1-هذه سلسلةتغريدات أروي فيها ذكريات الحج الأول ومشاهده،لا أحسب فيها كبر فائدة،لكن ربما غلبت فيها شهوة الحديث عن الماضي.
ومن لايراها لايقراها
ومن لايراها لايقراها
2- أتذكر أول حجة حججتها، أذكر كل تفاصيلها، الدهشة الأولى، والاحتشاد الأول للمشاعر والذي يظل حاضرًا ويقظًا في الوجدان لا يخبو.
3-لم تكن حملات الحج الداخلية قد تنظمت حينها وإنما كان الناس يحجون رفقة يأتون بخيامهم وحاجاتهم.
4- حججت وحدي بلا رفقة، وهذا ساعدني على الاستغراق فيما أنا فيه والانجماع لما قصدت، ولم يتفرق همي بالحديث مع رفيق أو انتظاره أو البحث عنه.
5- لذة التلبية الأولى بالحج وعمقها في النفس، وابتهاج الذين يلبون في الحافلة وكثير منهم مثلي يحجون أول مرة، تلذذهم بلبس الإحرام مشهد لا ينسى.
6- أحرمت متمتعاً، وكان في النفس تشوف واقتدار على تطبيق السنة والأخذ بالعزائم وكان لرؤية الكعبة دهشة، ولرؤية حشد الطائفين حولها جلال وهيبة.
7- في الطريق إلى منى يوم التروية ركب الحافلة معنا شيخ بشوش صافح كل من حوله بود وكنت بجانبه قال: معك أحد؟ قلت: لا. قال: تكون خويي. قلت: أبشر
8- كانت صحبتي للعم سالم خيراً لي فقد كان لي المرشد والمؤنس في أيام الحج، ثم فقدته آخر يوم ، وكانت لوعة أني لم أودعه وأقبل يده ورأسه
9- وتراسلنا ثم انقطع خبره، ولم أظفر بخبر، فليت بعض من يقرأ يفيدني عن العم سالم الزهراني أبو جعفر،كان يعمل عام 1400هـ في معهد الباحة العلمي.
10- قضيت أصيل عرفة على حافة الموقف بانتظار الغروب،وكان مشهد ضراعة الناس وهم يسارعون لحظات اليوم الأخيرة مشهداً مؤثراً شديد الوقع على من يراه
11- لم نشعر بالغروب إلا عندما ثار الغبار في عنان السماء، واندفع الناس في طريق المشاة سراعاً لا يلوون على شيء، رأيت مشهدًا من مشاهد القيامة.
12- كلما تذكرت ذاك المشهد وانطلاق الناس مشاة شبه عراة، حاسري الرؤوس، يسيرون سراعاً كأني أرى مشهداً من مشاهد الآخرة، وكأنا في يوم البعث.
13- حججت بعد ذلك مرات أحاول أن أستعيد ذاك المشهد وذاك الإحساس وتلك المشاعر، ولكن كانت اللهفة الأولى شيئًا آخر.
14- من عرفة إلى مزدلفة سلكت طريق المشاة، ولم نشعر فيه بالتعب لأنك حيث التفت رأيت الناس يسيرون أمامك كأنهم سيل العرم.
15-في الطريق إلى مزدلفةحجاجاً رأيت يحملون في أيديهم نعالاً وكنت أظن أنهم يريدون أن يلبسونها فقال العم سالم: إنهم يحملونها ليصجوا بها الشيطان
16- مع أني درست وجلست إلى الأشياخ وقرأت المناسك كان مرشدي في الحج العم سالم رجل عامي لكن سبق له الحج مرارًا، إنه الفرق بين النظرية والخبرة
17- في مزدلفة جمعت حصى الجمار، وكانت جلاميد ملئ الأكف، لو رميت بواحدة منها رأس ثور لهشمته، فلما رآها العم سالم ضحك وأراني بم يكون الرمي.
18-قضيت أيام مني في مصلى مخيم الدعوة، وكان بارزاً على طريق المشاة، وقعت فيه اتفاقاً لا قصداً، فأشار علي صاحبي بالمقام وكان نعم المقام.
19-كان الناس في منى في خيم من القماس ليس فيها من وسائل التكيف إلا مهفات السعف، أما المكيفات فما كنا نراها إلا في الدوائر الحكومية.
20- كان مخيم الدعوة عامرًا من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء ما بين محاضرة وندوة وإفتاء، والمشرف عليه الشيخ جابر مدخلي رحمه الله.
