نزع القتاد
نزع القتاد

@nz3qtd

134 تغريدة 288 قراءة Nov 05, 2019
مسألة "خلق القرآن" لها حضور قوي في الصراع العقائدي كأحد أهم محددات الهداية والضلال بين المتصارعين، ولا تزال حاضرة في وقتنا المعاصر..
(1)
ويحدث كثيراً الخلط بين مسألة "خلق القرآن" كمسألة علمية وبين محنة "خلق القرآن" التي بدأت عام 218هـ في عهد المأمون وانتهت في عهد المتوكل..
(2)
فبحث المسألة علمياً أقدم من ذلك ويعود إلى العهد الأموي بينما المحنة هي استغلال لمسألة دينية في صراع سياسي بين المأمون وتيار أهل الحديث..
(3)
ولهذا فإن رؤوس نظّار المعتزلة كالعلاّف والجعفرين والنظام ونحوهم لم يشاركوا في المحنة رغم مشاركتهم العلمية في المسألة ومعاصرتهم للأحداث..
(4)
أما مشاركة ابن أبي دؤاد فإنها جاءت من حيث كونه موظفاً حكومياً وهو لا يضاهى بالمذكورين من حيث تمثيل موقف المعتزلة الرسمي من المحنة..
(5)
فالمعتزلة يولون قيمة كبرى للجدل العلمي لقولهم ببطلان التقليد وتعظيمهم للنظر العقلي بخلاف خصومهم ممن يوجب التقليد ويبرر استخدام القوة..
(6)
ويحكى أن الواثق سأل ابن أبي دؤاد عن سبب عدم توليته المعتزلة للقضاء فأجابه بأنهم يرفضون وأن جعفر بن مبشر وهو من رؤوسهم سلّ السيف في وجهه!
(7)
بينما كانت المشاركة القويّة في المحنة من نصيب الجهميّة الجبريّة كأبي عيسى برغوث وبشر المريسي وأمثالهم وهؤلاء من خصوم المعتزلة القدريّة!
(8)
وهذا الخلط يكشف المستوى العلمي للكثيرين من سلفيّة وأشعريّة ممن يجعل محنة "خلق القرآن" قضية معتزليّة بسبب خلطهم بين الجهميّة والمعتزلة!
(9)
وللإنصاف فإن احتكام الجهميّة للسلطة السياسية في المحنة كان قد سبقه احتكام أهل الحديث لسلطة الغوغاء ضد الجهميّة بفتاوى التكفير والقتل..
(10)
فقد أفتى يزيد بن هارون -وهو من كبار أهل الحديث توفي قبل المحنة- بكفر واستحلال دم بشر المريسي وقال "لقد حرضت أهل بغداد على قتله جهدي!"
(11)
ومن رأى الصورة كاملة لم تخدعه بكائيّات أهل الحديث حول محنة "خلق القرآن" وهم الذين سبقوا بفتاوى التكفير وسفك الدماء فارتدّت عليهم!
(12)
فإذا أزحنا جانباً المظلوميّة التي وقعت باستغلال المسألة لتصفية الحسابات السياسيّة، فمن كان المصيب (علمياً)؛ ابن أبي دؤاد أم ابن حنبل!؟
(13)
وقبل أن أشرع بتقييم البحث العلمي بين ابن أبي دؤاد وابن حنبل، سأقدم بمقدمات سريعة يتبين منها حقيقة الهالة العلمية التي أحيطت بابن حنبل!
(14)
المقدمة الأولى: مدى معرفة أحمد بن حنبل بمقالات الفرق المخالفة.
أرسل إلى "مسدد بن مسرهد" رسالة يبين له فيها مقالات الفرق فأتى بالعجائب..
(15)
قال ابن حنبل:"أجمعت المعتزلة أن من سرق حبة فهو كافر تبين منه امرأته ويستأنف الحج إن كان يحج"
وهذا خلاف مذهبهم في المنزلة بين المنزلتين!
(16)
فما ينقل ابن حنبل عليه "إجماع المعتزلة!!"، يرى المعتزلة أنه خلاف المعلوم ضرورة من دين الأمة!..
(17)
ثانياً: خلط ابن حنبل بين الجهميّة الجبريّة وبين المعتزلة القدريّة.. (تسميته أبا عيسى برغوث الجهمي المرجئي وأصحابه معتزلة!!)
(18)
و لا يزال هذا الخلط بين الفرقتين المتعاندتين عقدياً مستمراً في تراث الحنابلة.. ومن ذلك تكرار نسبتهم "بشراً المريسي" للمعتزلة!
