عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

34 تغريدة 2 قراءة Apr 12, 2023
لو سألتك ما أعظم عمل أدبي كُتب عن التحوّل، لربما أجبتني: "التحولات" لأوفيد، أو "الانمساخ" لكافكا، أما أنا فسأختار "نوتردام دي باريس" لهيجو =
لا أعرفُ عملًا تمّ تشويهه عندما نُقل إلى لغاتٍ أخرى مثل هذه الرواية، فأول الجنايات تغيير عنوانه من "نوتردام دي باريس" إلى "أحدب نوتردام" =
فانصرف ذهن القارئ من الكاتدرائية إلى الأحدب كوازيمودو، وهكذا فاته الجانب المعماري المهم للرواية، والذي يشكّل جانبًا أساسيًّا فيها =
ثاني الجنايات الطريقة السطحية التي قُدّمت فيها الرواية عبر السينما والثقافة الأمريكية؛ فظننا أنها تقول لا تنظروا إلى قبح كوازيمودو الخارجي =
وانظروا إلى جماله الداخلي! بينما هيجو -في الحقيقة- يتغنى بالجمال الوحشي القوطي الذي يجلل سحنةَ كوازيمودو، ويعلو جدران وزوايا الكاتدرائية =
ويمكن أن نقول إنّ موضوع الرواية الرئيس هو الجمال والقبح بين التحوّل والثبات، وبين الحتميّة والحرية. قرأت الرواية بالعربية أول مرة في صباي =
ففاتتني كل هذه المعاني، ثمّ قرأتها قبل سنةٍ في ترجمة إنجليزية دقيقة، فأدركت كم كان هيجو عبقريًا حين كتبها. ويكفي أن تقرأ أول الرواية =
وتلحقَ بالشاعر بيير غرينغوار وهو يتبع الغجريةَ أزميرالدا ونعجتها دجالي عبر أزقّة ومتاهات باريس، حتى تنتهي معه إلى بلاط العجائب، لتدركَ =
أنّ ثيمة الرواية الرئيسة هي التحوّل، ففي بلاط العجائب يتحول الشحاذ ملكا، والأعمى بصيرًا، والأعرج صحيحًا، وحتى باريس نفسها تغدو شيئا آخرَ =
ولو أردت أن تتأكد أكثر، انظُرْ إلى شخصيات الرواية، ستجدْ أنّ هيجو جعل الانمساخ والتحوّل سمةً جسدية وأخلاقية لكل شخصياته الطيبة والجميلة =
بينما جعل شخصياته الشريرة أحادية التركيب، عاجزةً عن التحول. فكوازيمودو -أنبل وأجمل شخصياته- يصفه كما لو أنه كائن هلامي تجمّد لحظةَ تحوّله =
ويختار له اسمًا غريبا لكنه بالغ الدلالة في نفس الوقت: كوازي-مودو Quasi-modo أي: "كما لو!" أو "يكاد يكون" للدلالة على تحوّله وعدم اكتماله =
أما كاتدرائية نوتردام، فيخصص لها فصلا كاملا كي يتغنى بتركيبها الثنائي، وانمساخها الحجري، والتوتر في معمارها؛ فتجد فيها القبة الرومانية =
والعمود الإغريقي، والقوس القوطي، جنبًا إلى جنب. إنّ كوازيمودو والكاتدرائية يشتركان في بنائهما التركيبي، فكلاهما عبارة عن كايميرا Chimera =
وكلاهما يشترك في وجود التوتر في جسده، إنهما انمساخ متحجر، وتحوّل متجمد، ولذا فإنّ كوازيمودو جميل من الناحية الإسطيقية البحتة في معمار هيجو =
ثم يأتي انمساخه وتحوّله الأخلاقي حين ينقذ الغجرية أزميرالدا ويثور على رئيس الشمامسة كلود فرولو، ليبلغَ به القمّة في عالم هيجو الجمالي =
لكن ماذا عن أزميرالدا، الشخصية الجميلة الأهم في الرواية؟ هل هي قادرة أيضا على التحوّل؟ لكن أزميرالدا ثنائية التركيب منذ بداية الرواية =