21- كنت شابًا قليل العلائق أجلس في مخيم الدعوة أستمع وأستفيد، ثم صرت ألزم مخيم الشيخ بن باز بعد ذلك وأكتفي به، ومن قصد البحر استقل السواقيا
22- كان الإمام في مخيم الدعوة الشيخ صالح الفوزان أو الشيخ محمد العثيمين، وكان في المخيم جمع من المشايخ كالشيخ عبد العزيز الداود.
23- والشيخ صالح الأطرم والشيخ عبد الرحمن الدرويش والشيخ عبد الله الزايد رحمهم الله جميعًا.
24- ممن كان له حضور في الإفتاء شيخنا الشيخ صالح العلي الناصر رحمه الله الفقيه الحنبلي المتمكن.
25- كنت ألحظ تفاوت المفتين في فتاواهم تشديدًا وتيسيرًا، ولم أر أوسع في التيسير من الشيخ بن باز رحمه الله.
26-وكمالاحظت تفاوت المفتين تشديدًا وتيسيرًالاحظت تفاوتهم في الاحتمال للناس فمنهم من تنفد طاقته النفسية سريعًا فيضيق خلقه بالإلحاح والاستفصال
27-ومنهم وهبه الله نفسًا رضية وخلقًا واسعًا لا تكاد تفرق بين إجابته لأول سؤال وآخر سؤال ومن هؤلاء ابن باز وابن عثيمين وابن جبرين.
28- زارنا في المخيم عبد رب الرسول سياف والشيخ يونس خالص، وألقيا كلمة عن الجهاد الأفغاني وكان التأثير الأكبر لكلمة يونس خالص على بساطة تعبيره
29- فعشنا ذلك اليوم بل تلك السنة تأثير ذلك المشهد .
30- يالله من كان يظن أن بساط تلك الدماء والتضحيات والمشاعر والآمال سيطوى على ما انتهت إليه الحال اليوم هناك اليوم.
31- جاء وفد من مسلمي أمريكا في زيارة إلى مخيم الدعوة فكان المتحدث إليهم الشيخ جعفر شيخ إدريس.
32- تحدث إليهم بالإنجليزية حديثًا مختصرًا لاحظت انتباههم له وتفاعلهم معه.
33- ومن حسن صنيع الشيخ أنه ترجم لنا خلاصة كلمته ومما قال فيها وهو يبين قبح الشرك.
34-مثل ذلك مثل من أنقذ شخصًا من هلكة ثم أحسن إليه فلما تلقى هذا كله ذهب إلى إنسان آخر في الطريق فجعل يقدم له الشكر على ذلك.
35- وكنت فهمت معنى ذلك الكلام والشيخ يلقيه ولاحظت تفاعلهم مع هذا التوضيح واستيعابهم له.
36- كان من أجود ما أكسبه في رحلات الحج لقيا العلماء وقرب الوصول لهم، وفي الحج لقيت علماء ورأيت من لم يكن سبيل إلى لقاهم في غير هذا الموسم.
37- من الأشياخ الذين رأيتهم في الحج فقط الشيخ الألباني والشيخ عبد الله بن الصديق الغماري، والشيخ صلاح أبو إسماعيل.
38-والشيخ يونس خالص، والشيخ محمد جميل غازي، والشيخ نسيب الرفاعي، والشيخ بخاري عبده والشيخ أبو بدر المطوع رحمهم الله وغيرهم.
39-وهناك من كنت ألقاهم في الحج وغيره ولكن كان اللقاء بهم في الحج ميزة خاصة كالشيخ ابن باز وابن عثيمين وعبد الرزاق عفيفي وغيرهم رحمهم الله.
40-وكان في اللقاء بهم مواقف ولطائف، هي المكسب والثمرة، وهذا ما سيكون موضوع التغريدات القادمة بإذن الله .
41- استتم في هذه التغريدات المتتابعة شجون الحديث عن الحج وفيها الحديث عن من لقيت من الأشياخ في موسم الحج.
42- في الحج كان لي اللقاء الأول مع الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله، وفي هذا اللقاء أجازني بمروياته ومؤلفاته وهي أول إجازة أخذتها.
43-لقيته وقد كبر وأخذه رعاش في اليد، ولكنه كان حاضر العلم يقظ الذهن وكانت تفد إليه وفود من طلبة العلم،وممن رأيته عنده طلبة علم من الأحساء.
44- وعجبت حينها من علم الشيخ بالمخطوطات وما لم يطبع من الكتب، وعلق بذهني كلامه عن حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه)، ورسالة ابن عقدة في طرقه.
