تموت الزوجةُ فيَطيشُ عقلُ زوجِها، ويُفقِده المصابُ رباطةَ جأشِه، ويهمُّ أن يرثيَها لولا خشيته أن تتقطعَ روحُه مِزقًا فيُفتضحَ بين نظرائِه =
فيعمدُ إلى ضربٍ ملتوٍ من التعبير، يصف فيه أبناءه كيف فعل بهم الفراق والثُكل؛ يصف وجعَهم (والوجعُ وجعُه)، ويصف دموعَهم (والدموعُ دموعُه) =
وخير مثالٍ على ذلك أبيات الخارجيّ أبي العلاء مالك المزموم، التي لولا أن حفظها لنا أبو تمّامٍ في حماستِه، لضاعت مثل غيرها مع ريح الصحراء =
يقول مالك: أُمررْ على الجَدَثِ الذي حلّت بهِ/ أمُّ العلاءِ فنادها لو تسمعُ/ أنّى حللتِ وكنتِ جِدَّ فَروقةٍ/ بلدًا يمرُّ به الشُّجاع فيفزعُ =
فانظر إلى هذا الأعرابي لا يقوى على زيارة زوجته لعلمه أنه سيخور ويضعف عند قبرها فيوصي بذلك غيرَه، ثم انظر كيف يتذكر أنّ زوجته أم العلاء =
تخشى الأماكنَ المظلمة، فيذوب حنانًا وهو يتخيل فرَقها حين ترقد وحيدةً في ظلمة ووحشة القبر؛ هل قرأت أرقَّ من هذا؟ ثم يصفون الأعرابَ بالغلظة! =
ثمّ يقول: فلقد تركتِ صغيرةً مَرحومةً/ لم تدرِ ما جَزعٌ عليكِ فتجزعُ/ فقدَتْ شمائلَ من لزامِكَ حُلوةً/ فتبيتُ تُسهِرُ أهلَها وتُفجّعُ =
وإذا سمِعتُ أنينَها في ليلِها/ طفِقتْ عليكِ شؤون عيني تدمعُ .. آهٍ ما أرقَّ هذا الشعر! وآهٍ لتلك الصغيرة التي أخالها ابنة سنة أو اثنتين =
لا تدري ما هو الموت، لكنها تفتقد ما عوّدتها أمها من الضمّ والشمّ والتقبيل والملازمة، فتقضي ليلَها ونهارَها تبكي دون أن تعلمَ سببًا لذلك. =
مثالنا الثاني قصيدة محمد بن عبد الملك الزيّات الذي وزر للخليفتين المعتصم والواثق، قالها يرثي "سكرانة" زوجته، وقيل جاريته، وأرجّح أنها كانت =
جاريةً ثمّ تزوجها وأنجبا ابنهما عُمر، وبعد ثمانية أعوام تموت، فينصدع قلب زوجها، ويواريها الثرى، ويرجع ليجدَ ابنَه عُمرَ يبكي وهو نائم =
فيرّقُ له ويقول: ألا من رأى الطفل المفارقَ أُمَّهُ/ بُعيدَ الكرى عيناه تنسكبانِ؟/ رأى كلَّ أمّ وابنها غير أُمّه/ يبيتان تحت الليل ينتجيانِ =
وباتَ وحيدًا في الفراشِ تَجُنُّه/ بلابلُ قلبٍ دائمِ الخَفقانِ .. إنّه مشهد مركّب بارع، وفيه حساسيةٌ مدنية حديثة لا أدري كيف تأتت لرجلٍ عاش =
قبل ألف سنة، فأنا -والحقّ يُقال- لم أقع على مشهدٍ كهذا يصوّر طفلا يرى أقرانَه يلعبون مع أمهاتهم، ثمّ ينام فتُلِمُّ به تلك الرؤى والأخيلة =
لم أقرأ شيئا مثل هذا إلا في أدب القرنين التاسع عشر والعشرين، ولذا فإنّ عجبي لا يتقضى من هذه الأبيات. ثمّ يكملُ ابن الزيات قصيدته =
