تبدأ القصة في البندقية -مدينة الرؤى الشاحبة كما يسميها بو- عندما شقّت صرخة أمٍ ثكلى سكون الليل، ليتّضح أنَّ ابنها الصغير سقط في ماء القناة =
ولم تكن تلك الأم المفجوعة أيَّ أم؛ إنها المركيزة مينتوني، من يتضاءل جمالُ الحسناوات أمامها، لقد وقفت مفجوعةً مكروبة، تحدّق عاجزة في الماء =
ولمّا أعيتها الحيل، صوّبت نظرَها جهة سجن الجمهورية القديم، وكأنها تبحث عن أحدِهم، وما هي إلا لحظات حتى قفز رجل ممشوق القامة، نبيل الهيئة =
ليخرجَ من صفحة الماء ومعه فلذةُ كبدها، وعندها خُيّل للراوي أنها همست لمنقذ ابنها: "لقد انتصرت! لقاؤنا بعد مطلع الشمس بساعة، فليكن ذلك." =
يزور راوي القصة الرجل الغريب في حجرته، فإذا بها تضمّ نوادر التحف والتماثيل والرياش، إنها الصومعة المناسبة لأحلام هذا الرجل الجامح الخيالات =
وعندما تدقّ الساعة الواحدة بعد طلوع الشمس، يرنو الغريب نحو قصر الماركيزة ويتمثل: "انتظريني هناك، لن أخفق أبدا، في لقائك وسط الدغل الموحش." =
تنتهي القصة بتصاعد النواح من قصر الماركيزة، ونفهم أنها قضت بعد احتسائها السمّ، وعندما يحاول الراوي إيقاظَ مضيفه من غفوته إذا به جثة هامدة =
أكثر ما أثارني في القصة هو النظرة الجديدة للموت، فليس فَنَاءً، ولا شيئا بعيدًا، إنّه "هناك"، ذلك الدغل الموحش، حيث تُضرب مواعيد اللقاء! =
ولي مع أفلام النوار قصة أخرى لعلّي أحكيها في غير هذا الموضع. الفيلم مقتبس من رواية لا تقلّ جودةً، بقلم الأمريكية فيرا كاسباري =
تبدأ الرواية -والفيلم أيضا- على لسان والدو لايدكر، كاتب العمود الصحفي الكهل، وأشدّ أصدقاء لورا افتتانًا بها، يخبرنا عن الجريمة البشعة =
التي لحقت بصديقته وملهمته لورا، وكيف تمّ العثورُ على جُثمانِها مُشوّها ملقىً في شقّتها لا تكادُ تُعرفُ ملامحُه، ثمّ نلتقي بالمحقق =
مارك ماكفيرسون، الذي يستجوب أصدقاء لورا، وخطيبها، وخادمتها، فنرى ونسمع عن لورا في لقطات "الفلاش باك"، ونكوّن لها صورةً مثاليةً في أذهاننا =
ثمّ يقصدُ المحقّق شقّةَ لورا، فيقفُ ذاهلًا أمام البورتريه المعلّق لها، ويفتّش أغراضها، وخزانة ملابسها، ويقرأ مذكراتها، كل ذلك على وقع =
الثيمة الموسيقية التي أبدع ديفيد رسكين تأليفها، والتي أضافت إلى الفيلم طابعه ومناخه الحُلُمي، ويتبيّن لايدكر العجوز ملامح الافتتان في سحنة =
المحقّق، فيسأله مستنكرا: "تُرى؛ هل وقعتَ في غرام الجُثّة؟ هذا أمر لم نسمع به!" أتذكر كيف حدثتُ نفسي وأنا أشاهد المحقّقَ يغفو تحت البورتريه =
قلتُ لنفسي إنني لن أشاهد مثل هذا الفيلم غرابةً وعُمقًا سيكولوجيا، ولكن -وكعادة أفلام النوار الموبؤة بالمنعطفات الدرامية وبالمفاجاءت- =
يفيقُ المحقق من غفوته على صوت شخصٍ يعالج قفلَ الباب، وعندما يفُتح الباب، إذا بها لورا حية تُرزق، ليتّضحَ أنّ الجثمان يعود إلى فتاةٍ أخرى =