فهي لا تمشي إلا بصحبة عنزتها دجالي، وعندما يلحقها غرينغوار إلى بلاط العجائب، يُخيّل له أنها والعنزة امرأتين أو عنزتين تمشيان سويا! =
أما شخصيات الرواية السيئة كرئيس الشمامسة كلود فرولو، ورئيس الحرس فيبوس دي شاتوبير، فهي -بلا استثناء- أحادية التركيب، عاجزةٌ عن التحوّل =
ورغم ذلك، فإنَّ غضبَ وسهامَ هيجو النقدية لا تنصبُّ عليها، وإنّما تتركزُ على الثابت الأضخم، والمتخشّب الأكبر، عدوّ هيجو الأزليّ: القانون! =
يهاجم هيجو القانونَ في واحدٍ من أكثر مشاهد الرواية سخريةً وعبقرية، حين يحقق قاضٍ أصمُّ يخفي صمَمه في قضية كوازيمودو المحبوس (والأصمّ أيضا) =
فتتحول جلسة التحقيق إلى "حوار طرشان" بالمعنى الحرفيّ للكلمة، وكأنّه يريد أن يقول إنّ القانون بعيدٌ أصمّ لا يسمع صوت الطبقاتِ المسحوقة =
وسيطوّر نظريته هذه لاحقًا ليشنَّ أعنفَ هجومٍ على القانون في رائعته الكبرى "البؤساء" فيصوّر الفقير الذي انتُزع من عائلةٍ يعولها ليُلقى في =
غيابةِ السجن من أجلِ رغيف خبز، ويصوّر الأم التي قُذفت في الشارع، ودُفعت إلى العهر دفعًا كي تعولَ ابنتها، وكيف كان القانون سببَ كلِّ ذلك. =
انتقد كثير من معاصري هيجو مهاجمتَه القانون، ونعتوه بالفوضوي المثير للشغب anarchist ، لكنّهم وقفوا عاجزين أمام المعضلة التي طرحها بفصاحة =
فعندما يتعارض القانون المدني مع القانون الأخلاقي ( الفردي الكانطي) ماذا يجب أن نفعل؟ ألا يجدر بالأول أن ينحني ويتخلى شيئا عن تخشّبه؟ =
ثمّ تأتي المعضلة الأخرى وهي أنَّ القانون (كمنظومة تحفظ الوضع الراهن) رائع إذا كانت الحالة الأولية عادلة، أما إذا كان المجتمع طبقيًا وظالما =
فسيأتي القانون كي يحافظ على العنف والظلم المتأصل في بنية المجتمع. لذا، فإنّ هيجو لم يكن يهاجم القانون على الإطلاق في أعماله =
وإنما يدعو إلى تصحيح الظلم المتأصل في بنية المجتمع أولا، ثم السماح للقانون أن "يتحوّل" وينظر في الحالات الفردية بما يتوافق مع روح الأخلاق =
أرى أني استطردتُ بعيدًا، وسأرجع إلى الجمال والقبح بين الثبات والتحول، والحتميّة والحرية. ماذا يريد هيجو أن يقول في "نوتردام دي باريس"؟ =
إنّ شخصيات وعوالم هيجو ترزح عادةً تحت وطأة الحتميّة القدرية fatalism ، ولكي يؤكد هيجو هذا الشيء يملأ عامدًا عالمه الحكائي بالمصادفات =
والشخصيات الجميلة هي تلك التي تمارس حريتها، فترفض أن تنجرفَ في تيّار الحتمية الهادر، قد تضحي بنفسها، وقد يودي ذلك بها ويهلكها =
وهكذا تنقلب الموازين في عالم هيجو، فيصبح المتحول جميلًا، والثابت قبيحًا، ذلك أنّ التحوّل هو التمظهر الوحيد للحرية، في عالم تحكمه الحتميّة =
إنه الصرخة العاجزة الجميلة ضد حتمية القدر. وإن كان القدر بحتميته ووطأته يؤدي إلى الموت، فأهلا به، ذلك أنه التحول الأكبر والأخير!

جاري تحميل الاقتراحات...