عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

36 تغريدة 11 قراءة Apr 12, 2023
هل يمكن أن يغرّدَ عندليبٌ فيسمعهُ رجلٌ بعد ألفيّ سنة؟ قد تبدو الفكرةُ غريبةً بعض الشيء، ولكني أقول: ممكن، وسأحاول أن أقنعَك بذلك. =
قبل ألفيّ سنة؛ جلس الشاعر الروماني هوراتيوس في ضيعته التي تقع على مسافة خمسين كيلومترا شرق روما، وتُعرف الآن بفيلا هوراتيوس Horace's Villa =
وهوراتيوس لمن لم يقرأه من أنبل وأبرع الشعراء، ما إن تفتح كتابَ قصائده Horace's Odes حتى تشعرَ أنَّ صديقا حميما يخاطبك دون تصنعٍ أو كَلَفة =
عاصر هوراتيوس الحرب الأهلية بعد اغتيال يوليوس قيصر، وحارب دفاعًا عن الجمهورية في معركة فيلبي، وعندما هُزم الجيش رمى بترسه وولى هاربا =
ويدور الزمن دورته فيتعرف على فيرجيل وماسيناس ويعرض عليه الأخير أن يكون سكيرتيرًا شخصيًا لأغسطس قيصر (عدو الأمس)، لكنه يرفض حفاظا على حريته =
وها هو يجلس الآن في ضيعته بين أشجار الزيتون وعرائش العنب، بعيدًا عن صخب وفساد روما، ليردَّ على الرسالة التي بعثها ماسيناس يدعوه إلى روما =
ويستحثّه كي يفرغَ من قصائده. يمسك هوراتيوس بالرقعة والدواة، ويهمّ أن يسطرَ شيئًا، فإذا بصوت عندليبٍ يقطعُ أفكارَه، ويبثّ فيه خدرًا لذيذًا =
يسري في أوصاله وكأنه نغبةٌ من نهر النسيان Lethe، ويترجم هوراتيوس صوت العندليب وإحساس الخدر، فيكتب: "أنتَ تؤلمني يا ماسيناس، يا صديقي الطيب =
حين تسألُ بتكرارٍ عن وَهَني، وعن الكسلِ الذي انتشرَ في كلِّ حواسي -وكما لو أنَّ حُنجرتي الغَرثَى أفرغتَ قدحًا مُترعًا من نهر النسيان." =
ثم يمضي يصفُ في إيبودته الرابعة عشر Epode XIV كيف أنَّ الحبَّ أشعل في ضميرِه نارًا أكبر من تلك التي ابتلعت أبراج طروادةَ الشاهقة. =
وبعدَها بعشرات القرون، وكأنَّ السنين نسائمُ تسري بين جناحيّ طائرٍ يقطعُ المسافةَ والزمن، جلسَ شابٌ إنجليزي وبين يديه دفتر أشعار =
هذا الشاب هو الشاعر الإنجليزي جون كيتس، والدفتر الذي بين يديه يضمُّ أغاني وقصائدَ هوراتيوس. جلسَ كيتس تحت شجرة خوج في حديقة هامبستيد =
وحاول أن يدفنَ أحزانَه وخيباتَه العاطفيةَ وضائقَته المالية في دفتر الأشعار، لا بدَّ أنّه كان مفتوحًا على الإيبودة الرابعة عشر! ويسري فجأةً =
صوتٌ في غاية العذوبة، لعندليبٍ كان قد بنى لنفسِه عشّا فوق شجرة الخوخ. يكاد يَسقط الدفتر من يديّ كيتس، وترتفعُ روحه فتكادُ تحلّق وراء الصوت =
ويمتزجُ الصوتُ الذي بالدفتر بالصوتِ أعلى الشجرة، فيخلقان نافورةً من الغناء داخلَ روح الشاعر، ويسري الخدرُ في أطرافه ومعه شيءٌ من العزاء =
ويعود كيتس إلى بيتِه، ليترجمَ ما سمعه إلى واحدةٍ من أبرع القصائد الإنجليزية وأعذبها جَرْسا: قصيدة إلى العندليب Ode to a Nightingale =
كتب كيتس: "قلبي يوجعني، وإحساسٌ بالخَدرِ يؤلمُ حسّي -وكما لو أني تجرّعتُ الشوكرانَ أو أفرغتُ شرابًا مُخدّرًا قبل دقائقَ فغاضَ واستقرّ =
مثلَ نهر النسيان: ليس لأنّك حاقدٌ على رَهطكَ