آهٍ كم كانت خيبتي عظيمةً عندما تغيّر موضوع الفيلم! ولا بدَّ أنَّ خيبة المشاهدين كانت أعظم وهم يشاهدون جين تيرني (لورا) تخطرُ في شقّتها =
وقد زايلَها كلُّ ما أسبغهُ عليها الخيالُ المحمومُ من سحرٍ؛ لقد نزلت من عالم المثال إلى الأرض! لستُ معنيًا ببقية الفيلم، لكني بقيتُ أتساءل =
إن كان بالإمكان أن يُفتَتن المرءُ ويُوَّله بشخصٍ لم يره، شخصٍ على الضفّة الأخرى من خليج الموت، بقيت أتساءل إن كان الوجود المادي شرطا للحب؟ =
وكعادتي حين تلحُّ بي الأسئلةُ والخيالاتُ المحمومة؛ بدأتْ هذه الأفكار تنمو شيئًا فشيئًا في رأسي إلى أن تحوّلت إلى قصّة مكتملة =
ولكن، ويا للمفارقة -والمفارقةُ أداة يحب القصاصون استعمالها- يصل العراقيّ مدينة الرسول في الوقت الخطأ، فلقد قام رجال الوالي جعفر بن سليمان =
بالقبض على الإمام مالكٍ وحبسِه، بعد أن سُعيَ به إلى الخليفة المنصور، وأُشيع أنّه لا يرى بيعةً لبني العباس، وهكذا يجدُ طالبُ العلمِ نفسَه =
يتسكعُ في الأزّقة وفي ملكه الكثير من الوقت، ويصادفُ يوم وصوله أن تُقام صلاة الجنازة على قينةٍ تحسنُ الغناء -وكان الغناء شائعا في المدينة- =
وعندما يفرغ طالبُنا من صلاته، يسمع ترحمًا على جمالِ القينة، ويخبره أحدهم كيف أنَّ الحُمى اقتلعتها في عزِّ صباها، وكأنَّ ذلك لم يشبع فضوله =
فإذا به يتسقّط أخبارَها وما يُحكى عنها، ويسعى في مقابلة الرجل الذي طبّبها في أيامِها الأخيرة، وهكذا يفعل مع معارفها من المغنين والقيان =
وشيئًا فشيئًا يبدأ غرامُها بالنموّ في قلبِه، وتبدأ صحّته تتدهور، صار يقطعُ الأزقة كالنائمِ بحثًا عن أثرٍ أو عبقِ رائحةٍ لها قبل زواله =
ويتهامس الناس عن هذه الحالة الشاذة، فيسعى الرجلُ الذي نزل طالبُنا عندَه فيجمعه بثُلّةٍ من الفقهاء وطلاب الإمام علّهم يردعونه عن غيّه =
يعنّف طلبة العلم عاشقَنا على عشقه الغريبِ الشاذ، ويأخذون عليه تعلّقه بأمور الدنيا، فيدور جدال بين عاشقنا والفقهاء -وهذا أفضل أجزاء القصة- =
يخلصُ فيه عاشقُنا إلى أنَّ حبَّه هو أكبرُ دليلٍ على الأبدية والدار الباقية، فبينما تخامر فكرةُ الفناءِ الجاهليةِ إيمانَهم باليوم الآخر =
ينظر هو إلى الموتِ كخيطٍ رفيعٍ، وحبيبتُه في الضفة الأخرى، وليس عليه إلا أن يمُدَّ ذراعَه كي يصلَ إليها، ألا يجدر به أن يحبَّها إذن؟! =
هذه أمثلةٌ ثلاثة لعشاقٍ حالمين يغازلون فكرة الموت، يجمع بينهم الطبعُ الحالم والمكان الذي اتخذوه كي يعتزلوا ويشيّدَوا خيالاتِهم المحمومة =
ولقد تجاهلتُ عمدًا حالاتِ حبِنا لمن أفقدنا إياهم الموتُ لأنّها أمثلةٌ واضحة، تتعامل مع الذاكرة، بينما أمثلتي معنيةٌ بالخيال المَرَضيّ =
وسواءً أكان الحبُّ مَرَضيّا أم طبيعيًا، لا يسعنا إلا أن نوافقَ على أهميته كجدليّةٍ تنافح عن الأبدية، كجدليةٍ قد لا تكون الأكثرَ إقناعا =
لكنها -على الأقلّ- الأطول بقاءً والأشدّ استعصاءً على الفناء! (انتهى)
جاري تحميل الاقتراحات...