(19)
يمكننا البدء بمناقشة مسألة "خلق القرآن" علمياً، بعيداً عن المؤثرات السياسيّة للمحنة، ليتبين مراد المعتزلة منها وفهم أهل الحديث لها..
(20)
أولاً: ماذا أراد المعتزلة أن يقولوا بتقريرهم مسألة "خلق القرآن".
ولكي نفهم مرادهم لا بدّ أن نعرف معنى لفظة "خلق" ولفظة "قرآن" عندهم..
(21)
الخلق عند المعتزلة هو الإحداث بتقدير، فالإحداث بلا تقدير ليس خلقاً، والتقدير بلا إحداث ليس خلقاً. والله يتنزّه عن الإحداث بلا تقدير!
(22)
والقرآن هو هذا التأليف المنظوم من حروف وأصوات المتلو المسموع المشتمل على الأوامر والنواهي والأخبار.. وهو محدث بتقدير مطابق لمراد الله..
(23)
بمعنى أوضح.. القرآن عند المعتزلة مفعول، أي ناتج وأثر من آثار فعل التكلّم، وهو كلام الله أي أن الله تكلّم به، والمتكلّم هو فاعل الكلام.
(24)
فالقرآن إذن ليس هو صفة أو فعل التكلّم!.. بل هو أثر من أثار فعل التكلّم، كما أن التوراة والإنجيل والزبور كذلك نواتج وآثار لفعل التكلّم..
(25)
والمعتزلة عندهم كلّ فعل لله هو (إحداث بتقدير = خلق)، يحدثه الله مطابقاً لمراده من المصالح للعباد.. فالقرآن مخلوق بهذا المعنى.
(26)
والكلام (فعل التكلّم) عند المعتزلة (صفة فعليّة) وليس (صفة ذاتيّة)، إذ لا يدلّ على صفة ذاتيّة معقولة غير (القدرة والعلم والإرادة).
(27)
ثانياً: كيف فهم أهل الحديث وخصوصاً أحمد بن حنبل مسألة "خلق القرآن".
إجمالاً: فهموا أن معنى كون القرآن مخلوقاً أي هو كائن حي له إرادة!!
(28)
ولهذا ورد عنهم أعاجيب من الردود والإلزامات؛ منها: أن القرآن إذا كان مخلوقاً فهو معرّض للموت!.. وطاغوت يقول "إنني أنا الله... فاعبدني!"
(29)
ولشدّة سطحيّة وسخافة هذه الأفهام سأتجاوزها إلى أهم نقطة ارتكز عليها أحمد بن حنبل في ردّ القول بخلق القرآن؛ وهي مسألة العلم الإلهي.
(30)
أحمد بن حنبل يقول عن نفسه أنه لم يكن يكفّر القائلين بخلق القرآن حتى انتبه إلى آيات من القرآن استفاد منها أن القرآن هو علم من علم الله!
(31)
فتصوّر المسألة عند ابن حنبل هكذا:
- القرآن علم من علم الله.
- علم الله صفته الذاتيّة.
= فإذا كان القرآن مخلوقاً فصفة العلم لله مخلوقة!
(32)
قال أحمد بن حنبل: "القرآن علم الله فمن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر"!!..
(33)
هل يحتاج الأمر إلى ذكاء خارق لكي نفهم الخلل في كلام ابن حنبل حيث طابق بين القرآن (المتكلّم به) الذي هو أثر فعل التكلّم، وبين صفة العلم!
(34)
وهذا التقرير الواضح من ابن حنبل بارتكازه على نقطة صفة العلم الإلهي، تعضد صحة ما رواه الجاحظ المعتزلي من خبر مناظرته مع ابن أبي دؤاد..
(35)
ابن أبي دؤاد في ردّه على ابن حنبل يوضّح له سطحيّة تأصيله! فالله قادر على أن ينسخ آيات من القرآن ويأتي بغيره الخ وهذا يستحيل على العلم!
(36)
وتسمية الله للقرآن علماً وقوله أنزله بعلمه ليس لأنه هو عين صفة العلم!!، بل لأنه مظهر علم الله بما فيه من حكم التشريع وأخبار الغيب الخ!
(37)
وهكذا سائر أفعال الله تعالى فإنها دالة بما انطوت عليه من اتقان وحكمة على قادر عالم مريد.. وهكذا كلام الله! سواء سميته مخلوقاً أم لا!
(38)
وعلى كل حال فإن مخاوف أحمد بن حنبل من القول بخلق القرآن أن يستلزم مخلوقية العلم الإلهي، فالمعتزلة من أبعد الناس عنها لسبب مهم..
