عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

7 تغريدة 26 قراءة Apr 12, 2023
تحت هذه التغريدة سأتحدث عن قصيدة إدغار آلان بو الشهيرة: "الغراب"، وسأضع ترجمتي لها، وأبيّن لماذا استعصت هذه القصيدة على المترجمين العرب
من يطالع قصصَ وقصائدَ إدغار آلان بو يعلم أنَّ هناك موضوعاً واحداً يستحوذ عليه ويكاد يكون موضوعه الرئيس، ألا وهو: موت امرأة جميلة =
ورغم أنّ بو كتبَ مقالا طريفا بعنوان: "فلسفة التأليف" يثبت فيه بطريقة شبه منطقية أنَّ موت امرأة جميلة هو أجدر المواضيع بالمعالجة الجمالية =
إلّا أنَّ المطّلعَ على حياته يعلم أنَّ هذا الاختيار لم يأتِ عرَضاً، ولا بطريقة منطقية كما يريد أن يوهمنا، وإنما نتيجة تجاربَ شخصيةٍ مريرة =
كان بو مفجّعاً بفقد أعزّ النساء في حياته؛ فقدَ أمَه التي كانت ممثلة مسرح فقيرة مُعدمة هجرها زوجها وماتت بالسلّ وطفلها بو لا يتجاوز السنتين =
ثمّ فقد أمه بالتبنيّ التي رعته كابنٍ لها، فقدها وهو في المدرسة العسكرية ولمّا يتجاوز العشرين ربيعا، فتبرأ منه والده بالتبني وحرمه من الإرث =
أما الثالثة -والأعزّ لديه- فلقد كانت زوجته وابنة عمته فيرجينيا، نشأ معها وكأنها أخت، وتزوجها وهي في الثالثة عشرة، وعاش معها أجمل سنيّ عمره =
وذات يوم بينما كانت تعزف على البيانو إذا بها تكحُّ دماً؛ ذلك اللون القرمزي الذي سرقَ أمه قبل ذلك (أبدع في وصفه في قصته: قناع الموت الأحمر) =
وهكذا أصبح هذا الموضوع -موت امرأة جميلة- ثيمة أساسية عالجها في قصائده: الغراب، وأنابيل لي، وأولالوم، وقصصه: ليجيا، وبيرنيس، وسقوط منزل آشر =
قصيدته "الغراب" واحدة من أشهر القصائد الإنجليزية، تمتاز بجَرْسها الرنّان، وأجوائها الدرامية، وتعالج ذات الثيمة التي تحدثنا عنها آنفاً =
تصوّر القصيدة طالب علمٍ يعتزل في غرفة درسه، ويعكف على أسفارِه وكتبِه كي ينسى زوجته المتوفاة "ليونور"؛ بينما العاصفة تزمجرُ في الخارج =
يتناهى إلى طالبِ العلم صوتٌ من الخارج، وعندما يدفع الباب لا يجد شيئا، فيعزو الصوت إلى العاصفة، لكنّ الصوت يتكرر، فيفتح الدرفة =
وعندها يدلفُ غرابٌ بالغ السواد، ويحطُّ على تمثال بالاس أثينا -إلهة العلم- فوق باب الغرفة، فيثير الموقف دهشة طالب العلم، فيجلس أمام الغراب =
ويشرع بتأمله والحديث إليه، وعندما يسأله عن اسمه ينعق الغراب بصوتٍ يتكررُ على طول القصيدة ويصلحُ جوابا على أيّ سؤال: نيفرمور (ليس بعد الآن) =
يُصاب طالب العلم بالحنق بسبب جواب الغراب الذي يشبه الوعظ، وتأخذه خيالاته، فيتذكر أنّ الكرسيَّ الذي يجلس عليه يخصُّ زوجته الراحلة لينور =
فيسأل الغراب -رغم أنه يعلم كيف سيجيبه- إن كان بإمكانه نسيان لينور فينعق الغراب: ليس بعد الآن، ويسأله إن كان سيلقاها في الجنة، فينعق أيضا: =
ليس بعد الآن، ويكون هذا الجواب قاصمة الظهر بالنسبة للطالب، فينهر الغراب، ويطلب منه أن يرحل ويتركه، لكنه يبقى جاثما لا يتزحزح عن التمثال =
في مقاله "فلسفة التأليف" يشرح بو أنَّ الغرابَ يرمز للذكرى الباكية التي لا تنتهي، ويكون جثومه فوق تمثال إلهة العلم جثوما للذكرى وسط العقل =
ورغم أنَّ بو لا يبغض شيئاً بغضه الرمز في الأدب، إلا أنّك لا تملك إلا أن تصفق لهذا الرمز البارع للذكرى التي تجثم فوق العقل ولا تغادره أبداً =
صاغ بو كلَّ ذلك في بنية موسيقية بديعة وتتكون كل "ستانزا" من ستة أسطر، ويتكون السطر من مصراعين يتناظران أحيانا كدرفتي نافذة، وكلماتٍ مقفيّة =
يراوح فيها نغمه بين اسم الفقيدة "ليونور" وجواب الغراب: "نيفرمور"، ولأنّ هذا الجواب الأخير يستحيل أن يُترجم إلى كلمة عربيةٍ واحدةٍ مكافئة =
أصبحت ترجمة "الغراب" إلى العربية أمراً أشبهَ بالمستحيل، حاوله يوسف الخال، وكميل قيصر داغر، وغيرهما، فلم يغنوا شيئاً. قمتُ بترجمة القصيدة =
قبل خمس سنوات، وأعدتُ تنقيحها هذه الأيام، وحرصت أن أنقل نفس المبنى الموسيقى للقصيدة من الإنجليزية إلى العربية، وأزعم أني وُفقت كثيراً =
حرص أكثر من ممثلٍ على إلقاء القصيدة وتأديتها بطريقةٍ تُبرز نغمها الباهر وأجواءها الدرامية، أفضل هؤلاء: كريستوفر لي وفينسينت برايس =
ها هنا قصيدة "الغراب" بصوت الممثل كريستوفر لي، لا يمكنني سماعها دون أن أصابَ بقشعريرةٍ تسري في كامل صُلبي youtube.com
والآن سأضعُ ترجمتي لقصيدة "الغراب" إلى العربية في ست تغريدات، مشفوعةً برسومات غوستاف دوري الأكثر من رائعة ..

جاري تحميل الاقتراحات...