عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

36 تغريدة 15 قراءة Apr 12, 2023
سأكتبُ عن واحدٍ من أظرف شعراء الغزل وأطبعِهم، أضعه مع العباس بن الأحنف في طبقةٍ واحدة، ولو حُفِظ لنا كلُّ شعرِه لكانت "دنياه" أشهرَ من فوز!
كيف لا، وهو القائل: ضيّعتِ عهدَ فتًى لعهدِكِ حافظٌ/ في حفظِه عجبٌ وفي تضييعِكِ/ إن تقتلِيه وتذهبي بفؤادِه/ فبحُسنِ وجهِكِ لا بحسنِ صنيعِكِ =
ولقد تعمّدتُ أن أبدهكَ بشعرِه حتى أقطعَ عليك سبيلَ الاعتراض، خصوصًا إذا كنتَ مثلي عباسيَّ الهوى حنفيَّه، اِقرأ البيتين السابقين ثمّ أخبرني =
هل قرأتَ شيئًا أكثرَ رواءً، وأعذبَ نغمًا، وأجرى على اللسان فكأنّهُ الحديث اليومي؟ وصاحب البيتين هو أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة المهلبيّ =
أو ابن أبي عيينة كما يُعرف في المصادر نسبةً إلى جدِّه. ولم آتِ بَدْعًا حين قارنته بالعباس بن الأحنف، فطريقتهما في الشعر واحدة، وكلاهما =
عاشَ إبّانَ حقبة المنصور والمهديّ والرشيد، وإن كان ابن أبي عيينة عُمِّر أطول. وكلاهما اختُصَّ بمحبوبةٍ قصرَ عليها سائرَ شعرِه، وعمّى عنها =
باسمٍ مستعار، فاختار العباس فوزًا، واختار ابن أبي عيينة دُنيا، فكأنّ شاعرنا لا يرى في الدنيا شيئا سواها، وكأنّ لا دنيًا سوى "دنيا" محبوبته =
ونحن لا نكادُ نعرف شيئًا عن فوز، ولكنّا نعرفُ شيئًا كثيرًا عن دُنيا؛ أو فاطمةَ بنت عمر بن حفص المهلبيّة، ابنة عمِّ شاعرنا، وبعض قرابتِه =
وآل المهلّب بيت عريق؛ أنجبَ عددًا من القادة والأمراء الذين عملوا تحت الدولتين الأموية والعباسيّة، فمِن المهلّب بن أبي صفرة انحدر يزيد ابنه =
ويزيد بن حاتم، ومحمد المنجاب (والد شاعرنا) الذي وليَ الريّ للخليفة أبي جعفر المنصور سنتين، ثمّ عزله وحبسه وغرّمه، فخمُلَ لذلك أبناؤه =
ومن قبيصة بن أبي صفرة انحدرَ الأمير عمر بن حفص (والد فاطمة) الذي يُعرف بين جنده بهزَارَ مَرْد (بمعنى ألف رجل)، فنشأت فاطمةُ في بيت إمارةٍ =
ورياسة، ونشأ ابن أبي عيينة جنديّا بطّالًا من عِداد الشُطّار، لكنَّ فرقَ الإمرة والرياسة هذا لم يحُلْ دون نشوء الطفلين في كنفٍ واحد، وجيرةٍ =
واحدة، ولعلّ معاركَ عمرَ بن حفصٍ هزارَ مَرْد التي طوّحت به بين السند شرقًا والقيروان غربًا اضطرته إلى أن يترك أهلَه في منازلهم في البصرة =
فنشأت فاطمةُ قربَ نهر الأُبلّة، بجوار أبناء عمومتها الذين تعلّقوها وهاموا بها. يقول ابن أبي عيينة: سَلُوا قلبَ دُنيا كيفَ أطلقَهُ الهوى/ =
فقد كان في غُلٍ وثيقٍ وفي كَبْلِ/ فإنْ جحدتْ فاذكرْ لها قصرَ مَعْبَدٍ/ بمنْصفِ ما بين الأُبُلّةِ والحبْلِ/ وملعبنا في النهر والماءُ زاخرٌ/ =
قريبينِ كالغُصنينِ فرعينِ في أصلِ/ ومن حولِنا الريحانُ غَضًّا وفوقَنا/ ظِلالٌ من الكَرْمِ المعرّشِ والنخلِ.. ويقول أيضًا متذكرا عبثَهم بين =
الأزاهرِ والورود: قُلْ لدُنيا باللهِ لا تقطَعينا/ واذكرينا في بعضِ ما تذكرينا/ لا تَخونِي بالغيبِ عهدَ صديقٍ/ لم تخافيهِ ساعةً أن يخونا/ =
واذكُري عيشَنا وإذ نفضَ الرِّيحُ (م) علينا الخِيريَّ والياسَمينا/ إذْ جعلنا الشاهِسْفرَامَ فِراشًا/ من أذى الأرضِ والظِلالَ غُصونا =
