عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

43 تغريدة 3 قراءة Apr 12, 2023
سأكتب تحت هذه التغريدة عن واحد من أفضل الآداب العالمية وآثرها إلى قلبي، وإن كان -للأسف- أقلّها شهرة وترجمة إلى العربية؛ إنّه الأدب الهنغاري!
الأدب الهنغاري حديثٌ نسبيًا، لم يبدأ فعليا إلا مع مطلع القرن العشرين، عندما أسس مجموعة من الشباب مجلّةً معنية بالأدب تُدعى: الغرب Nyugat =
كان الشاعران أندريه آدي وميهاي بابيتش من أبرز كتّاب المجلة، ثم انضمّ إليهما مؤلفون بارزون مثل جيولا كرودي وديشو كوستولياني وشاندرو ماراي =
ولأنه لم يسبق لأديبٍ هنغاري أن كتب أدبًا بالمجرية magyar nyelv ، كان الأمر أشبه بالإبحار في مياهٍ غير مطروقة؛ فكل جملة هي مغامرةٌ جديدة =
وكل تشبيه بمثابةِ إنجازٍ شخصيّ. يصف ميهاي بابيتش هذه الحالة البِكر قائلا: لغتنا تتدحرج فوق عجلاتٍ غير مهترئة، إنّها لا تفكر بدلا عن الكاتب =
فلا توجد تلك التعابير والتشبيهات الجاهزة، ولا تلك التنويعات الأسلوبية الدقيقة، التي ينهل منها نظيرنا الفرنسي أو الإنجليزي دون أن يكدح فكره =
وقد يخال المرء أنّ في هذا الكلام بعضا من المبالغة، إلى أن يفتحَ أيّ صفحةٍ لجيولا كرودي -ملك النثر الهنغاري- ليشعر بلذة المغامرة في كل سطر =
وليقرأَ مزيجا من التشبيهات الحُلُمية الغريبة؛ فعندما يطلع الفجر على بطلته إيفلين يخبرنا أنّ الفجر انسكبَ فوق المدينة كحليب المزرعة الطازج =
وعندما تستيقظ إيفيلين لتشاهدَ -مرعوبةً- قبضة َالباب النحاسيّةَ تدور ببطء، يخبرنا أن الأمر تمّ بمهلٍ وكما لو أنّ تابوتا أخذ بالنزول وسط قبر =
وفي قصته "حُلم السندباد" يتلصص بطله الكهل -بعد أن مات وتحوّل برعما- على امرأة ترجلُ شعرَها أمام المرآة، فيقول إنها أشبه بحلمٍ يحلمهُ الثلج =
أستطيع أن أمضي قدَمًا مع هذه التشبيهات إلى ما لا نهاية، لكن عِوض ذلك سأتناول أربعة أعمال هنغارية مميزة أعدّها أفضل نتاج الأدب العالمي =
العمل الأول هو: قُبّرة Skylark ، للشاعر والروائي ديشو كوستولياني، ورغم أنّي أؤمن أن الشعراءَ أسوأُ من يكتبون الرواية، إلا أنّ هذا العملَ =
كان استثناءً، فهو خالٍ مما يتكلّفه الشعراء عادةً من ميلودراما ووصف مملّ، ولأنّ الموضوعَ الذي يعالجه بالغ الحساسية؛ تعامل معه كوستولياني =
بواقعيةِ عالمِ نفسٍ ورقّة شاعر، فكانت النتيجةُ الكمالَ بعينه. تتناول الرواية زوجين مُسنين وابنتهما العزباء، هذه الابنة هي مدارُ حياتِهما =
وحبّة قلبِهما، وقُبّرتهما؛ وها هي الآن مدعوة كي تقضي عطلتَها بعيدا عن والديها المُسنين، وهذا أمر نادر الحدوث، ورغم أنّ المدة أسبوع واحد =
إلا أنّ الوالدين العطوفين لا يكادان يسيطران على نفسيهما قلقا، ويتساءلان كل لحظة: ماذا سيفعلان دون قُبّرتهما؟ يتأمل الوالدان بشغفٍ ابنتهما =
بينما تجلس هي تحت شجرةٍ في انتظار الرحيل، راقباها وهي تقترب نحوهما والبسمةُ الحانيةُ تملأ وجهيهما، إلى أن انبثق وجهها بين الأوراق =
فإذا بالابتسامة تشحبُ شيئا على شفتيهما! عندها فقط نفهم أنّ قُبّرةَ قبيحة؛ هذا هو الموضوع الذي عالجه كوستولياني بمنتهى الحساسية والرقّة =
ثمّ يحكي لنا كيف قضى العجوزان أسبوعهما دون قُبّرة؛ نعم، لقد استمتعا أثناءه غاية الاستماع! فبعد أن كانا مُضطَرين إلى نمطٍ من العيش المنعزل =
كي يحميا قُبّرتهما من النظرات الجارحة، وبعد أن كانا يأكلان أطباق قُبّرة الصحيّة، إذا بهما يغشيان المسرح، وإذا بهما يأكلان أطايب الطعام =
وإذا بهما يتهالكان على الحياة بطريقةٍ لا تملك إلا أن تضحكَ عليهما وترثي لهما. لا أتذكر أنني ضحكتُ كما فعلت وأنا أقرأ بعضَ مغامرات الوالدين =
