عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

35 تغريدة 4 قراءة Apr 12, 2023
سأتناول في سلسلة التغريدات القادمة واحدةً من أشهر قصائد القرن العشرين وأكثرها عمقًا: بكائية دوينو الأولى، وسأضع ترجمتي الخاصة لها. =
لبعض القصائد قصص تصنع شهرتها؛ فنحن -مثلًا- لا نقرأ ميمية المتنبي "واحرّ قلب" دون أن نستحضرَ شجارَه مع ابن خالويه والمفتاح الذي شجّ به وجهه =
وعندما نقرأ قصيدة "قبلاي خان" يقفز إلى ذهننا ذاك الزائر المشؤوم من بورلوك الذي قطع على كولردج قصيدته الحُلُمية وأفسد عليه تداعيه الهذياني =
أما قصيدة ريلكه هذه؛ فلها قصة شهيرة، شبه أسطورية، ساهم الشاعر في صنعها، ونقلتها لنا الأميرة ماري فون تورن أوند تاكسيس في إحدى رسائلها =
والقصة مهمة، ذلك أنّها تساهم في ترسيخ تصور ريلكه للشعر كنوعٍ من الإلهام، خصوصا أنّه كتبها بعد حَبْسة كتابية استمرت أكثر من سنة، فمنذ فراغه =
من روايته الباريسية "دفاتر مالته لوريدس بريجه" لم تخُط يراعته سطرًا من الشعر، ولذا لجأ إلى قلعة دوينو المطلّة على البحر الأدرياتيكي =
والتي تزعم الروايات التاريخية أنّ دانتي كتب جزءا من الكوميديا الإلهية بها. هناك انتظر ريلكه بصبر، أخبر مضيفته ذات مرة أنّ العندليبَ يقترب =
وذات صباح، استقبل رسالةً مزعجةً أراد أن يفرغَ منها سريعا، كانت ريح الشمال تصرّ في الخارج، لكنّ الشمسَ ساطعة، والماء الأزرق له لمعة فضّية =
نزل ريلكه إلى الممر الصخري المؤدي إلى الحصن، ومشى جيئةً وذهابًا وذهنُه غارقٌ في محتوى الرسالة وكيف يردُّ عليها، وفجأةً وسط تفكيره وتأمله =
خُيّل إليه أنه سمع صوتًا ينبعثُ من العاصفة ويتمتم: "مَنْ إن أنا صَرَختُ سوفَ يَسمعُني ضِمنَ مَجمعِ الملائكة؟" توقف ريلكه وهمس: من؟ ماذا؟ =
أخرج دفتره الذي كان يحمله دائما ودوّن تلك الكلمات، دوّن أيضًا بعض السطور التي تكوّنت دون تدخله. تسلّق بهدوء عائدا إلى غرفته، نحّى دفترَه =
جانبًا، وردَّ على الرسالة الصعبة. في المساء، فرغ من كتابة البكائية كاملة. لا يجدر بالقارئ -كما أسلفت- أن يتعاطى مع القصة بجديّةٍ تامة =
فالقصة التي روتها الأميرة ماري بفخر عن ضيفها ريلكه، جاءت كي تضفي للقصيدة طابعًا معينًا، وتحيطها بطبقةٍ من المعنى، وهي حيلة يمارسها الشعراء =
والقصيدة -رغمَ شهرتها- لم تُفهم جيدًا، ولم أقع في كل قراءاتي على شرحٍ وافٍ لها، وهذا ساهم في صرف القراء عنها لصعوبتها وتعذّر معانيها =
وأخالُ أنَّ أحسنَ طريقةٍ لفهمها تتحصل حين يضع القارئ ريلكه في مكانه الطبيعي بين كانط وهيغل، ما بين الشك الإبستمولوجي والقلق الوجودي =
فالذاتُ المتحدثة في قصيدة ريلكه ذاتٌ هشّة عارية؛ فبعد أن نقل كانط شكوك الأسقف بيركلي بخصوص عالمٍ لا نستطيع أن ننفذَ إليه إلا عبر عقولنا =
وبعد أن التفت كانط من ثَمَّ إلى العقلِ نفسِه فنقده وبثّ الشكوك بآلياته الإبستمولوجية، إذا بالذات تقف عاريةً خرقاءَ في هذا العالم المفسّر =
وسبيلها الوحيد كي تتأكد من وجودها هو ممارسة دورها كذات مستقبِلة Subject، ولا يتوافر ذلك لها بطريقة أكثر زخما من معاينتها واستقبالها للجمال =
ولكن كيف تقف الذات الضئيلة أمام الجميل والمبهر the Sublime ، فالأخير من شأنه أن يبتلعَها بضخامته؟ مسكينة! حتى الجمال والفن يتعذران عليها. =
هكذا أفهم تعبير ريلكه الرائع حين يقول عن الملائكة (رموز الجمال): وحتى لو أنّ أحدَها ضمّني فجأةً إلى صدرِه فلسوفَ أُستهلكُ في كيانِه الهائل =
وهكذا تقف الذات ضعيفةً خرقاءَ يتهددها الشك الإبستمولوجي من جهة، والموت من الجهة الأخرى، لكنّ ريلكه يتعامل مع هذا الأخير بطريقةٍ أكثر كفاءة =
وخصوصا حين يلجأ إلى الميثولوجيا اليونانية ويستلهم قصة لاينوس التي تزعم أنّ الفراغ المتولد من موت الشاب النصف الإلهي نتج عنه ذبذبات وموسيقى =
وهكذا يتحوّل الموت والفناء والفراغ في عالم ريلكه الشعري إلى فرصة للخلق والموسيقى والشعر. إنّ الموتَ يتطلب جهدًا، ربط كل تلك الخيوط السائبة =
قبل أن يشعر المرء بأول أحاسيس الأبدية؛ قبل أن نتفلتَ بحنان من أحبتنا، وأن نحيا بعد ذلك مرتعشين، كمثل السهم حين يجمع نفسَه قبل لحظة انطلاقه =
ويهجر وترَه كي يكون أكثرَ من نفسه! هكذا فقط أستطيع أن أفهم تعبير ريلكه الرائع حين يهتف: طوّح بالفضاء الذي بين يديك إلى الفضاءات التي نتنفس =
فلربما تستشعر الطيور امتلاء الهواء حين تخفق بأجنحتها بعنف! نعم، الفراغ امتلاء، والفناء فرصة للخلق، هكذا يجد ريلكه عزاءَه ويبثّه في بكائيته =
والآن، بعد أن امتلأتَ بهذه المعاني، اقرأ ترجمتيي للبكائية مرةً واثنتين وثلاثًا، اقرأها على مهلك، وستجد فيها جمالًا وعزاءً وأفكارًا كثيرة =
كنتُ قد ترجمت البكائيةَ من اللغة الإنجليزية منذ سنين طويلة، قبل أن أقعَ على ترجمة كاظم جهاد وأقرأها. ولي مآخذ على ترجمة كاظم، فهي وإن كانت =
دقيقة -وهذا يُحسب لكاظم- إلّا أنّها عويصة التراكيب، جملها غير سائغة، ولا أزعم أنّ ترجمتي أفضل، لكنها توفر للقارئ العربي خيارًا آخرَ =

جاري تحميل الاقتراحات...