كيف لا، وهو القائل: ضيّعتِ عهدَ فتًى لعهدِكِ حافظٌ/ في حفظِه عجبٌ وفي تضييعِكِ/ إن تقتلِيه وتذهبي بفؤادِه/ فبحُسنِ وجهِكِ لا بحسنِ صنيعِكِ =
ولقد تعمّدتُ أن أبدهكَ بشعرِه حتى أقطعَ عليك سبيلَ الاعتراض، خصوصًا إذا كنتَ مثلي عباسيَّ الهوى حنفيَّه، اِقرأ البيتين السابقين ثمّ أخبرني =
هل قرأتَ شيئًا أكثرَ رواءً، وأعذبَ نغمًا، وأجرى على اللسان فكأنّهُ الحديث اليومي؟ وصاحب البيتين هو أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة المهلبيّ =
أو ابن أبي عيينة كما يُعرف في المصادر نسبةً إلى جدِّه. ولم آتِ بَدْعًا حين قارنته بالعباس بن الأحنف، فطريقتهما في الشعر واحدة، وكلاهما =
عاشَ إبّانَ حقبة المنصور والمهديّ والرشيد، وإن كان ابن أبي عيينة عُمِّر أطول. وكلاهما اختُصَّ بمحبوبةٍ قصرَ عليها سائرَ شعرِه، وعمّى عنها =
باسمٍ مستعار، فاختار العباس فوزًا، واختار ابن أبي عيينة دُنيا، فكأنّ شاعرنا لا يرى في الدنيا شيئا سواها، وكأنّ لا دنيًا سوى "دنيا" محبوبته =
ونحن لا نكادُ نعرف شيئًا عن فوز، ولكنّا نعرفُ شيئًا كثيرًا عن دُنيا؛ أو فاطمةَ بنت عمر بن حفص المهلبيّة، ابنة عمِّ شاعرنا، وبعض قرابتِه =
وآل المهلّب بيت عريق؛ أنجبَ عددًا من القادة والأمراء الذين عملوا تحت الدولتين الأموية والعباسيّة، فمِن المهلّب بن أبي صفرة انحدر يزيد ابنه =
ويزيد بن حاتم، ومحمد المنجاب (والد شاعرنا) الذي وليَ الريّ للخليفة أبي جعفر المنصور سنتين، ثمّ عزله وحبسه وغرّمه، فخمُلَ لذلك أبناؤه =
ومن قبيصة بن أبي صفرة انحدرَ الأمير عمر بن حفص (والد فاطمة) الذي يُعرف بين جنده بهزَارَ مَرْد (بمعنى ألف رجل)، فنشأت فاطمةُ في بيت إمارةٍ =
ورياسة، ونشأ ابن أبي عيينة جنديّا بطّالًا من عِداد الشُطّار، لكنَّ فرقَ الإمرة والرياسة هذا لم يحُلْ دون نشوء الطفلين في كنفٍ واحد، وجيرةٍ =
واحدة، ولعلّ معاركَ عمرَ بن حفصٍ هزارَ مَرْد التي طوّحت به بين السند شرقًا والقيروان غربًا اضطرته إلى أن يترك أهلَه في منازلهم في البصرة =
فنشأت فاطمةُ قربَ نهر الأُبلّة، بجوار أبناء عمومتها الذين تعلّقوها وهاموا بها. يقول ابن أبي عيينة: سَلُوا قلبَ دُنيا كيفَ أطلقَهُ الهوى/ =
فقد كان في غُلٍ وثيقٍ وفي كَبْلِ/ فإنْ جحدتْ فاذكرْ لها قصرَ مَعْبَدٍ/ بمنْصفِ ما بين الأُبُلّةِ والحبْلِ/ وملعبنا في النهر والماءُ زاخرٌ/ =
قريبينِ كالغُصنينِ فرعينِ في أصلِ/ ومن حولِنا الريحانُ غَضًّا وفوقَنا/ ظِلالٌ من الكَرْمِ المعرّشِ والنخلِ.. ويقول أيضًا متذكرا عبثَهم بين =
الأزاهرِ والورود: قُلْ لدُنيا باللهِ لا تقطَعينا/ واذكرينا في بعضِ ما تذكرينا/ لا تَخونِي بالغيبِ عهدَ صديقٍ/ لم تخافيهِ ساعةً أن يخونا/ =
واذكُري عيشَنا وإذ نفضَ الرِّيحُ (م) علينا الخِيريَّ والياسَمينا/ إذْ جعلنا الشاهِسْفرَامَ فِراشًا/ من أذى الأرضِ والظِلالَ غُصونا =
