عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

33 تغريدة 1 قراءة Apr 12, 2023
سأتناول تحت هذه التغريدة ضربًا من الرثاء أعدّه من أجمل الشعر وأعذبه، وإن لم تحضرني شواهد كثيرة عليه، ألا وهو الرثاء الغير المباشر للزوجات
تموت الزوجةُ فيَطيشُ عقلُ زوجِها، ويُفقِده المصابُ رباطةَ جأشِه، ويهمُّ أن يرثيَها لولا خشيته أن تتقطعَ روحُه مِزقًا فيُفتضحَ بين نظرائِه =
فيعمدُ إلى ضربٍ ملتوٍ من التعبير، يصف فيه أبناءه كيف فعل بهم الفراق والثُكل؛ يصف وجعَهم (والوجعُ وجعُه)، ويصف دموعَهم (والدموعُ دموعُه) =
وخير مثالٍ على ذلك أبيات الخارجيّ أبي العلاء مالك المزموم، التي لولا أن حفظها لنا أبو تمّامٍ في حماستِه، لضاعت مثل غيرها مع ريح الصحراء =
يقول مالك: أُمررْ على الجَدَثِ الذي حلّت بهِ/ أمُّ العلاءِ فنادها لو تسمعُ/ أنّى حللتِ وكنتِ جِدَّ فَروقةٍ/ بلدًا يمرُّ به الشُّجاع فيفزعُ =
فانظر إلى هذا الأعرابي لا يقوى على زيارة زوجته لعلمه أنه سيخور ويضعف عند قبرها فيوصي بذلك غيرَه، ثم انظر كيف يتذكر أنّ زوجته أم العلاء =
تخشى الأماكنَ المظلمة، فيذوب حنانًا وهو يتخيل فرَقها حين ترقد وحيدةً في ظلمة ووحشة القبر؛ هل قرأت أرقَّ من هذا؟ ثم يصفون الأعرابَ بالغلظة! =
ثمّ يقول: فلقد تركتِ صغيرةً مَرحومةً/ لم تدرِ ما جَزعٌ عليكِ فتجزعُ/ فقدَتْ شمائلَ من لزامِكَ حُلوةً/ فتبيتُ تُسهِرُ أهلَها وتُفجّعُ =
وإذا سمِعتُ أنينَها في ليلِها/ طفِقتْ عليكِ شؤون عيني تدمعُ .. آهٍ ما أرقَّ هذا الشعر! وآهٍ لتلك الصغيرة التي أخالها ابنة سنة أو اثنتين =
لا تدري ما هو الموت، لكنها تفتقد ما عوّدتها أمها من الضمّ والشمّ والتقبيل والملازمة، فتقضي ليلَها ونهارَها تبكي دون أن تعلمَ سببًا لذلك. =
مثالنا الثاني قصيدة محمد بن عبد الملك الزيّات الذي وزر للخليفتين المعتصم والواثق، قالها يرثي "سكرانة" زوجته، وقيل جاريته، وأرجّح أنها كانت =
جاريةً ثمّ تزوجها وأنجبا ابنهما عُمر، وبعد ثمانية أعوام تموت، فينصدع قلب زوجها، ويواريها الثرى، ويرجع ليجدَ ابنَه عُمرَ يبكي وهو نائم =
فيرّقُ له ويقول: ألا من رأى الطفل المفارقَ أُمَّهُ/ بُعيدَ الكرى عيناه تنسكبانِ؟/ رأى كلَّ أمّ وابنها غير أُمّه/ يبيتان تحت الليل ينتجيانِ =
وباتَ وحيدًا في الفراشِ تَجُنُّه/ بلابلُ قلبٍ دائمِ الخَفقانِ .. إنّه مشهد مركّب بارع، وفيه حساسيةٌ مدنية حديثة لا أدري كيف تأتت لرجلٍ عاش =
قبل ألف سنة، فأنا -والحقّ يُقال- لم أقع على مشهدٍ كهذا يصوّر طفلا يرى أقرانَه يلعبون مع أمهاتهم، ثمّ ينام فتُلِمُّ به تلك الرؤى والأخيلة =
لم أقرأ شيئا مثل هذا إلا في أدب القرنين التاسع عشر والعشرين، ولذا فإنّ عجبي لا يتقضى من هذه الأبيات. ثمّ يكملُ ابن الزيات قصيدته =