(39)
وذلك لأن المعتزلة بخلاف خصومهم يثبتون الصفات لله تعالى على وجه الاستحقاق لذاته لا لعلل غير ذاته سواء قديمة أو محدثة، فالله عالم لذاته!
(40)
وقد روى حنبل بن اسحاق في كتابه حول المحنة أن مناظري ابن حنبل من الجهمية التزم بعضهم بمخلوقية العلم الإلهي! مما يؤكد أنهم ليسوا معتزلة!
(41)
وهذا المذهب "حدوث العلم الإلهي" لا يُعرف عن أحد سوى هشام بن الحكم الرافضي وكان رأساً في التجسيم، وقد نسب إلى جهم بن صفوان نسبة فيها شك!
(42)
فإذا صدقت روايات الحنابلة عن التزام الجهميّة الذين ناظروا ابن حنبل بحدوث العلم الإلهي!، فقد ترجح مصداقية نسبة هذا المذهب إلى رأسهم جهم!
(43)
وحينئذ ربما يكون المعتزلة وابن حنبل على وفاق في حيثية واحدة تخص هذا الموضوع وهو تكفير المعتقدين لحدوث علم الله تعالى!!..
(44)
ومن المهم إدراك أن الآراء العقلية المتقدمة لمتكلمة الأشعرية بعد زمن ابن حنبل وكذلك ابن تيمية جاءت كترقيعات عقلية لآراء سلف أهل الحديث!
(45)
مثل قول الأشعرية بالكلام النفسي وقول ابن تيمية بقدم النوع وحدوث آحاد الكلام، للخروج من معضلة إنكار بدهية حدوث القرآن الذي هو حرف وصوت!
(46)
أما آراء سلف أهل الحديث في زمن ابن حنبل وقبله فها هي مسطورة في مصنفات مثل شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي وخلق أفعال العباد للبخاري!
(47)
وباستعراض هذه الآراء سينكشف مدى سطحيّة أفهام هؤلاء الذين أحاطهم أتباعهم المتعصبون بهالات علميّة مبالغاً فيها لتبرير مواقفهم المتشنجة!
(48)
وهذه أمثلة على أفهام أهل الحديث لمعنى "القرآن مخلوق":
-إذا كان القرآن مخلوقاً فما يحتوي عليه من أسماء الله فهي مخلوقة، إذن الله مخلوق!!
(49)
وقال بعضهم:
-إذا كان القرآن مخلوقاً فهو يموت!!
- وهو طاغوت لأنه يقول "إنني أنا الله"!!
يعني يفهمون من "خلق القرآن" أنه شخص حي مريد!
(50)
ولم يكتف سلف أهل الحديث بذلك حتى حكوا رؤى منامية سألوا فيها النبي ص فكفّر القائلين بخلق القرآن، بينما إبليس يثني على القائلين بهذا!
(51)
منامات وجن والقرآن يموت!! .. في معركة سلف أهل الحديث ضد القول بخلق القرآن ..
(52)
بالتأكيد صدم المعتزلة بهذا السيل من الأفهام السطحيّة الساذجة واستقبلوها بالاستخفاف بعقول أهلها ومع ذلك تكلفوا الرد عليها بردود جدليّة..
(53)
أتذكر عندما كنت أقرأ في كتب العقائد السلفية قبل معرفتي بكتب المعتزلة مررت بهذه السخافة!! فخطرت ببالي (الكعبة!) فهي مخلوقة فهل ستموت!
(54)
قال المعتزلة لمن احتج بموت القرآن؛ إن الموت خصيصة للحي بحياة محدثة، ومعنى خلق القرآن هو كونه مقدّراً كان بعد أن لم يكن! لا أنه شخص حي!
(55)
والسخافة الأخرى قول سلف أهل الحديث القرآن فيه أسماء الله فإذا كان مخلوقاً فالله إذن مخلوق!!.. ومن قال الاسم غير المسمى فهو زنديق!..
(56)
وردّ المعتزلة هذه السخافة ببداهة أن الاسم مؤلف من حروف!! تسمع وتكتب ويدلّ على المسمّى لا أنه عينه وإلا لأحرقت النار لسان ذاكرها!!
(57)
والأذكياء المعظمون لسلف أهل الحديث بعد زمن ابن حنبل لم يمكنهم إنكار هذه البدهيّة، فلجؤوا لمخارج مناسبة اختلفت بين الأشعرية وابن تيمية..
(58)
@doncoralione
وبلغة عصرية؛ يفرقون بين الأنساق (patterns) والتصميم (design)..