وكانا أحيانًا ينتقلان إلى منازلهم في بغدادَ قربَ دار الخلافة، كما حصل يومَ جنازة الخليفة المهدي الذي يسميه ابنُ أبي عيينة مرتين في شعره =
ويزعم أنه التقى دنيا يومذاك: ويومَ الجنازةِ إذْ أرسلتْ/ على رُقعةٍ أن جُزِ الخندقَا/ وعُجْ ثم فانظُرْ لنا مجلسًا/ برفقٍ وإياك أن تَخْرَقَا =
فجئنا كغصنينِ من بانةٍ/ قَرينينِ خِدنينِ قد أورقا.. وقال أيضًا: وفي مأتمِ المهديِّ زاحمتُ ركبَها/ بركبي وقد وطّنتُ نفسي على القتلِ/ =
وبِتنا على خوفٍ أُسكّنُ قلبَها/ بيُسرايَ واليُمنى على قائمِ النَّصلِ/ فيا طيبَ طعمِ العَيشِ إذ هيَ جارةٌ/ وإذ نفسُها نفسي وإذ أهلُها أهلي =
وهذه الأبيات تليق بالملكِ الضِلّيل امرئ القيس، ففيها براعته في رسم المشهد، وفيها فتكه وتهتّكه، وإنّك لتعجب كيف يخوض ابن أبي عيينة في قصصٍ =
تتهمّ ابنةَ عمِّه! فلعلّه اطمأنَّ تحت ظِل الاسم المستعار، ولعلّه حردَ حين منعوه فاطمةَ لفقره وزوجوها الأمير عيسى بن سليمان، وفي هذا المعنى =
ينشد: وقالوا تجنّبْنا فقلتُ أبعدَ ما/ غلبتُم على قلبي بسُلطانِكم غَصبَا/ غِضَابٌ وقد ملّوا وقوفي ببابهم/ ولكنَّ دُنيا لا مَلولا ولا غَضبى/ =
فيَاحسرتَا نُغِّصتُ قُرْبَ ديارِها/ فلا زُلفةً منها أُرجّي ولا قُربا/ لقد شمتَ الأعداءُ أن حِيلَ بينَها/ وبيني ألا للشامتينَ بنا العُقبى =
وأيًا كانت نفسية ابن أبي عيينة، ومهما كان باعثُه، لقد مضى ينشد الأشعارَ والمقطّعاتِ فتشتهرَ ويُغنى بها حتى أصبحت شُغلَ المجتمع العراقيّ =
فيقول مرةً: ما لِقلبي أرقَّ من كلِّ قلبِ/ ولِحُبّي أشدَّ من كُلِّ حبِّ!/ ولِدُنيا على جنوني بدُنيا/ أشتهي قُربَها وتكرهُ قُربي! =
ويقولُ أخرى: عَيشُها حُلوٌ وعيشُكَ مُرُّ/ ليسَ مَسرورٌ كَمن لا يُسَرُّ/ قلتُ للائمِ فيها: الهُ عنها/ لا يقعْ بيني وبينَك شَرُّ! =
ويقول: ألا في سبيلِ اللهِ ما حلَّ بي منكِ/ وصبركِ عني حين لا صبرَ لي عنكِ/ فهل حاكمٌ في الحُبِّ يحكمُ بينَنا/ فيأخذَ لي حقي وينصفُني منكِ؟ =
ويقول: أرى عهدَها كالوردِ ليس بدائمٍ/ ولا خيرَ فيمن لا يدومُ له عهدُ/ وعهدي لها كالآسِ حُسنًا وبهجةً/ له نَضْرَةٌ تبقى إذا ما انقضى الوردُ =
ويقول متظارفًا: ما لِدُنيا تجفوكَ والذنبُ منها/ إنَّ هذا منها لَخَبٌّ ومَكْرُ/ عرَفتْ ذنبَها إليّ فقالت:/ ابدءوا القومَ بالصياحِ يفرّوا! =
ويقول: زعموا أنّي صديقٌ لدُنيا/ ليتَ ذا الباطلَ قد صار حقّا/ أنا من وجدٍ بدنيايَ منها/ ومنَ العُذّالِ فيها مُلَقّى =
ويقول: أدُنيايَ من غَمْرِ بحْرِ الهوى/ خُذي بيدي قبلَ أن أغْرقا/ أنا لكِ عبدٌ فكوني كمنْ/ إذا سرّهُ عبدُه أعتقَا .. ولقد كان إسحق الموصليّ =
معجبا بالأبيات الأخيرة، وأنا أشاركه إعجابه، فمنذ قرأتها وأنا أتخيّلُ رجلًا بَطينًا، عريضَ العمامة، طريرَ الشارب، يحضرُ مجلسَ وغناءَ إسحاق =
ثمّ يقفلُ متعبًا إلى دارِه، فينام، ويستيقظ متأخرا، ويمشي إلى السوق، حتى إذا توسّط الطريق إذا به يردد دون وعي: أدُنيايَ من غَمرِ بحرِ الهوى♪!
جاري تحميل الاقتراحات...