ثمّ تأتي الصفحات العشر الأخيرة لتقولَ شيئا بالغ الحزن وبالغ الدقة عن الحالة الإنسانية. لقد قرأت تلك الصفحات وأنا أبكي، وهكذا حصل مع أصاحبي =
كنت كلما التقينا أسألهم: هل قرأتموها؟ وعندما يجيبون بالنفي، أضع يدي على صدري، ثم أريهم راحتي وأقول: أترون؟ مرت ثلاثة أشهر وما أزال أنزف! =
العمل الثاني هو جَمُرات Embers كما تُرجم إلى الإنجليزية، أو"اللقاء الأخير" كما تُرجم إلى العربية، للروائي الرائع شاندرو ماراي =
الرواية تحكي لقاء صديقين قديمين، وتكاد تكون بالكامل حوارا؛ فبعد أن يجلس الصديقان إلى بعضهما، وتدور كؤوس العقار برأسهما =
إذا بالمحادثة تنحرفُ نحوَ لقائهما الأخير قبل أربعين سنة، عندما خرجا في رحلة صيد، ونجمَ حادثٌ حطّم حياتهما، وتوفيت بسببه زوجة أحدهما =
وعندها يتحوّل الحوار إلى شيءٍ أشبه بالمبارزة؛ مسألة حياةٍ أو موت. أبرز ما يميز الرواية هو الرتم، هذا الرتم البطئ، دون تسارع أو تباطؤ =
ودون تصاعدٍ أو هبوط، حتى عندما يلقي المتحدثان بمفاجآتهما أثناء الحديث عن الماضي والذكريات. اكتشفتُ قربَ النهاية لماذا سحرني الرتم =
ذلك لأنّه رتم "الحزن"! ليست الروايةُ حزينةً، ولا الكاتب بالحزين؛ لكنّ الأحداثَ تتقدمُ وتتكشفُ بنفس سرعة (أول لنقل: بنفس بطء) الحزن! =
العمل الثالث هو: رحلة تحت ضوء القمر Journey By Moonlight للروائي أنتال سيرب، وهو من الجيل المتأخر لمجلة Nyugat =
قرأت الرواية قبل عامٍ تقريبا، ولسببٍ ما لم أكملها، لكنّ سردها الهادئ الحُلمي ومناخها المشبّع بالترقب والموت لا زالا يلاحقاني =
تتحدث الرواية عن ميهاي وإيرزي، زوجين حديثين قررا قضاء شهر عسلهما في إيطاليا، فإذا بميهاي يفقد نفسه في أزقة البندقية الخلفية، وإذا بذكرياته =
وبأصدقاء الماضي يطاردونه، ليقررَ في لحظة طيشٍ الترجلَ من القطار وترك زوجته وحيدةً، وليبدأ تطوافه خلف خيالاته التي لا تتحرج من مغازلة الموت =
كنتُ أعزو الطابعَ الحُلُمي إلى عنوان الرواية، ثمّ أدركت أنّ ذلك يعود إلى نثرها الشفيف الحالم، والذي يشبهُ حملَكَ آنيةً تخافُ أن تنكسر =
أو دخولكَ غرفةً على أصابعِ قدميك كي لا توقظَ نائما. أثارني أيضا موضوع مغازلة الموت، ولأول مرة أقرأ رواية تعالجه بهذي الطريقة اللي تختلف عن =
طريقة الرومانطقيين، فالرومانطقيون يتعاملون مع الموت بشكلٍ تقديسيّ احتفاليّ، أما هذه الرواية فتعامله بشكل حسيّ إيروتيكي، ولا بدّ أنّ الموت =
ساهمَ في صنع هذا الطابع الحُلُميّ للرواية، أليسَ الموت -بعد كل شيء- نوع من النوم الطويل؟! =
العمل الرابع هو قصص السندباد الهنغاري The Adventures of Sindbad لمؤلفي المفضل جيولا كرودي الذي ذكرته في بداية التغريدات =
وكرودي ظاهرة عجيبة، بدأ بالكتابة مبكرا، وكانت قطعه النثرية تصل الجريدة تباعا، فيظنون أنّ جدّه -الجنرال المتقاعد- هو الذي يكتب هذه القطع =
المشبّعة بالنوستالجيا لماضي الإمبراطورية القريب، وكم كانت مفاجأتهم عظيمة عندما اكتشفوا أنّ صبيا في الرابعة عشرة يقف خلف هذه القطع النثرية! =
يتحدث المترجمون بإكبارٍ عن جمل كرودي الطويلة المفككة، التي قد تحتوي أفعالا ماضيةً ومضارعةً ومستقبلية في نفس الوقت، وكيف يسخّر كرودي ببراعة =
أوشاجا من العاطفةَ والرغبة والذاكرة كي يربط بين هذه الجمل، وكيف تتلاشى هذه الأوشاج بمجرد قراءتها، فلا يبقى في فمك سوى نكهة الحزن والشوق. =
شرعتُ في ترجمة قصص السندباد، ولكي لا يكون كلامي عاما، أضع بين أيديكم هذه القصة التي تعكس أسلوب كرودي أكثر من غيرها adialherbish.blogspot.com

جاري تحميل الاقتراحات...