@doncoralione
فالأنساق قد تقع من محدث غير مريد كنحت الرياح، بينما التصميم كنحت تمثال على أساس تصميم مسبق (خريطة) يدل على مصمم عالم مريد الخ
أدرك بعض الأذكياء من المنتمين لأهل الحديث أن إنكار بدهية حدوث القرآن الذي هو حرف وصوت وكلمات متعاقبة ..الخ معضلة وأمر غير معقول ..
(59)
فنشأ ما يعرف بمتكلمة أهل السنة الذين استخدموا أدوات الجدل العقلي للدفاع عن عقيدة سلفهم من أهل الحديث، فاجتهدوا لايجاد مخارج مناسبة..
(60)
من أهم سمات دفاع متكلمة أهل السنة عن سلفهم؛ حمل كلامهم على محامل أخرى تخرجهم من معضلة إنكار البدهيات، وهذا ما فعله الأشعرية وابن تيمية!
(61)
أما الأشعرية فإنهم أمام بدهية حدوث الحرف والصوت وإنكار سلفهم من أهل الحديث لحدوث القرآن، حملوا كلام سلفهم على ما سموه بالكلام النفسي!
(62)
ومعنى ذلك عند الأشعريّة أن سلف أهل الحديث كابن حنبل؛ إنما أرادوا بالقرآن الذي نفوا حدوثه صفة ذاتية لله ليست حرفا وصوتا هي (كلام نفسي).
(63)
ورغم هذا التكلّف لايجاد مخرج يسعف بانقاذ سلف أهل الحديث من سقطة إنكار البدهيات.. فإن فريقا من أهل الحديث وهم الحنبلية رفضوا ذلك بشدة..
(64)
ومن أهل الحديث أبو نصر السجزي ألّف رسالة "الرد على من أنكر الحرف والصوت" ألمح فيها إلى تكفير الأشعرية لأجل قولهم بالكلام النفسي!..
(65)
أما المعتزلة فإنهم ردوا على الأشعريّة بردود قد تصيب السلفيين بصدمة إذ فيها تقرير المعتزلة بكفر من أنكر أن القرآن المسموع هو كلام الله!
(66)
فرغم حقيقة أن المعتزلة يكفرون من أنكر أن القرآن كلام الله، يسمع السلفيون من شيوخهم ليل نهار أن المعتزلة ينكرون أن القرآن كلام الله!
(67)
ومن المضحكات أن أحد الدكاترة السلفيين!.. في دراسة له عن أبي بكر الجصّاص نفى عنه أن يكون معتزلياً لأمور منها: أنه يقول القرآن كلام الله!
(68)
لم ينجح الحل الأشعري (الكلام النفسي) في حل معضلة إنكار سلف أهل الحديث لبدهية حدوث الحرف والصوت، فهل كان حل ابن تيمية أحسن حظاً!؟
(69)
الحل التيمي ملخصه أن نوع الفعل الإلهي قديم وآحاده حادثه، فكلام الله من حيث نوعه قديم ومن حيث آحاده من الكلام المعين كالقرآن فهو حادث..
(70)
قاعدة ابن تيمية في الفعل الإلهي، قال :"ومنهم من يقول هو يقع بمشيئته وقدرته شيئا فشيئا لكنه لم يزل متصفا به فهو حادث الآحاد قديم النوع".
(71)
وهذا رأي عبقري من ابن تيمية لولا تعسفه في جعله مذهباً لسلف أهل الحديث ونصوصهم المنقولة عنهم تأبى ذلك، ولكن هذ الرأي أثار عليه الأشعرية.
(72)
يرى ابن تيمية أن سلف أهل الحديث كابن حنبل وغيره إنما أرادوا نفي حدوث نوع الكلام، ولم يريدوا إثبات أن الكلام المعين كالقرآن قديم!
(73)
يرى ابن تيمية أن المخلوق هو المنفصل البائن عن الذات الإلهية الحادث في ذات غيره، بينما الحادث غير المخلوق يحدث في ذاته غير منفصل عنها!
(74)
وبغض النظر عن تكلّف ابن تيمية في جعل تحقيقه في هذه المسألة مذهباً لسلف أهل الحديث، فإن هذا الرأي أثار عليه المخالفين فكفروه من جهتين..
(75)
يرى الأشعريّة وغيرهم أن رأي ابن تيمية هذا كفر من قائله من جهتين:
1- أنه جعل ذات الله تعالى محلا للحوادث.
2- استلزامه القول بقدم العالم.