ولكن لكونك غارقًا وسطَ هنائتكَ، أنتَ يا واهنَ الجناح، يا جنيّ الأشجار، في أجمتكَ الموسيقية =
حيثُ أخشاب الزان، وظِلالٍ ليس تُحصى، فإذا بأغاني الصيف تتدافعُ في حُنجرتِك!" ثم يكمل كيتس قصيدته فيغازل فكرة الموت والفناء ليتحررَ من ألمه =
ويستدرك -وقد أرعبته الفكرة- فيلجأ إلى الشعر وقوة الخيال كي يحلّق وراء أغنية العندليب الأبديّة؛ فيرى أباطرة الرومان ومهرجيهم منصتين إليها =
ويرى رُوث Ruth من العهد القديم، وقد برّح بها الشوق إلى ديارها، فتجري لتتوقف بين أكواع الذرة الأجنبية، وتنصت إلى أغنية العندليب الأبديّة. =
إنّها قصيدةٌ بلغ بها كيتس حدّ الإعجاز من الناحية الموسيقية، فإذا قرأتها على وجهها الصحيح خرجتْ من فمك أنغامًا ونوتاتٍ أكثر منها كلمات! =
بعد ذلك بأكثر من مئة عام، سنة ١٩٦٧تحديدًا؛ جلس محاضرٌ كهل في إحدى قاعات هارفارد، كانت القاعة تغصّ بالحضور، وكان المحاضر ينظر إلى الأعلى =
وكما لو أنه فقدَ بصرَه! نعم، كان المحاضر بورخيس، وكانت تلك المحاضرة الأخيرةَ في سلسلة نورتون التي ستسجل وتصدر لاحقا تحت عنوان "صنعة الشعر" =
نظر بورخيس إلى الأعلى وأخذ يتذكر. عادت بذاكرته إلى الوراء ستين سنة، إلى ذاك المساء في مكتبة والده، لا زال يرى في مخيلته الرفوف المكتظة =
ويتذكر أماكن "ألف ليلة وليلة" و"احتلال البيرو". تذكّر والده، قال: أستطيع أن أراه الآن، وأشار إلى الهواء فرآه البعض. كان والده يقرأُ كلماتٍ =
لا يفهمها خورخي الصغير لكنه يشعرُ بها. كانت قصيدةَ كيتس التي تحدثتُ عنها آنفا: قصيدة إلى العندليب Ode to a Nightingale .. يقول بورخيس: =
"كنت أظن أنني أعرف كل ما يتعلق بالكلمات واللغة، لكن تلك الكلمات تنزّلت عليّ كالكشف! بالطبع لم أفهم. كيف يمكن أن أفهم تلك السطور عن العنادل =
تلك الحيوانات الخالدة لأنها تعيش في الحاضر، أما نحن الفانون فنعيش في الماضي والمستقبل، نتذكرُ زمنا لم نُخلق فيه، ونستشرف مستقبلا نموت قبله =
هذه الأبيات تسللت إليّ عن طريق الموسيقى. لطالما اعتبرتُ اللغةَ طريقةً لقول الأشياء والتعبير عن الرغبات، ولكن عندما سمعت الأبيات علمتُ =
أنّ اللغةَ يمكن أن تكونَ أيضا موسيقىً وعاطفة، وهكذا تكشّف لي الشعر، وعلمت ليلتَها أنّي سأكون بطريقةٍ ما أديبًا." انتهى كلام بورخيس. =
والآن وأنا أقرأ كتاب "صنعة الشعر" أستطيع أن أسمع صوتَ بورخيس، وصوتَ والدِه، وأغنيةَ العندليب في هامبستيد، وأغنيةَ عندليب فيلّا هوراتيوس =
تختلطُ كل هذه الأصوات داخلي، فيسري الخدرُ في جوارحي، وكأني أنا من تجرّع الشوكران، أو نغبَ جرعةً من نهر النسيان Lethe =
لم يكن ذلك ليحدث لولا أنّ الإنسانَ بإمكانه تحويل الموسيقى في الطبيعة إلى موسيقىً في الكلمات، وأن يستعين بقوة التخييل فيرى ما تقترحه =
غرّد عندليبٌ قبل ألفيّ سنة فانتقل غناؤه من لغة العنادل، إلى اللاتينية، فالإنجليزية، فالإسبانية، فالعربية، ليبعث في خاطري نفس الهواجس =
والأشجان التي بعثها في هوراتيوس، ثمّ يأتي من يقول: الشعر لا يُترجم، ولو أصاخَ قليلا لسمع غناءَ بلبلِ هوراتيوس!

جاري تحميل الاقتراحات...