وهي مهارة فقدناها في عصرنا هذا، ولا غرو؛ إذ أننا محاطون بجيوش من الأصواتِ والضوضاء، أصبحنا لا نحسن التوقف ولا الإنصات، وإن فعلنا لا نعقل =
بعكس الشاعر القديم، الذي ما إن يستقلّ ناقته، ويستقبل الصحراء بصدره، حتى تتخطفه الهواجس والأفكار، فلا يجد بدّا من البوح لناقته بقرارة نفسه =
إلّا أنّ ناقته تبدأ بالإرزام والحنين، فتهيج شوقَه، وتذكّره بحنينِه، وتطوفُ به وجوه من فارقهم، فيشتد جزعه، ويشتم ناقتَه، ويدعو عليها بالجوع =
والهزال حتى لا يبقى مخٌّ في عظم قدمها -وهو آخر الأشياء ذهابا عند الجوع الشديد- يقول الشماميط الغطفاني: أرارَ اللهُ مُخَّكِ في السُّلامى/ =
على مَنْ بالحَنينِ تُشَوِّقينا/ فإِنّي مِثلُ ما تَجِدينَ وَجدي/ وَلكِنّي أُسِرُّ وتُعلِنينا/ وَبِي مثلُ الذي بكِ غيرَ أنّي/ =
أُجَلُّ عنِ العِقالِ وتُعقَلينا، وقد يقول بعض من لا يفهم كلام العرب وطرائق تعبيرهم: ما بال هذا الأعرابيّ القاسي يدعو على ناقته؟ أهكذا تكون =
العشرة ويكون الجزاء؟ ويكفي للردِّ على هذا أن يتذكّرَ السائلُ كيف أنّ بعضَ أمهاتنا -إذا عثر الطفلُ- يشتمنه ثم يهرعنَ إليه لرفعه وضمِّه =
وعندما أظلّه الليل وصرعه التعب، إذا بعواء ذئبٍ يشقّ هدأة الليل -والناس تتحرز وتُذعر عند سماع الذئب- فما كان منه إلا أن نزل وازداد اطمئنانا =
فصوت الذئب يعني أنّ الموضع َموحشٌ خلوٌ من الناس، وصاحبنا يحاذر الناسَ لا الذئاب. يقول الأحيمر: عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عَوَى =
وصوّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ/ يرى الله إنّي للأنيس لكارهٌ/ وتبغضهم لي مقلةٌ وضميرُ/ فلليلِ إن وارانيَ الليلُ حكمه/ وللشمس إن غابت عليَّ نذورُ =
فانظر كيف استمدّ هذا الفاتكُ أمنَه وطمأنينَته من عواء الذئب، ثمّ انظر كيف تخيّر لفظة "الاستئناس" وخصّ بها الذئب، فإذا به يستوحش من الناس =
ويستأنسُ بالوحش، وهو أمرٌ يحصل عندما يخرج الإنسان عن الأعراف والقوانين البشرية، فإذا بأحواله كلّها تنقلب رأساً على عقب =
ويخاطبها في واحدةٍ من أجمل قصائده الروميّة: أقولُ وقد ناحتْ بقربي حمامةٌ/ أيا جارتا هل تشعرينَ بحالي؟/ معاذَ الهوى ما ذقت طارقةَ النوى/ =
ولا خطرت منكِ الهموم ببالِ/ أيضحك مأسور وتبكي طليقةٌ/ ويسكت محزون ويندب سالِ؟/ لقد كنتُ أولى منكِ بالدمع مقلةً/ ولكنّ دمعي في الحوادث غالِ =
ولقد لبثت ردحا من الزمان، كلما قرأت هذه القصيدة يتراءى لي أبا فراسٍ محبوساً في زنزانته، ينظر إلى الحمامة خلف القضبان، إلى أن قرأت في سيرته =
أنّ ملك الروم -الذي كان يحاذر أن يعنفَ سيف الدولة بأقاربه المأسورين في حلب- أسكن أبا فراس قصرا كبيرا على البحر، وخصص له خادما يقوم بأمره =
فلكَ أن تتخيّل غيظي وحنقي -أنا المحسوب ضمن حزب أبي الطيب- من هذا الأمير الذي ملأ الدنيا بكاءً ونواحاً وهو يقطن "دار البلاط الإمبراطوري" =
لكن -إن أردنا الحق - وبعيداً عن الهزل- يحقّ لأبي فراس أن يدبّج كل هذه الروميات والبكائيات؛ فالقيد يبقى قيدا حتى وإن كان من الذهب =
وهديل الحمام المتأرجح بين الغناء والبكاء، والفرح والحزن، من أكثر الأصوات استدعاءً ومساءلةً في الشعر العربي، وأبرع من أدى هذا المعنى =
حكيم المعرّة، حيث قال: أبكت تلكمُ الحمامة أم غنّتْ على فرعِ غصنها الميّادِ؟ ولعلّ عماه ساعده على التقاط هذا المعنى الصوتيّ الدقيق =
ولقد وهمت أنّ المعريّ ابتكر هذا المعنى ولم يُسبق إليه، حتى قرأت لشاعر العربية الأكبر أبي تمام -أحبّ الشعراء إلي قلبي- أبياتا غاية في الحسن =
يقول أبو تمام: أتحدّرتْ عبراتُ عينِكَ أنْ دَعتْ/ ورقاءُ حين تضعضعَ الإظلامُ/ لا تشجينَّ لها فإنّ بكاءَها/ ضَحِكٌ وإنّ بكاءكَ استغرامُ =
ولقد أراكَ، فهل أراكَ بغبطةٍ/ والعيشُ غضٌّ، والزمانُ غُلامُ/ ثمّ انقضتْ تلكَ السنونُ وأهلُها/ فكأنّها، وكأنّهم أحلامُ ! =
بربّك هل قرأت شيئاً أحلى من هذه الأبيات وأكثر رواءً؟ انظر إلى هذا الليل الذي يتضعضع حتى يسقط كالبناية، ثمّ انظر إلى هذه الحمامة التي =
تحسبها تبكي وهي تضحك! ثمّ انظر إلى هذا الزمان الذي ما زال في ميعة شبابه! ثمّ انظر كيف ينهي كل شيء فإذا بالسنين والأبيات تتلاشى كالأحلام! =
ذهبتَ بالشعر يا أبا تمّام! ولنا مع الأستاذ -أبي تمام- وقفة أخرى بإذن الله.
جاري تحميل الاقتراحات...