(76)
أما المعتزلة فإنهم لم يناقشوا كلام ابن تيمية لانقراضهم في زمنه إلا بقية من زيدية اليمن بلغهم بعض كلامه دون تفاصيله فظنوه معتزلياً..!!
(77)
ويتبين مما سبق أن متكلمة أهل السنة من الأشعرية والحنبلية أتوا بتحقيقات عقليّة للدفاع عن سلفهم فانتهى أمرهم للخلاف وتكفير بعضهم بعضاً..
(78)
وجدير بالذكر أن من أهل الحديث والحنبلية السابقين على ابن تيمية ومن أتوا بعده خالفوا قوله بـ(حوادث لا أول لها، والذات الإلهية محل لها)..
(79)
فابن تيمية نفسه يذكر عن شيوخ الحنبليّة القاضي أبي يعلي الحنبلي وابن الزاغوني وغيرهما نقل اتفاق الأمة على امتناع قيام الحوادث بذات الله!
(80)
ونقل ابن تيمية عن أبي يعلى الحنبلي قوله بامتناع حوادث لا أول لها، وهو قول كل من أثبت أول مخلوق سواء العرش أو القلم كالشيخ الألباني.
(81)
ويرى الشيخ السلفي المعاصر المحقق والشارح لكتب ابن تيمية (محمد خليل هراس) أن ابن تيمية قد تابع الكرامية في مسألة قيام الحوادث بذات الله!
(82)
والذي ورّط ابن تيمية بهذا القول قاعدة يتفق عليها أهل السنة أشعرية وحنبلية خلافاً للمعتزلة في باب خلق أفعال العباد؛ قاعدة اشتقاق الصفة!
(83)
قاعدة اشتقاق الصفة عند الأشعرية والحنبلية: أن الموصوف يستحق صفته لقيام مبدئها بذاته، فالعالم من قام به العلم والمتكلم من قام به الكلام!
(84)
وليس بين الأشعرية والحنبلية خلاف في المبدأ إذا كان صفة ذاتية كالعلم والقدرة، ولكن اختلفوا في الفعل بسبب مسألة قيام الحوادث بذات الله!
(85)
فالأشعرية لنفيهم قيام الحوادث بذات الله اخترعوا صفة ذاتية ليست حرفا وصوتا سموها "كلاما نفسيا" تكون مبدأ اشتقاق اسم "متكلم" لله ..
(86)
والحنبلية (التيمية) لتجويزهم قيام الحوادث بذات الله قالوا بقيام الكلام الحادث (الحرف والصوت) بذات الله ليكون مبدءاً لاسم "متكلم" لله!
(87)
وعند المعتزلة فالله مستحق لصفاته الذاتية لذاته لا لعلل وجودية قائمة بذاته! كما يعتقد خصومهم، ولصفاته الفعلية لصدور أفعاله عنه بالإرادة.
(88)
يعتقد المعتزلة أن الله مستحق لاسم (متكلم) لصدور فعل التكلم عنه تعالى، والتكلم هو ايجاد الكلام (الحرف والصوت) في محل كالهواء ونحوه..
(89)
والعجب من مغالطة ابن تيمية تبعاً لسلف أهل الحديث في قولهم أن أوليّة وجود الحرف والصوت في الشجرة مثلاً يقتضي أن الشجرة هي المتكلمة!!
(90)
فالشجرة جماد لا شعور ولا إرادة ولا علم لها! فليست سوى محل مادي لإنتاج ظاهرة ماديّة هي الصوت (طاقة حركية متموجة ناتجة عن اهتزاز المحل)!
(91)
وقيام الفعل بالفاعل لا يلزم منه الحلول، فالأفعال تقوم بفاعليها قياماً صدورياً وهو نحو آخر غير القيام الحلولي الذي يتنزه عنه الله تعالى!
(92)
والمصحح لنسبة الفعل لفاعله عند المعتزلة هو صدوره عنه بالإرادة بحسب مقصوده، فإذا كان محكماً دلّ على علم وإرادة فاعله، فهل الشجرة كذلك!!؟
(93)
بينما المصحح لنسبة الفعل لفاعله عند الحنبلية التيمية هو قيامه بذاته قياماً حلولياً، ليحلوا إشكالية قولهم بأن الله خالق أفعال العباد!
(94)
فإذا كان الله هو الذي شاء وأحدث أفعال العباد، بمقارنة قدرتهم (أشعرية) أو بسببيتها (تيمية)، فكيف تنسب إليهم؟ الحل=لكون أبدانهم محلا لها!
(95)
قد يتساءل البعض من أين جاءت مسألة (خلق القرآن) لتثير كل هذا الضجيج العقائدي بين المسلمين، هل كانت محض ترف فكري أم ثمة سبب فرض بحثها..
