عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

30 تغريدة 2 قراءة Apr 12, 2023
في التغريدات القادمة؛ سأتحدث عن علاقة الشاعر القديم بالحيوان، وكيف كان يجيد لغة الوحش، ويتحدث إلى دابته، ويتخذها أكثر الأحيان نجيّا وخليلاً
وهي مهارة فقدناها في عصرنا هذا، ولا غرو؛ إذ أننا محاطون بجيوش من الأصواتِ والضوضاء، أصبحنا لا نحسن التوقف ولا الإنصات، وإن فعلنا لا نعقل =
بعكس الشاعر القديم، الذي ما إن يستقلّ ناقته، ويستقبل الصحراء بصدره، حتى تتخطفه الهواجس والأفكار، فلا يجد بدّا من البوح لناقته بقرارة نفسه =
هذا هو الشماميطُ الغَطَفاني -وقد اشتّدت عليه الهاجرةُ- ينيخُ راحلته، ويركنُ إلى ظلّها، ويسند ظهره عليها، ويُسلمُ فكرَه نَهباً لريح الصحراء =
إلّا أنّ ناقته تبدأ بالإرزام والحنين، فتهيج شوقَه، وتذكّره بحنينِه، وتطوفُ به وجوه من فارقهم، فيشتد جزعه، ويشتم ناقتَه، ويدعو عليها بالجوع =
والهزال حتى لا يبقى مخٌّ في عظم قدمها -وهو آخر الأشياء ذهابا عند الجوع الشديد- يقول الشماميط الغطفاني: أرارَ اللهُ مُخَّكِ في السُّلامى/ =
على مَنْ بالحَنينِ تُشَوِّقينا/ فإِنّي مِثلُ ما تَجِدينَ وَجدي/ وَلكِنّي أُسِرُّ وتُعلِنينا/ وَبِي مثلُ الذي بكِ غيرَ أنّي/ =
أُجَلُّ عنِ العِقالِ وتُعقَلينا، وقد يقول بعض من لا يفهم كلام العرب وطرائق تعبيرهم: ما بال هذا الأعرابيّ القاسي يدعو على ناقته؟ أهكذا تكون =
العشرة ويكون الجزاء؟ ويكفي للردِّ على هذا أن يتذكّرَ السائلُ كيف أنّ بعضَ أمهاتنا -إذا عثر الطفلُ- يشتمنه ثم يهرعنَ إليه لرفعه وضمِّه =
وهذا هو الأحيمر السعديّ؛ كان لصا فاتكا من بادية الشام، أتى العراق وقطع الطريق، وطلبه أمير البصرة سليمان بن عليّ ففاته وأوغل في الصحراء =
وعندما أظلّه الليل وصرعه التعب، إذا بعواء ذئبٍ يشقّ هدأة الليل -والناس تتحرز وتُذعر عند سماع الذئب- فما كان منه إلا أن نزل وازداد اطمئنانا =
فصوت الذئب يعني أنّ الموضع َموحشٌ خلوٌ من الناس، وصاحبنا يحاذر الناسَ لا الذئاب. يقول الأحيمر: عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عَوَى =
وصوّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ/ يرى الله إنّي للأنيس لكارهٌ/ وتبغضهم لي مقلةٌ وضميرُ/ فلليلِ إن وارانيَ الليلُ حكمه/ وللشمس إن غابت عليَّ نذورُ =
فانظر كيف استمدّ هذا الفاتكُ أمنَه وطمأنينَته من عواء الذئب، ثمّ انظر كيف تخيّر لفظة "الاستئناس" وخصّ بها الذئب، فإذا به يستوحش من الناس =
ويستأنسُ بالوحش، وهو أمرٌ يحصل عندما يخرج الإنسان عن الأعراف والقوانين البشرية، فإذا بأحواله كلّها تنقلب رأساً على عقب =
وهذا الأمير الحمداني أبو فراس يقع أسيرا في بلاد الروم، تفصله مئات الأميال عن وطنه، يرى حمامةً تهدلُ بصوتٍ شجيّ فيهيجه صوتها =
ويخاطبها في واحدةٍ من أجمل قصائده الروميّة: أقولُ وقد ناحتْ بقربي حمامةٌ/ أيا جارتا هل تشعرينَ بحالي؟/ معاذَ الهوى ما ذقت طارقةَ النوى/ =
ولا خطرت منكِ الهموم ببالِ/ أيضحك مأسور وتبكي طليقةٌ/ ويسكت محزون ويندب سالِ؟/ لقد كنتُ أولى منكِ بالدمع مقلةً/ ولكنّ دمعي في الحوادث غالِ =
ولقد لبثت ردحا من الزمان، كلما قرأت هذه القصيدة يتراءى لي أبا فراسٍ محبوساً في زنزانته، ينظر إلى الحمامة خلف القضبان، إلى أن قرأت في سيرته =
أنّ ملك الروم -الذي كان يحاذر أن يعنفَ سيف الدولة بأقاربه المأسورين في حلب- أسكن أبا فراس قصرا كبيرا على البحر، وخصص له خادما يقوم بأمره =
فلكَ أن تتخيّل غيظي وحنقي -أنا المحسوب ضمن حزب أبي الطيب- من هذا الأمير الذي ملأ الدنيا بكاءً ونواحاً وهو يقطن "دار البلاط الإمبراطوري" =
لكن -إن أردنا الحق - وبعيداً عن الهزل- يحقّ لأبي فراس أن يدبّج كل هذه الروميات والبكائيات؛ فالقيد يبقى قيدا حتى وإن كان من الذهب =
وهديل الحمام المتأرجح بين الغناء والبكاء، والفرح والحزن، من أكثر الأصوات استدعاءً ومساءلةً في الشعر العربي، وأبرع من أدى هذا المعنى =
حكيم المعرّة، حيث قال: أبكت تلكمُ الحمامة أم غنّتْ على فرعِ غصنها الميّادِ؟ ولعلّ عماه ساعده على التقاط هذا المعنى الصوتيّ الدقيق =
ولقد وهمت أنّ المعريّ ابتكر هذا المعنى ولم يُسبق إليه، حتى قرأت لشاعر العربية الأكبر أبي تمام -أحبّ الشعراء إلي قلبي- أبياتا غاية في الحسن =
يقول أبو تمام: أتحدّرتْ عبراتُ عينِكَ أنْ دَعتْ/ ورقاءُ حين تضعضعَ الإظلامُ/ لا تشجينَّ لها فإنّ بكاءَها/ ضَحِكٌ وإنّ بكاءكَ استغرامُ =
ولقد أراكَ، فهل أراكَ بغبطةٍ/ والعيشُ غضٌّ، والزمانُ غُلامُ/ ثمّ انقضتْ تلكَ السنونُ وأهلُها/ فكأنّها، وكأنّهم أحلامُ ! =
بربّك هل قرأت شيئاً أحلى من هذه الأبيات وأكثر رواءً؟ انظر إلى هذا الليل الذي يتضعضع حتى يسقط كالبناية، ثمّ انظر إلى هذه الحمامة التي =
تحسبها تبكي وهي تضحك! ثمّ انظر إلى هذا الزمان الذي ما زال في ميعة شبابه! ثمّ انظر كيف ينهي كل شيء فإذا بالسنين والأبيات تتلاشى كالأحلام! =
ذهبتَ بالشعر يا أبا تمّام! ولنا مع الأستاذ -أبي تمام- وقفة أخرى بإذن الله.

جاري تحميل الاقتراحات...