وكانا أحيانًا ينتقلان إلى منازلهم في بغدادَ قربَ دار الخلافة، كما حصل يومَ جنازة الخليفة المهدي الذي يسميه ابنُ أبي عيينة مرتين في شعره =
ويزعم أنه التقى دنيا يومذاك: ويومَ الجنازةِ إذْ أرسلتْ/ على رُقعةٍ أن جُزِ الخندقَا/ وعُجْ ثم فانظُرْ لنا مجلسًا/ برفقٍ وإياك أن تَخْرَقَا =
فجئنا كغصنينِ من بانةٍ/ قَرينينِ خِدنينِ قد أورقا.. وقال أيضًا: وفي مأتمِ المهديِّ زاحمتُ ركبَها/ بركبي وقد وطّنتُ نفسي على القتلِ/ =
وبِتنا على خوفٍ أُسكّنُ قلبَها/ بيُسرايَ واليُمنى على قائمِ النَّصلِ/ فيا طيبَ طعمِ العَيشِ إذ هيَ جارةٌ/ وإذ نفسُها نفسي وإذ أهلُها أهلي =
وهذه الأبيات تليق بالملكِ الضِلّيل امرئ القيس، ففيها براعته في رسم المشهد، وفيها فتكه وتهتّكه، وإنّك لتعجب كيف يخوض ابن أبي عيينة في قصصٍ =
تتهمّ ابنةَ عمِّه! فلعلّه اطمأنَّ تحت ظِل الاسم المستعار، ولعلّه حردَ حين منعوه فاطمةَ لفقره وزوجوها الأمير عيسى بن سليمان، وفي هذا المعنى =
ينشد: وقالوا تجنّبْنا فقلتُ أبعدَ ما/ غلبتُم على قلبي بسُلطانِكم غَصبَا/ غِضَابٌ وقد ملّوا وقوفي ببابهم/ ولكنَّ دُنيا لا مَلولا ولا غَضبى/ =
فيَاحسرتَا نُغِّصتُ قُرْبَ ديارِها/ فلا زُلفةً منها أُرجّي ولا قُربا/ لقد شمتَ الأعداءُ أن حِيلَ بينَها/ وبيني ألا للشامتينَ بنا العُقبى =
وأيًا كانت نفسية ابن أبي عيينة، ومهما كان باعثُه، لقد مضى ينشد الأشعارَ والمقطّعاتِ فتشتهرَ ويُغنى بها حتى أصبحت شُغلَ المجتمع العراقيّ =
فيقول مرةً: ما لِقلبي أرقَّ من كلِّ قلبِ/ ولِحُبّي أشدَّ من كُلِّ حبِّ!/ ولِدُنيا على جنوني بدُنيا/ أشتهي قُربَها وتكرهُ قُربي! =
ويقولُ أخرى: عَيشُها حُلوٌ وعيشُكَ مُرُّ/ ليسَ مَسرورٌ كَمن لا يُسَرُّ/ قلتُ للائمِ فيها: الهُ عنها/ لا يقعْ بيني وبينَك شَرُّ! =
ويقول: ألا في سبيلِ اللهِ ما حلَّ بي منكِ/ وصبركِ عني حين لا صبرَ لي عنكِ/ فهل حاكمٌ في الحُبِّ يحكمُ بينَنا/ فيأخذَ لي حقي وينصفُني منكِ؟ =
ويقول: أرى عهدَها كالوردِ ليس بدائمٍ/ ولا خيرَ فيمن لا يدومُ له عهدُ/ وعهدي لها كالآسِ حُسنًا وبهجةً/ له نَضْرَةٌ تبقى إذا ما انقضى الوردُ =
ويقول متظارفًا: ما لِدُنيا تجفوكَ والذنبُ منها/ إنَّ هذا منها لَخَبٌّ ومَكْرُ/ عرَفتْ ذنبَها إليّ فقالت:/ ابدءوا القومَ بالصياحِ يفرّوا! =
ويقول: زعموا أنّي صديقٌ لدُنيا/ ليتَ ذا الباطلَ قد صار حقّا/ أنا من وجدٍ بدنيايَ منها/ ومنَ العُذّالِ فيها مُلَقّى =
ويقول: أدُنيايَ من غَمْرِ بحْرِ الهوى/ خُذي بيدي قبلَ أن أغْرقا/ أنا لكِ عبدٌ فكوني كمنْ/ إذا سرّهُ عبدُه أعتقَا .. ولقد كان إسحق الموصليّ =
معجبا بالأبيات الأخيرة، وأنا أشاركه إعجابه، فمنذ قرأتها وأنا أتخيّلُ رجلًا بَطينًا، عريضَ العمامة، طريرَ الشارب، يحضرُ مجلسَ وغناءَ إسحاق =
ثمّ يقفلُ متعبًا إلى دارِه، فينام، ويستيقظ متأخرا، ويمشي إلى السوق، حتى إذا توسّط الطريق إذا به يردد دون وعي: أدُنيايَ من غَمرِ بحرِ الهوى♪!

جاري تحميل الاقتراحات...