(96)
لعل السبب الذي اضطر المسلمين لبحث هذه المسألة هو لجوء آباء الكنيسة الشرقية إلى اختراع شبهات عقائدية للحيلولة دون تسرب النصارى للإسلام.
(97)
ومن الشبهات التي اخترعها آباء الكنيسة لتثبيت النصارى على عقيدة تأليه المسيح وتعليمهم كيفية مناظرة المسلمين؛ عقيدة أزلية كلمة الله!
(98)
والذي تولى كبر هذا الأمر؛ يوحنا الدمشقي (منصور بن سرجون) الذي كان كأبيه وجده يعمل مستشاراً في البلاط الأموي! قبل ترهبنه في دير بفلسطين!
(99)
انعزل يوحنا الدمشقي في دير مار سابا بالقرب من القدس وتفرغ لتأليف رسائل في الطعن على الإسلام وتدريب النصارى على شبهات لإفحام المسلمين!
(100)
ألف يوحنا الدمشقي موسوعته اللاهوتية (ينبوع المعرفة) واشتملت على بيان مائة هرطقة (بدعة كفرية) ومنها "هرطقة الاسماعيليين" يعني المسلمين!
(101)
وفي هذا الكتاب شرح يوحنا الدمشقي عقيدة الكنيسة الشرقية في تأليه المسيح على أساس فلسفي؛فالمسيح هو الابن وهو كلمة الله المولود من الآب!
(102)
يقرر يوحنا الدمشقي أن الآب هو العلة والابن معلول بالولادة منه غير مخلوق، بمعنى أنه قائم بذات الآب غير منفصل عنه ولم يتخلل ولادته زمن!
(103)
وكان يوحنا مطلعاً على المعارف الإسلامية مما أفاده في استخدامها للاحتجاج بها على تثبيت عقائده الباطلة، كمقابلته بين المسيح والقرآن!
(104)
فالقرآن كلام الله وروح من أمره، ويقول الله عن المسيح أنه "كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه"؛ فإذا كان كلام الله غير مخلوق فكذلك المسيح!
(105)
"فإذا كان القرآن كلام الله صفة قائمة بذاته بغير انفصال، فكذلك المسيح فهو أزلي قائم بذات الله بغير انفصال ولا تخلل زمن! = إذا هو إله!"
(106)
هكذا كان يعلّم يوحنا الدمشقي أتباعه كيفية الاحتجاج لعقيدة تأليه المسيح بالاعتماد على فكرة أن القرآن كلام الله غير مخلوق..
(107)
وعلى نفس المنوال سار متكلّم النصارى في العصر العباسي (أبو قرة أسقف حرّان)، الذي تلقى تعليمه في مدرسة يوحنّا الدمشقى بدير مار سابا..
(108)
ويذكر النصارى أن أبا قرة النصراني قد جادل متكلمة المسلمين في مجلس الخليفة المأمون عام 214هـ (قبل محنة خلق القرآن 218هـ) بنفس الشبهة!..
(109)
ولإسقاط هذه الشبهة قال المعتزلة وغيرهم أن القرآن كلام الله متعلق بمشيئته أحدثه الله مقدّراً كائناً بعد أن لم يكن فهو مخلوق غير أزلي!
(110)
والمسيح كذلك مخلوق كائن بعد أن لم يكن وبهذا تسقط شبهة تأليهه من أساسها التي بنيت على أساس أن المسيح قديم غير مخلوق فيجب أن يكون إلهاً!
(111)
ولكن أحد متكلمة أهل الحديث وهو (ابن كلاّب) اخترع قولاً لم يسبق إليه (وتابعه الأشعريّة) بقوله بصفة قائمة بذات الله هي كلام نفسي أزلي!
(112)
ولم يكن المعتزلة وحدهم من اعتبر قول الكلاّبية (والأشعريّة تبعاً) مضاهياً لمعتقد النصارى بل كذلك ابن تيمية ومدرسته لقولهم بحدوث القرآن!
(113)
وابن تيمية يقرر حدوث القرآن الذي هو حرف وصوت فلا تلزمه شبهة النصارى، ولكنه اعتبره حادثاً في ذات الله لا منفصلاً لكي لا يقول بخلقه!..
(114)
ولكن ابن تيمية يتعسّف في حمل قول أحمد بن حنبل وسلف أهل الحديث على رأيه ويجعله مذهباً لهم مع أنه يصرّح أن من أئمة الحنابلة من يخالفه!