فيقول: ألا إنَّ سَجْلًا واحدًا إن هَرقْتُهُ/ من الدمعِ أو سَجلينِ قد شفياني/ فهبني أطلتُ الصبرَ عنها لأنّني/ جَليدٌ فمن للصبرِ لابن ثمانِ؟ =
وإياك أن يخدعَك ابن الزياتِ فتقول: ما هذه الغِلظة؟ أسَجلٌ أو اثنان من الدموع ينسيانه زوجَه؟ هو لم يقل ذلك إلا ليكفَّ من غلواء العاذل =
الذي يخبره أنّ البكاء لا يليق بالرجال، فيعتذر إليه قائلا إنَّ جزعَه ودموعَه إنّما هي على ابنه الذي لا يملك جَلَد وصبر أبيه، وعاذله هذا ليس =
إلا وازعًا داخليًا، ورواسبَ من أخلاق الفحولة، ولذا قلت إنَّ هذا الضربَ من الرثاء ملتوٍ وغير مباشر، ولو أردنا الدقّة لقلنا إنَّ ابن الزيات =
سكبَ تسعةَ عشرَ سَجلًا على زوجته؛ عِدّةَ أبيات القصيدة، فهل دموع الشاعر إلا قصائده؟! وأنت حين تفرغ من قراءة هذه الأبيات لا بدّ أن تتساءل =
أهذا ابن الزيّات الذي كان يقول: الرحمةُ خَوَرٌ في الطبيعة وضَعفٌ في المنّة؟ وقد تزداد شططًا فتصدق قصة التنور التي هي أشبه بوضع القُصّاص =
ويكفي أن تلقيَ نظرةً على ديوانه، أو تقرأ ترجمته في الأغاني، أو تقرأ كيف كان يخاطبه الجاحظ ويعابثه في رسالة الجد والهزل ومقدمة الحيوان =
لتكتشفَ أنَّ الرجلَ روحٌ كلُه، وأنه أبعد ما يكون عمّا وضعه عليه القصاص من الفظائع والتهاويل. وجماع الأمر أنّ ابن الزيات كان رجل دولة =
جاء في وقتٍ عظم فيه نفوذ القادة الأتراك، وكثر المال حتى صعب ضبطه، فأخذ على يد كتّاب القادة عندما لاحظ تلاعبهم، وعذبهم حتى استرجع ما أضاعوه =
ولعلّ بعض هؤلاء الكتاب كان يصرخ: الرحمة يا مولاي، فيجيبه ابن الزيّات: الرحمة خورٌ في الطبيعة، إذ أنَّ آلة العدل لا ينبغي إلا أن تكون قاسية =
وعندما نُكب ابن الزيات على يد المتوكل لم يجدوا في داره شيئًا ذا بال، ذهب كل ما استرجعه من أموال إلى خزانة المسلمين، فلله أبوه من رجل دولة! =
لكن ما ظنك برجلٍ نكبَ جماعة من الكتّاب، كسليمان بن وهب وابن الخصيب وابن إسرائيل، ثم مات وبقوا، والأدب والقلم طوع أمرهم، ألن يعبثوا بسيرته؟ =
وليقرأ فصل الطُّغرائيّ، صاحب اللامية، فلقد أحبَّ امرأةً شابةً في وقتٍ متأخرٍ من عمرِه وتزوجها، لكنّها ماتت وتركت له طفلا رضيعًا =
فكتبَ فيها مجموعةَ مراثٍ لا تقلّ شأنًا عن لاميته. يقول الطُّغرائي: غُصنانِ مؤتلفانِ أفردَ واحِدًا/ رَيبُ المنيّةِ مِنهمَا فتهصّرا =
ما ضَرّهُ فيما جناهُ عليهما/ لو كان قَدّمَ منهما ما أخّرا/ هيهاتَ أن يبقى الحُطامُ بحالهِ/ من بعدِما هَصَرَ الأغضَّ الأنضّرا. =
أي والله يا فخرَ الكُتّاب! لكأنكَ تنظر إليهم وهم يقتلونك بتهمة الزندقة؛ هيهات أن يبقى الحطام بحالهِ/ من بعدما هَصرَ الأغضَّ الأنضَرا!
جاري تحميل الاقتراحات...