عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

27 تغريدة 3 قراءة Apr 12, 2023
سأتحدث تحت هذه التغريدة عن مقالٍ بديع للألماني هاينريش فون كلايست يمزج فيه بين القصّ والتأمل الفلسفي، عنوانه: "مسرح الدمى المتحركة"
كتب كلايست ذات مرة في إحدى رسائله: كل حركة أولية وغير واعية جميلة، وكل شيء يفهم نفسه ملتوٍ ومشوّه. آه أيها العقل! أيها العقل البائس!
يمكن أن نعدَّ الاقتباس أعلاه زبدةَ المقال، والذي يعالج بمهارةٍ ثيماتٍ مهمةً كالجلال والجمال والوعي والمعرفة، كل ذلك في قالب قصصي بديع =
يبدأ المقال على لسان الراوي -الذي قد يكون كلايست نفسه- فيخبرنا أنه كان يتسكع ذات مساء في الحديقة العمومية في شتاء ١٨٠٨ عندما بصر بالسيد ك. =
اختير السيد ك. هذا حديثا كي يشغل منصب رئيس الراقصين في دار الأوبرا، ولقد رآه الراوي أكثر من مرة يقف متسمّرا أمام مسرح الدمى ليراقبها =
أثار الراوي معه هذه المسألة، فأجاب الراقص بأنّ الدمى تمده بلذة منقطعة النظير، وأنّ أيّ راقص يسعى إلى تجويد صنعته لن يعدم شيئا يتعلمه منها =
ثمّ شرع يتحدث عن الميكانيزم وراءها، وكيف أنّ محرّكها لا يحتاج إلى شدّ كل خيطٍ وإصبعٍ على حدة؛ وكيف أنَّ كل حركة لها مركز جاذبيةٍ خاص بها =
يكفي أن تحرّك المركز -حيث جوف الدمية- كي تتبع الأعضاء وكأنها محض بندولات؛ إنها حركة بسيطة مستقيمة للمركز، وستبدأ الأعضاءُ باقتراحِ منحنيات =
إنّ لهذه الحركة من الجلال ما يتعذرُ على أي راقصٍ أن يتكلفه، فحركة البشر يعتورها التصنع، ذلك أنّ روح الراقص تقع خارج مركز جاذبية الحركة =
هنا أعطى الراقص أمثلةً على ما يعتور الحركة البشرية من التكلف والصنعة، فها هي الراقصة التي أدت دور دافني -منذ أيام- وهي تهرب من أبولو =
لقد كانت روحها في الفقرات السفلى لعنقها حتى لتكاد تنقصم! وهذا الراقص الذي أدى دور باريس يهب التفاحة إلهات الجمال، ألم تكن روحه في مفصله؟ =
لقد فقد البشر الجلالَ لأنّهم أكلوا من شجرة المعرفة، وأصبح وعيهم بذاتهم يعتور جميع حركاتهم، وأوصدت الجنة دونهم، ووقف الملاك رصدا عليها =
هنا ذكر الراوي -وقد بدأ يحزر غرض محدّثه- قصة الفتى السبّاح الذي كان من معارفه، كانت حركاته تتسمُ بالجلال، ولمّا يتسلل الغرور بعدُ إلى قلبه =
إلى أن رأى نفسه ذات يوم على المرآة وهو يرفع قدمه، فاستدعى المنظر إلى ذهنه تمثالاً كان قد رآه في المتحف لشابٍ ينزع شوكةً من قدمه =
ابتسم الفتى لنفسه، وجذب انتباه محدّثه إلى ذاك الشبه، لكنه حين أراد أن يعيد وضعيته السابقة إذا بالخرق والتصنع يعتوران حركته مرة بعد مرة =
اجتاح التغير منذ ذلك اليوم كيان الفتى؛ صار يُمضي ساعاتٍ طوالا أمام المرآة، وفقد كل ما تميزت به حركاته من جلالٍ حتى لم يبقَ منها شيء =
أنهى الراوي قصته، فهزّ الراقص رأسه وقال إنه سيحكي قصةً مختلفة لن يفهم محدثه علاقتها بالأولى إلى أن يصل النهاية؛ لقد سافر ذات مرة إلى روسيا =
وهناك خاض لعبة المبارزة مع ابن مضيفه فنزع سيفه، فما كان من الأخير إلا أن قاده إلى مخزن الحطب خلف المنزل قائلا إنه سيجعله يقابل ندّا حقيقيا =
فإذا به يُراع بدبٍ ضخم يقف على ساقيه الخلفيتين مزمجرا، لم يصدق عينيه لأول وهلة، لكنه حين بدأ بالطعان كان الدب يصدّ الضربات تباعا دون خطأ =
والأعجب أنّ الدبَّ لم يكن يحرّك ساكناً حين يخادعه ويتحرك وكما لو أنه يهمّ يتسديد طعنات مزيفة. لقد خيّل إليه أنّ الدبّ ينظر إلى روحه مباشرة =
فيميز الحركة الحقيقية من المزيفة. ختم الراقص قائلا: في هذا العالم العضوي كلما خفّ التفكير والتأمل والاستبطان انبثق الجلال أكثر سطوعا وغلبة =
لكنّ الأمر كالخط المستقيم الذين حين يتقاطع مع آخر في نقطة يختفي في اللانهاية لينبثق من الجهة الأخرى، أو كصورتنا حين تهوي في لانهاية المرآة =
لتظهر ثانية على سطحها، وهكذا الجلال؛ بعد أن قطع اللانهاية، يرجع إلينا مرةً أخرى، ويظهر نقيّاً بذاك الشكل الجسدي الذي ليس لديه وعي ألبتة =
أو أنّ له من الوعيّ مالا نهاية له؛ الدمية أو الإله. سأل الراوي: معنى ذلك أنه يتوجب علينا أن نأكل ثانيةً من شجرة المعرفة كي نسترجع البراءة؟ =
فأجاب الراقص: "بالطبع؛ وسيكون ذلك الفصل الأخير في التاريخ البشريّ." كان الكاتب النمساوي هوجو فون هوفمانسثال معجبا جدا بهذه القطعة =
ولقد كتب مقرّضا: لم يسبق لكاتب إنجليزي أو فرنسي أو إيطالي -منذ ذاك العهد الذي كان أفلاطون يكتب فيه أساطيره الخاصة- أن أنتج قطعة فلسفية =
تلمع بالعبقرية والسحر، مثل قطعة كلايست عن الماريونات (انتهى)

جاري تحميل الاقتراحات...