(115)
فالقاضي أبو يعلى وأصحابه من أئمة الحنابلة يحملون قول أحمد بن حنبل على أن كلام الله قديم كالعلم، وهؤلاء تلزمهم شبهة النصارى كالكلاّبية!
(116)
ومع أن المعتزلة لم يردوا على ابن تيمية لانقراضهم في عصره إلا إنه يمكن معرفة رأيهم في مذهبه المؤسس على 1.حوادث لا أول لها 2.في ذات الله
(117)
فالمعتزلة يرفضون حوادث لا أول لها لاستلزامها قدم العالم ويرفضون حلول الحوادث في ذات الله،.. وهذا محل وفاق مع الأشعرية وبعض الحنبلية!
(118)
إذن عندما يرفض المعتزلة رأي ابن تيمية فإنهم يستندون إلى ما نقل عليه الإجماع بعض أئمة الحنبلية أنفسهم! فضلاً عن الأشعرية.
(119)
ولكن ثمة إضافة تختص بالمعتزلة ولا تصح على مذهب الأشعرية وبعض الحنبلية القائلين بقدم كلام الله، وتتعلق بالمسألتين..
(120)
أما مسألة (نوع الفعل قديم وأفراده حادثة)؛ فإنه حتى لو صحت هذه المسألة فإنها تصح في جنس الفعل الإلهي ولا تشمل جميع أنواعه ضرورة!
(121)
فحتى مع التسليم أن الله لم يزل فاعلاً بناء على أنه حي وفرق ما بين الحي والميت والجماد هو الفعل، فلا يلزم أن يفعل كل ما يقدر عليه!
(122)
يوضح ذلك أن بعض الأفعال تستلزم أزلية وجود غير الله على صفة معينة ليصح فعلها، فالكلام خطاب لمن يفهم معناه، وإلا كان عبثاً -تعالى الله-!
(123)
والأغرب من ذلك أن مما استدل به ابن تيمية على صحة مذهبه من كلام ابن حنبل قوله (لم يزل الله عالماً غفوراً)، والمغفرة هل تكون إلا لمكلّف!
(124)
@sayaf7qwe والمسألتان (حوادث لا أول لها) و(ذات الله محل للحوادث) قد ينفرد بإحداهما من لايقول بالأخرى كالكرامية يقولون بالثانية دون الأولى!
@sayaf7qwe فهل يمكنك تسمية عالم واحد سابق على ابن تيمية صرح بهما معاً، لكي يمكن حمل نفي الحدوث على متعلق وإثباته على متعلق آخر؟ ليحل المعضلة
وأما (مسألة حدوث الحرف والصوت في ذات الله) فقد أوردها المعتزلة على الأشعرية -على سبيل الجدل لا الاعتقاد- بقريب من تقرير ابن تيمية!
(125)
وفي ختام هذا الملف؛ قد يتساءل البعض هل من سبيل إلى السلامة من الزلل في هذه المسألة بغير تعصب لأحد من المتصارعين ولا تقليد أعمى!؟
(126)
وللإجابة على السؤال؛ لا بد أن نسبر جوانب هذه المسألة بحسب ما تناولها المتخالفون فيها؛ وهي ثلاثة:
1- بدهي.
2- سمعي.
3- غيبي.
(127)
أما الجانب البدهي الذي لا ينكره إلا مصاب بالخبل؛ أن القرآن الذي هو حرف وصوت وسور وكلمات متعاقبة هو (محدث مقدّر) كائن بعد أن لم يكن.
(128)
فالقرآن هو كلام الله تعالى المنزّل المتلو المسموع المحفوظ في الصدور والمكتوب في المصاحف، (أحدثه الله بتقدير) وفيه أمره ونهيه وخبره الخ
(129)
أما الجانب االسمعي؛ هل يسمى كل محدث بتقدير مخلوقاً أم يختص اسم مخلوق بالمنفصل عن الذات الإلهية،.. فهذا مما لم يكلّف الله به الناس.
(130)
فمن لم ينكر بداهة أن القرآن الذي هو سور وكلمات متعاقبة وأصوات مسموعة هو محدث مقدّر فلا يلزمه بعد ذلك تسميته مخلوقاً ولا نفي الخلق عنه.
(131)
والجانب الغيبي؛ هو كيفية صدور الكلام الحادث عن الله تعالى، هل يحدثه الله في ذاته أم يحدثه في وسط مادّي، فهذا غيب لم يطّلع عليه أحد!
(132)
فمن اكتفى بما هو بدهي لا يمكن إنكاره سلم من الاتصاف بصفة المجانين والمخبولين الذين يحملهم التعصب على مثل هذه الورطات!.. وسلم له دينه!
