاحب الجمهرة وشيخ شيوخ العربية. نرجع إلى التمثالين: تمثال محمد غني يرينا المتنبي ضاربًا على صدره وكأنّه =
يصرخُ: أنا أنا، كما يرينا الريح تعبث بطيات ثوبه وتعصف به، وهو معنى استفاده من قوله: على قلقٍ كأنّ الريحَ تحتي/ أوجِهها جنوباً أو شمالا =
ولو سألتني: من أكثر الشعراء بغدادية؟ أجيبك دون تردد: أبو نُواس، كيف لا وهو الذي أمضى عمره يشرب في سوادها ودساكرها وحوانيتها، وخلّد كلّ ذلك =
في خمرياته، وعندما هرب إلى مصر خوفًا من بطش الرشيد كان ينشد متوجعًا: إذا ذُكِرتْ بغدادُ لي فكأنّما/ تحرّكُ في قلبي شباةُ سِنانِ =
وجهه نظرة حزن وسهوم، وكأنه ينشد: راحَ إلى الراحِ ليلهو بها/ ليلاً فهاجتْ ذِكرَهُ الخمرُ/ بكى إلى الصبحِ بسفّاحةٍ/ للدمعِ لم يبقَ لها شَفرُ =
يُروى أن صدام حسين أراد تغيير اسم شارع أبو نواس بحجة أنّ أصله فارسيّ، لولا أن أنقذ جبرا إبراهيم جبرا الموقف ودافع عن عروبة أبي نُواس =
تعرّضت قاعدة التمثال للتخريب، واقتُلعت اللوحات النحاسيّة المنحوتة المعرّفة به، وأظن أنّ أمانة بغداد تداركت الأمر وقامت بإصلاح القاعدة =
ولأنّه كان محبوبًا من الجميع نُسبت الساحة إليه فقيل: "ساحة عنتر" .. وبعد أن مات نُسيت النسبة، وأقيم التمثال، فصارت تُنسب إلى عنترة العبسي. =
تغريداتي السابقة ما هي إلا أغنية حبٍ إلى بغداد، كتبتها وأنا ألمح بوادرَ روحٍ جديدة وعراق جديد، وليس لنا إلا أن ندعو لما فيه خير العراق =
فعسى أن ينهضَ العراق عظيمًا عروبيًا متسعًا لكل مواطنيه، وأن يجري ماء كهرمانة، ويحلم المنصور، وتحكي شهرزاد، ويشرب أبو نواس نخب العراق الجديد.
جاري تحميل الاقتراحات...