يرجع عشقه هذا إلى أيام الطفولة، حين كان يقفُ متسمّرًا أمام قفص النمر الآسيوي المخطط ساعاتٍ طوالًا في حديقة الحيوان، وسيكبر لاحقًا ويفقدُ =
معظمَ بصرِه، ولا يبقى سوى ظِلٌ من الصُفرة أو "ذهب النمور" كما كان يطيب له أن يدعوَه. يخبرنا أيضًا أنه كان يقيّم موسوعاتِ والدِه حسبَ جودة =
صُورِها في مادة "نَمِر"، ولقد بقيت تلك الصور مطبوعةً في ذهنه طويلًا؛ هو الذي لا يستطيع أن يتذكر ابتسامةَ امرأةٍ أو جبينِها دون أن يغلط =
ولبورخيس قصة رائعة بعنوان "كتابة الإله" تحكي عن راهبٍ من حضارة الأزتيك، يقع أسيرًا بيد الغزاة الأوربيين، فيحبسونه في زنزانةٍ دائرية سفلية =
ويشاركه زنزانتَه نَمِرٌ ضخم يقعُ على الجانب الآخر من الزنزانة، لا يقدر أن يراه إلا مرةً باليوم حين يفتح السجّانُ القُبةَ كي يُنزلَ الطعام =
يتذكر الراهبُ في حبسه أسطورةً أزتيكية تزعم أنّ الإلهَ في أول أيام الخلق -وقد تنبأ بالدمار والخراب اللذين سيلحقان العالم- كتب جملةً ربانيةً =
من شأنها أن تحمي من يقرأها ويفكّ رموزها. كتب الإله تلك الجملة، وأودعها كونَه، بطريقةٍ تضمن حفظها وانتقالها عبر العصور والأجيال دون أن تمحى =
فكّر الراهب بهذه الأسطورة، واستمدّ منها عزاءً، ثمّ أخذ يكدّ ذهنَه ويمشّطُ ذاكرتَه علّه يقع على الجملة. أين يجدها وبأيّ لغة؟ أتُراها جبلًا؟ =
أو إمبراطوريةً؟ أو ترتيب النجوم؟ لكن كل هذه الأشياء متغيّرة! وشيئًا فشيئًا قادته أفكاره إلى الإيمان بأنّ تلك الجملةَ مكتوبة فوق جلد النمور =
هذه الرقوشُ والنقاطُ والخطوطُ السوداء فوق جلد النمرّ؛ لا بدّ أنها الكتابة الربانية التي انتقلت من عصرٍ إلى آخرَ في انتظارِ من يفكّ شفرَتها =
وهكذا شرعَ الراهبُ يحدّق في جلد النمر كلما فُتحت القبة، وحتى حين يُطبقُ الظلام كان يحاول قراءتها من ذاكرته. تساءل كيف ستكونُ كلماتُ الإله؟ =
فحتى في لغة البشر كل كلمةٍ تحوي فيضًا من المعاني. إنَّ كلمةَ "نَمِرٍ" تحوي في طيّاتها كلَّ النمور التي مشت على الأرض، والغزلان التي أكلتها =
والعشبَ الذي غذّى الغزلان، والأرضَ التي حوته، والسماءَ التي أمطرَته، وهكذا، إلى أن يغرقَ الراهبُ في لعبة اللانهاية تلك، ويتوحّدَ بالكون =
ويرى عجلةً ضخمةً من الماء والنار، ويُكشف له كل شيء، بما في ذلك الكتابةَ فوق جلد النَمر، لكنه يعزف عن قراءتها، إذ أنَّ مصيرَ الراهب المحبوس =
لم يعد يهمه بعد أن غدا والكونَ شيئًا واحدًا! قصة غريبة، لا تخلو من نَفَس صوفيّ وأحادية إسبينوزية، لكن ما يهمنا هو النظرة الجمالية التي رأت =
في رقوشِ النَمِر أثرًا ولغةً لله. يستخدم بورخيس النمورَ في نصوصه الأخرى كمثالٍ على الفصام الجارح بين الكلمة ومعناها، والدال والمدلول =
ويتساءلُ كيف يمكن أن يساوي بين نَمِر الرموز والظِلال الموجود في اللغة، والنَمِر الذي يقطع دروب البنغال وسومطرة تحت الشمس أو القمر الخادع؟ =
سيظل هذا الفصامُ بين نَمِر اللغة ونَمِر الحقيقة مبعثَ ألمٍ لدى بورخيس، إلى أن يأخذه صديقه "كوتيني" في أواخر حياته إلى حديقة حيوان مفتوحة =
فإذا بحيوانه المفضل يلعق وجهه، ويضع براثنَه فوق كتفه. أحسّ بثقلِه وحرارته، ولعلّ عماه وغياب الصورة ساعفاه فساهما في ملء نمر اللغة بالمعنى. =
تكاد القصيدة أن تكونَ أمثولةً عن الإنسان، وتصبُّ في مشروع ريلكه الرامي إلى تعليم النظر من جديد، فهذا الفهدُ المحبوسُ المشلولُ الإرادة =
لا يرى خلف القضبان شيئًا لأنه لا يكاد يتوقف عن دورانِه وعن حركته، وهكذا الإنسان، فالدنيا حبس كبير، وحركته الدائبة نوعٌ من الفرار والدوران =