(133)
فإن قيل إن الخلق هو التقدير لغة، فيقال ترك الأسماء الموهمة وإن صحت لغة مشروع، كما في قوله تعالى "لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا" الآية.
(134)
ومعلوم أن تسمية القرآن مخلوقاً أضحت عبارة ملغومة بأوهام من يفهم من ذلك أنه شخص حي يموت ويقول إنني أنا الله الخ! كما نقل عن أهل الحديث!
(135)
وكذلك؛ فإن نفي الخلق عن القرآن قد يوهم إثباته قديماً مع الله تعالى كما هي شبهة النصارى التي أثارت هذه المسألة أساساً، فيترك النفي.
(136)
وقد يسلك في تسمية القرآن مخلوقاً مسلك الاستفصال بالسؤال عن المراد، فمن أراد بالخلق كونه حياً يموت الخ فيقال ليس مخلوقاً بهذا الاعتبار!
(137)
وأما من أراد بمعنى مخلوق الحدوث بتقدير، فلا يصح نفي هذا المعنى عن القرآن، فهو مخلوق بهذا الاعتبار بغير خوض في غيب كيفية صدوره عن الله!
(138)
وما أصدره أحمد بن حنبل من تكفير من سماهم بالواقفة وقال هم أخبث من الجهميّة، فهذا من تحكّماته ولم يبعث الله بعد محمد ص نبيا بشرع جديد!
(139)
وقد أصاب ابن حنبل أصحابه بالحيرة فاختلفوا في مسألة اللفظ بالقرآن، فكفّر من قال مخلوق وبدّع من قال غير مخلوق.. ووقعت بسببها فتنة بينهم!
(140)
وبسبب هذا التشنج في المواقف كفّر أحمد صاحبه القديم وتلميذ الشافعي! المحدّث حسين الكرابيسي.. وطرد المتعصبة لأحمد البخاري صاحب الصحيح!
(141)
من حق ابن حنبل أن يقول ما يراه حقاً وقد كان الخلفاء الذين امتحنوه وعذّبوه ظالمين له، ولكن لا يحق له ولا لغيره ارهاب الناس بالتكفير!
(142)
من أبسط حقوق الناس أن يقولوا بما يعتقدون أنه حق موافق للدليل وأن يتركوا العبارات المحتملة للأوهام دون أن تمارس ضدهم البلطجة العقائدية!
(143)
وأخيراً يُقال للجميع، أنزلوا مخالفيكم المسلمين منزلة أهل الكتاب الذين أمر الله ألا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن مع أنهم ينسبون الولد لله!
(144)
@sayaf7qwe أما كيفية الصدور فكساىر أفعاله لا تحدث في ذاته لأنه لا تحله الحوادث بل تحدث اما لا في محل أو في محل مادي بحسب الفعل.
@sayaf7qwe فسورة البقرة مثلا آيات وكلمات مؤلفة تأليفا يحمل معاني من الأمر والنهي والأخبار، هذا التأليف الله ينشؤه وليس جبريل ولا الرسول.
@sayaf7qwe ولهذا هو كلامه لأنه هو المنشي له، وقاعدتهم في نسبة الأفعال لفاعليها هو صدورها عنهم بالارادة لا لقيامها بذات الفاعل.
@Ibn_der3180 وبالمناسبة إذا كنت تشير لجهلي باسم البخاري فقد سمعت جامعه الصحيح كاملاً على غير واحد من المشايخ المسندين ومجاز به، فلا تستعجل!
@Ibn_der3180 فالمعتزلة يقولون إن الله عالم لذاته، فصفة العلم واجبة له لا يصح عليه ضدها، ومعلومات الله ثابتة في الأزل لأنها متعلقات علمه!
@Ibn_der3180 أما القرآن فهو كلام! والكلام الذي هو حرف وصوت مفعول وأثر فعل التكلّم وكان يكفي صاحبكم أن يقر بحدوث الحرف والصوت دون العلم وخلاص
@ViCRela والمعتزلة في هذا الباب كغيرهم من الفرق يحكون الإلزامات الكفريّة لأقوال خصومهم ولا يلزم من ذلك عندهم إجراء أحكام المرتدين عليهم، وأكثر الفرق ابتلاء بهذا بعد الخوارج هم الروافض والحنبليّة وهذا مشهور مبثوث في كتبهم واذكر ذبح الجعد كالشاة! وغيلان وغيرهم واحتفاء أهل الحديث بذلك لليوم!

جاري تحميل الاقتراحات...