عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

46 تغريدة 17 قراءة Apr 12, 2023
هل سبق أن حدّقت في عينيّ حيوان وراء القضبان وتساءلت عن ماذا يفكر؟ في التغريدات القادمة سأذكر كيف تناول كل من بورخيس وريلكه وكافكا هذا المشهد
كان بورخيس مغرمًا بالنمور، كتب عنها كثيرًا في قصائده "النمر الآخر" و"آخر النمور" وقصصه "كتابة الإله" و"نمور الحلم" و"النمور الزرقاء" =
يرجع عشقه هذا إلى أيام الطفولة، حين كان يقفُ متسمّرًا أمام قفص النمر الآسيوي المخطط ساعاتٍ طوالًا في حديقة الحيوان، وسيكبر لاحقًا ويفقدُ =
معظمَ بصرِه، ولا يبقى سوى ظِلٌ من الصُفرة أو "ذهب النمور" كما كان يطيب له أن يدعوَه. يخبرنا أيضًا أنه كان يقيّم موسوعاتِ والدِه حسبَ جودة =
صُورِها في مادة "نَمِر"، ولقد بقيت تلك الصور مطبوعةً في ذهنه طويلًا؛ هو الذي لا يستطيع أن يتذكر ابتسامةَ امرأةٍ أو جبينِها دون أن يغلط =
ولبورخيس قصة رائعة بعنوان "كتابة الإله" تحكي عن راهبٍ من حضارة الأزتيك، يقع أسيرًا بيد الغزاة الأوربيين، فيحبسونه في زنزانةٍ دائرية سفلية =
ويشاركه زنزانتَه نَمِرٌ ضخم يقعُ على الجانب الآخر من الزنزانة، لا يقدر أن يراه إلا مرةً باليوم حين يفتح السجّانُ القُبةَ كي يُنزلَ الطعام =
يتذكر الراهبُ في حبسه أسطورةً أزتيكية تزعم أنّ الإلهَ في أول أيام الخلق -وقد تنبأ بالدمار والخراب اللذين سيلحقان العالم- كتب جملةً ربانيةً =
من شأنها أن تحمي من يقرأها ويفكّ رموزها. كتب الإله تلك الجملة، وأودعها كونَه، بطريقةٍ تضمن حفظها وانتقالها عبر العصور والأجيال دون أن تمحى =
فكّر الراهب بهذه الأسطورة، واستمدّ منها عزاءً، ثمّ أخذ يكدّ ذهنَه ويمشّطُ ذاكرتَه علّه يقع على الجملة. أين يجدها وبأيّ لغة؟ أتُراها جبلًا؟ =
أو إمبراطوريةً؟ أو ترتيب النجوم؟ لكن كل هذه الأشياء متغيّرة! وشيئًا فشيئًا قادته أفكاره إلى الإيمان بأنّ تلك الجملةَ مكتوبة فوق جلد النمور =
هذه الرقوشُ والنقاطُ والخطوطُ السوداء فوق جلد النمرّ؛ لا بدّ أنها الكتابة الربانية التي انتقلت من عصرٍ إلى آخرَ في انتظارِ من يفكّ شفرَتها =
وهكذا شرعَ الراهبُ يحدّق في جلد النمر كلما فُتحت القبة، وحتى حين يُطبقُ الظلام كان يحاول قراءتها من ذاكرته. تساءل كيف ستكونُ كلماتُ الإله؟ =
فحتى في لغة البشر كل كلمةٍ تحوي فيضًا من المعاني. إنَّ كلمةَ "نَمِرٍ" تحوي في طيّاتها كلَّ النمور التي مشت على الأرض، والغزلان التي أكلتها =
والعشبَ الذي غذّى الغزلان، والأرضَ التي حوته، والسماءَ التي أمطرَته، وهكذا، إلى أن يغرقَ الراهبُ في لعبة اللانهاية تلك، ويتوحّدَ بالكون =
ويرى عجلةً ضخمةً من الماء والنار، ويُكشف له كل شيء، بما في ذلك الكتابةَ فوق جلد النَمر، لكنه يعزف عن قراءتها، إذ أنَّ مصيرَ الراهب المحبوس =
لم يعد يهمه بعد أن غدا والكونَ شيئًا واحدًا! قصة غريبة، لا تخلو من نَفَس صوفيّ وأحادية إسبينوزية، لكن ما يهمنا هو النظرة الجمالية التي رأت =
في رقوشِ النَمِر أثرًا ولغةً لله. يستخدم بورخيس النمورَ في نصوصه الأخرى كمثالٍ على الفصام الجارح بين الكلمة ومعناها، والدال والمدلول =
ويتساءلُ كيف يمكن أن يساوي بين نَمِر الرموز والظِلال الموجود في اللغة، والنَمِر الذي يقطع دروب البنغال وسومطرة تحت الشمس أو القمر الخادع؟ =
سيظل هذا الفصامُ بين نَمِر اللغة ونَمِر الحقيقة مبعثَ ألمٍ لدى بورخيس، إلى أن يأخذه صديقه "كوتيني" في أواخر حياته إلى حديقة حيوان مفتوحة =
فإذا بحيوانه المفضل يلعق وجهه، ويضع براثنَه فوق كتفه. أحسّ بثقلِه وحرارته، ولعلّ عماه وغياب الصورة ساعفاه فساهما في ملء نمر اللغة بالمعنى. =
مثالنا الثاني هو ريلكه وقصيدته الذائعة "الفهد" التي تصفُ فهدًا أسودَ في حديقةِ باريس، رآه يذرعُ أرض قفصِه، ويدور برشاقةٍ حولَ نفسِه =