45- لقيت الشيخ الغماري في اليوم السابع وكان قد فرغ من ذبح الهدي فسألته كيف ذَبَح الهدي قبل العيد؟ قال: قد بلغ الهدي محله.
46-وكان يرى جواز ذبح هدي التمتع قبل يوم العيد كما هو مذهب الشافعي وأن هذا أرفق بالحجاج، وهو رأي شيخنا عبد الله بن منيع وله فيه رسالة.
47-فلما ذهبتُ يوم العيد إلى المنحر فإذا الذبائح مركومة تجرفها الجرافات إلى هاوية سحيقة ثم تطمر بعد ذلك، ومنها ما يذهب إلى المحرقة.
48-فعلمت أن هذاالقول مهما قيل فيه فهو خيرمن أن تؤخرإلى يوم العيد ثم تنحر وتطمر،فلم يشرع الله الهدي لإطعام الأرض، ولكن لإطعام القانع والمعتر
49-ثم يسر الله الآن إرسالها إلى مواضع الحاجات والعوز في أمصار المسلمين فحلت الأزمة في جزء منها بحمد الله.
51- ممن لقيتهم في الحج الشيخ محمد جميل غازي رحمه الله، وكان شيخاً سلفيا له ردود على انحرافات المتصوفة.
52-وكان جاراً للشيخ عبد الحليم محمود رحمه الله وكان على علاقة حسنة معه، وهذا شأن النصحة العقلاء الذين لا يحولون الخلاف إلى خصومة.
53-وكنت أحضر محاضراته في الحج فيبهرنا بالاستشهاد بالآيات مع ذكر أرقامها من حفظه، وهو أول من رأيته يستخدم هذه الطريقة.
55- وممن كنت ألقاه في الحج شيخناالشيخ عبد الرزاق عفيفي وكان له مخيم يشترك معه فيه الشيخ عبد الله بن غديان والشيخ عبد الله بن قعود رحمهم الله
56-وكنت أرى من تقدير الشيخين له وحفاوتهما به الشيء العجيب، وإنما يعرف أقدار الكبار الكبارُ ومثلهم.
57- كان لديه اقتدار في تبسيط المعلومة وتوضيحها،ومما حدثني عنه الشيخ بن منيع قال: درَّسنا في المعهد العلمي وفي الكلية وفي المعهدالعالي للقضاء
58-وكان شرحه لنا في المعهد غير شرحه في الكلية غير شرحه في المعهد العالي للقضاء، ونجد عنده في كل مرحلة ما لم نكن نجده في غيرها.
59-وله رسوخ في العقيدة والأصول ، قال لنا: قرأت التدمرية مرات كثيرة، وفي كل مرة أجد فيها مالا أجده في القراءات السابقة.
60-وكان والدي يدرس عليه الأصول في المعهدالعالي ويقول لي:كأن كتاب الإحكام للأمدي مؤلف لعبد الرزاق عفيفي وعبدالعال عطوه لاقتدارهما على تحليله.
61-وكان علمه من تَفكِّره وليس من تذكِّره، ولذا قال عنه شيخنا ابن عقيل الظاهري: الشيخ عبد الرزاق عنده علم نفسه، وغيره عنده علم غيره.
62-وكان مبدعاً وليس مكرراً، ولكنه مع رسوخه العلمي ومتانة تقريره إلا أنه لم يؤلف؛ إما لعدم قناعة بالتأليف، أو أنه لم يفتح عليه فيه.
63-لقيت الشيخ وقد كبر وصار يستروح للحديث عن الماضي -ويبدوا أنها الحالة التي بدأت تتلبسني الآن- فحدثنا عن حجهم قديمًا.
64-قال: قدمنا منى وكان معنا حسن البنا قبل أن يشتهر، وكان فيها بيوت تؤجر لكن الذي سكنا عنده قدرنا ولم يأخذ علينا أجرًا.
65-فقلت باستغراب كيف يؤجرون منى بيوتًا وهي مشعر؟ فلم يعجبه سؤالي وقال: إسألهم إنتا، وكان فيه رحمه الله صرامة.
66-لحظت فيه إعجابا وتعظيماً لابن حزم فذكرنا له شذوذاته، فقال: نعم ولكن شذوذاته وأخطائه منكشفة بادية عورتها.
67-ومما لحظته أنه لم يكن يرى الرمي ليلًا،ويقول كل يوم ينتهي حكمه بغروب شمسه ومابعد الغروب تابع لليوم الذي بعده ولايستثني من ذلك إلايوم عرفة
68-ثم علمت أنه يتوسع في جمع الرمي كله في آخر يوم.