حول إرادتِه المشلولة، ولو توقف لحظةً، مجردَ لحظة؛ لربما اخترقته تلك الرؤية التي ستقطع به شوطًا نحو الحقيقة، لربما نفذت كالسهمِ إلى قلبه! =
أستطيع أن أرى كافكا يدخل حديقة حيوان براغ ويقف أمام قفص نمر أو فهد أو غوريلا أو قرد، ثمّ يتساءل: ماذا لو أنّ إنسانًا خلف القفص؟ إنها فكرة =
لا تخطر إلا لكافكا؛ لمؤلفٍ حَلُمَ ذات مرة أنه يصحو صرصارًا. والمفزع بالقصة، أنها رغم غرابتها ممكنة الوقوع، بعكس الانمساخ. فها هنا فنان =
يجوّعُ نفسَه ويصومُ عن الطعام كليّا مدّة أربعين يومًا، لا لشيء إلا ليمتعَ جمهور النظارة. ورغم إخلاص فنان الجوع لتقاليد مهنته العريقة =
إلا أنّ الناس لا ينفكون يتهمونه بالغش، وبأنه يقطع صومَه ويتناول الطعام خلسةً عندما يخلو المكان ويذهب الحارس لقضاء حاجته. يستميت فنان الجوع =
في تفنيد ذلك، ويُغنّي أثناء نوم الحارس كي يثبت أنّ فكّه غير مشغولة بالمضغ، لكن عبثا يحاول، فها هو الحارس يسأل كيف أمكنه أن يأكل ويغني معا؟ =
يستميتُ فنان الجوع كي يسمحَ له حارسُه بالصوم مدةً أطول، لكنَّ الأخير يرفض، فهو يعلم أنَّ انتباهَ وحماسَ النَظارة يتلاشى بعد أربعين يوما =
يتجاوز الزمن مهنة فن الجوع شيئا فشيئا، وتذهب موضتها، ويَملُها الناس، ويُترك فنان الجوع دون حارسٍ يراقبه، ويُوضَع قفصه في ممرٍ قرب الإسطبل =
فلا يتوقف عنده إلا الكهول والعجائز، وإن توقف أحد، أجبره قطار الأطفال المتدافعين نحو الإسطبل أن يمضي قدما ليترك فنان الجوع يذوي وحيدا وبصمت =
وفي أحد الأيام، يقوم متعهد السيرك بجولةٍ تفتيشية، ويتساءل عن القفص المتسخ الخالي بقرب الإسطبلات، لماذا لا يُستخدم؟ وعندما يُفتح الباب =
إذا بهم يُراعون بفنان الجوع جلدًا على عظم، إنّه ينزع ويلفظُ أنفاسَه، لقد شرع في صيامه الأبديّ ونسيه الجميع، وعندما مات دفنوه مع كومة قشِّه =
ثمّ وضعوا مكانَه فهدًا أسودَ تقاطر الصبيانُ حولَ قفصِه، واختيرت أجود أنواع اللحم لتغذيته. لم تضايقني قصةٌ لكافكا كما فعلت معي هذه القصة =
أقفلتُ الكتابَ وشرعتُ أتساءل إن كان ما يفعله كافكا وريلكه وبورخيس لا يعدو أن يكون نوعًا من فن الجوع! إنهم يعرضون إخفاقاتهم وهزالهم العاطفي =
أمام جمهور النظارة، الذي بالكاد يحفل بهم، ومع الوقت سوف يمل منهم ويبحث عن حيوانٍ آخرَ. لا بدَّ أنَّ هذه الحقيقة ضربت كافكا في أعماقه =
وهكذا أفهمُ وصيتَه الأخيرة؛ عندما طلب من ماكس برود حرقَ مخطوطاتِه. لم يكن ذلك لأنه غير راضٍ عنها فنيّا كما يقترح بعض النقاد دون بصيرة =
لقد كان يراها قصصا بالغة الخصوصية؛ يعرّي بها نفسَه، ويبوحُ عبرَها بكل مخاوفه وعُقدِه، قصصًا لم يعتد أن يقرأها إلا أمام الصفوة من أصدقائه. =
عندما قرأت "المحاكمةَ" لكافكا قبل شهور، شعرتُ بمزيجٍ من الحَرَج والخُرق، وكما لو أني أتلصص على كافكا في خلوته. ذهبت يومها نحو أصدقائي =
وقلتُ مستنكرًا: لا يجدر أن يكون هذا الشيء بين أيدي الناس! لو كان ماكس برود صديقي للعنته إلى القيامة. لقد كان كافكا يعي قيمة ما كتبه فنيّا =
لذا لم تطاوعه نفسُه على إتلافه، ليس أثناءَ حياتِه، لكنه كان أيضا يعي طابعَه البالغَ الخصوصية، لذا أوكل إلى ماكس برود مهمّة إتلافه بعد موته =
قرر كافكا أن يعتزل فن الجوع على فراش موته، ترى ماذا كان سيفعل لو علم أنّ صديقه عصاه، وأنّ ملايين النظارة -نتيجة ذلك- يتحلقون الآن حول قفصه؟
جاري تحميل الاقتراحات...