تكاد القصيدة أن تكونَ أمثولةً عن الإنسان، وتصبُّ في مشروع ريلكه الرامي إلى تعليم النظر من جديد، فهذا الفهدُ المحبوسُ المشلولُ الإرادة =
لا يرى خلف القضبان شيئًا لأنه لا يكاد يتوقف عن دورانِه وعن حركته، وهكذا الإنسان، فالدنيا حبس كبير، وحركته الدائبة نوعٌ من الفرار والدوران =
حول إرادتِه المشلولة، ولو توقف لحظةً، مجردَ لحظة؛ لربما اخترقته تلك الرؤية التي ستقطع به شوطًا نحو الحقيقة، لربما نفذت كالسهمِ إلى قلبه! =
المثال الثالث هو كافكا وقصته الغريبة المربكة "فنان الجوع"، هذه المرة لا يوجد حيوان خلف القضبان، وإنما إنسان؛ محترفٌ يجوّع نفسه أمام النظارة=
أستطيع أن أرى كافكا يدخل حديقة حيوان براغ ويقف أمام قفص نمر أو فهد أو غوريلا أو قرد، ثمّ يتساءل: ماذا لو أنّ إنسانًا خلف القفص؟ إنها فكرة =
لا تخطر إلا لكافكا؛ لمؤلفٍ حَلُمَ ذات مرة أنه يصحو صرصارًا. والمفزع بالقصة، أنها رغم غرابتها ممكنة الوقوع، بعكس الانمساخ. فها هنا فنان =
يجوّعُ نفسَه ويصومُ عن الطعام كليّا مدّة أربعين يومًا، لا لشيء إلا ليمتعَ جمهور النظارة. ورغم إخلاص فنان الجوع لتقاليد مهنته العريقة =
إلا أنّ الناس لا ينفكون يتهمونه بالغش، وبأنه يقطع صومَه ويتناول الطعام خلسةً عندما يخلو المكان ويذهب الحارس لقضاء حاجته. يستميت فنان الجوع =
في تفنيد ذلك، ويُغنّي أثناء نوم الحارس كي يثبت أنّ فكّه غير مشغولة بالمضغ، لكن عبثا يحاول، فها هو الحارس يسأل كيف أمكنه أن يأكل ويغني معا؟ =
يستميتُ فنان الجوع كي يسمحَ له حارسُه بالصوم مدةً أطول، لكنَّ الأخير يرفض، فهو يعلم أنَّ انتباهَ وحماسَ النَظارة يتلاشى بعد أربعين يوما =
يتجاوز الزمن مهنة فن الجوع شيئا فشيئا، وتذهب موضتها، ويَملُها الناس، ويُترك فنان الجوع دون حارسٍ يراقبه، ويُوضَع قفصه في ممرٍ قرب الإسطبل =
فلا يتوقف عنده إلا الكهول والعجائز، وإن توقف أحد، أجبره قطار الأطفال المتدافعين نحو الإسطبل أن يمضي قدما ليترك فنان الجوع يذوي وحيدا وبصمت =
وفي أحد الأيام، يقوم متعهد السيرك بجولةٍ تفتيشية، ويتساءل عن القفص المتسخ الخالي بقرب الإسطبلات، لماذا لا يُستخدم؟ وعندما يُفتح الباب =
إذا بهم يُراعون بفنان الجوع جلدًا على عظم، إنّه ينزع ويلفظُ أنفاسَه، لقد شرع في صيامه الأبديّ ونسيه الجميع، وعندما مات دفنوه مع كومة قشِّه =
ثمّ وضعوا مكانَه فهدًا أسودَ تقاطر الصبيانُ حولَ قفصِه، واختيرت أجود أنواع اللحم لتغذيته. لم تضايقني قصةٌ لكافكا كما فعلت معي هذه القصة =
أقفلتُ الكتابَ وشرعتُ أتساءل إن كان ما يفعله كافكا وريلكه وبورخيس لا يعدو أن يكون نوعًا من فن الجوع! إنهم يعرضون إخفاقاتهم وهزالهم العاطفي =
أمام جمهور النظارة، الذي بالكاد يحفل بهم، ومع الوقت سوف يمل منهم ويبحث عن حيوانٍ آخرَ. لا بدَّ أنَّ هذه الحقيقة ضربت كافكا في أعماقه =
وهكذا أفهمُ وصيتَه الأخيرة؛ عندما طلب من ماكس برود حرقَ مخطوطاتِه. لم يكن ذلك لأنه غير راضٍ عنها فنيّا كما يقترح بعض النقاد دون بصيرة =
لقد كان يراها قصصا بالغة الخصوصية؛ يعرّي بها نفسَه، ويبوحُ عبرَها بكل مخاوفه وعُقدِه، قصصًا لم يعتد أن يقرأها إلا أمام الصفوة من أصدقائه. =
عندما قرأت "المحاكمةَ" لكافكا قبل شهور، شعرتُ بمزيجٍ من الحَرَج والخُرق، وكما لو أني أتلصص على كافكا في خلوته. ذهبت يومها نحو أصدقائي =
وقلتُ مستنكرًا: لا يجدر أن يكون هذا الشيء بين أيدي الناس! لو كان ماكس برود صديقي للعنته إلى القيامة. لقد كان كافكا يعي قيمة ما كتبه فنيّا =
لذا لم تطاوعه نفسُه على إتلافه، ليس أثناءَ حياتِه، لكنه كان أيضا يعي طابعَه البالغَ الخصوصية، لذا أوكل إلى ماكس برود مهمّة إتلافه بعد موته =
قرر كافكا أن يعتزل فن الجوع على فراش موته، ترى ماذا كان سيفعل لو علم أنّ صديقه عصاه، وأنّ ملايين النظارة -نتيجة ذلك- يتحلقون الآن حول قفصه؟

جاري تحميل الاقتراحات...