فيقول: ألا إنَّ سَجْلًا واحدًا إن هَرقْتُهُ/ من الدمعِ أو سَجلينِ قد شفياني/ فهبني أطلتُ الصبرَ عنها لأنّني/ جَليدٌ فمن للصبرِ لابن ثمانِ؟ =
وإياك أن يخدعَك ابن الزياتِ فتقول: ما هذه الغِلظة؟ أسَجلٌ أو اثنان من الدموع ينسيانه زوجَه؟ هو لم يقل ذلك إلا ليكفَّ من غلواء العاذل =
الذي يخبره أنّ البكاء لا يليق بالرجال، فيعتذر إليه قائلا إنَّ جزعَه ودموعَه إنّما هي على ابنه الذي لا يملك جَلَد وصبر أبيه، وعاذله هذا ليس =
إلا وازعًا داخليًا، ورواسبَ من أخلاق الفحولة، ولذا قلت إنَّ هذا الضربَ من الرثاء ملتوٍ وغير مباشر، ولو أردنا الدقّة لقلنا إنَّ ابن الزيات =
سكبَ تسعةَ عشرَ سَجلًا على زوجته؛ عِدّةَ أبيات القصيدة، فهل دموع الشاعر إلا قصائده؟! وأنت حين تفرغ من قراءة هذه الأبيات لا بدّ أن تتساءل =
أهذا ابن الزيّات الذي كان يقول: الرحمةُ خَوَرٌ في الطبيعة وضَعفٌ في المنّة؟ وقد تزداد شططًا فتصدق قصة التنور التي هي أشبه بوضع القُصّاص =
ويكفي أن تلقيَ نظرةً على ديوانه، أو تقرأ ترجمته في الأغاني، أو تقرأ كيف كان يخاطبه الجاحظ ويعابثه في رسالة الجد والهزل ومقدمة الحيوان =
لتكتشفَ أنَّ الرجلَ روحٌ كلُه، وأنه أبعد ما يكون عمّا وضعه عليه القصاص من الفظائع والتهاويل. وجماع الأمر أنّ ابن الزيات كان رجل دولة =
جاء في وقتٍ عظم فيه نفوذ القادة الأتراك، وكثر المال حتى صعب ضبطه، فأخذ على يد كتّاب القادة عندما لاحظ تلاعبهم، وعذبهم حتى استرجع ما أضاعوه =
ولعلّ بعض هؤلاء الكتاب كان يصرخ: الرحمة يا مولاي، فيجيبه ابن الزيّات: الرحمة خورٌ في الطبيعة، إذ أنَّ آلة العدل لا ينبغي إلا أن تكون قاسية =
وعندما نُكب ابن الزيات على يد المتوكل لم يجدوا في داره شيئًا ذا بال، ذهب كل ما استرجعه من أموال إلى خزانة المسلمين، فلله أبوه من رجل دولة! =
لكن ما ظنك برجلٍ نكبَ جماعة من الكتّاب، كسليمان بن وهب وابن الخصيب وابن إسرائيل، ثم مات وبقوا، والأدب والقلم طوع أمرهم، ألن يعبثوا بسيرته؟ =
أرى أني ابتعدتُ كثيرًا عن موضوعي، ومن أراد الإستزادة فعليه بهذا السِفر النفيس لمحمد مظلوم، الذي حاول أن يستقصي كل ما قيل في رثاء الزوجات =
وليقرأ فصل الطُّغرائيّ، صاحب اللامية، فلقد أحبَّ امرأةً شابةً في وقتٍ متأخرٍ من عمرِه وتزوجها، لكنّها ماتت وتركت له طفلا رضيعًا =
فكتبَ فيها مجموعةَ مراثٍ لا تقلّ شأنًا عن لاميته. يقول الطُّغرائي: غُصنانِ مؤتلفانِ أفردَ واحِدًا/ رَيبُ المنيّةِ مِنهمَا فتهصّرا =
ما ضَرّهُ فيما جناهُ عليهما/ لو كان قَدّمَ منهما ما أخّرا/ هيهاتَ أن يبقى الحُطامُ بحالهِ/ من بعدِما هَصَرَ الأغضَّ الأنضّرا. =
أي والله يا فخرَ الكُتّاب! لكأنكَ تنظر إليهم وهم يقتلونك بتهمة الزندقة؛ هيهات أن يبقى الحطام بحالهِ/ من بعدما هَصرَ الأغضَّ الأنضَرا!

جاري تحميل الاقتراحات...