69- وكان يرى أن الرمي يوم النحر إنما يبدأ بعد طلوع الشمس ومن تعجل من مزدلفة فلا يرمي قبل ذلك.
70- وسألناه عن حال بعض الحجاج الذين يتعجلون قبل وقت التعجل ويفرطون في بعض الواجبات فضحك وقال: الحجة صحيحة ولكنها جذماء مقطعة الأطراف.
72-وبقيت صبابة من شجون الحديث، وذكرى من ذكرياته أستتمها إليكم ما بقي صبركم جميلاً.
73-وممن لقيتهم في الحج شيخنا أبو محمد عبد الجميل بن عبد الحق الهاشمي العمري المشهور بأبي تراب الظاهري رحمه الله المولود عام 1343هـ.
74- وكان هذا اللقاء بترتيب وصحبة أخي الشيخ د.عبدالمحسن العسكر، وهي إحدى إلطافاته الكثيرة إلي.
75-زرناه في شقته في جدة فإذا بيته مكتبته، وهو معتكف فيها مع العلم اعتكاف الرهبان في صوامعهم.
76-وكان أمام كرسيه طاولة صغيرة متطامنة علمت أنه يكتب كتبه ومقالاته عليها، فعجبت كيف يتدلى لها ليكتب أو يقرأ.
77-كيف أن كتب الشيخ التي تربوا على الخمسين كتاباً، ومقالاته وبرامجه الكثيرة ولدت على هذا المكتب الصغير المتواضع.
78-وفي هذه الزيارة أجازني بمروياته وفيها ثبت والده الشيخ عبدالحق الهاشمي رحمه الله،والذي أجاز به شيخنا ابن باز ولا أعلم للشيخ إجازة من غيره.
79-حدثنا عن درس والده في الحرم والدروس التي كانت في حصوات الحرم وأروقته.
80-حدثنا عن رحلته إلى مصر ولقائه مع الكوثري فيها، وأن الكوثري كان يقول له: لأحنفنك يا أبا تراب، أي أجعلك حنفيا وليس ظاهريا.
81-وكان لديه ثروة ثمينة من الذكريات واللقاءات والأخبار، ومعرفة العلماء من أمصار العالم الإسلامي.
82-فقد ولد ونشأ في الهند ودرس على علمائها، ثم درس على والده في مكة والتقى بعلماء مكة والوافدين عليها.
83-ثم رحل إلى مصر واليمن والمغرب، وغيرها ولقي علماء تلك البلاد وزار خزائن كتبها.
84-ولو قدر الله معه لقاء في مثل برنامج صفحات من حياتي مع أخي د. فهد السنيدي لكانت حلقاته ثروة تاريخية نادرة.
85-وفي زيارتنا تلك كان قد ثقل وظهر عليه الضعف، ثم توفي رحمه الله في عام 1423هـ
89-وفي الحج كان اللقاء الوحيد بالشيخ المحدث محمد ناصر الدين بن نوح بن نجاتي بن آدم الألباني رحمه الله.
90-كان الألباني رحمه الله قد صار عالِماً نجمًا، فقد ملأ الدنيا علماً، وكانت كتبه كما وصفها شيخنا بكر أبو زيد: كأنها شيكات، تطير بأيدي الناس.
91-كان الشيخ مسيرة من الدأب المتواصل والعشرة المستديمة للعلم،وكان المترددون على المكتبة الظاهرية لا يظنون إلا أنه أحد موظفيها لطول لبثه فيها
92-وكان في ذروة مجده العلمي له معجبون وأتباع ولذا كانت رؤيته حلمًا، أما أن تظفر منه بلقاء أو كلمة فذلك شيء سترويه لكل من تلقاه بزهو.
93-ولذا كنت من المنجفلين إلى المخيم الذي فيه الشيخ أملًا في رؤيته والاستماع إليه.
94-وعند الخيمة رأيت شبابًا مجتمعين يطلبون ما أطلب وفيهم من ينظر عبر فتحات في ستور الخيمة لعله يراه.
95-صلينا الظهر في المخيم ثم ألقى الشيخ كلمة عامة لم يعلق بذهني الآن منها شيء، فانتظرت الأسئلة متشوفاً إلى حوارات الشيخ وتحقيقاته العلمية.
96-وكانت المفاجأة يوم ألقيت الأسئلة وإذا هي أسئلة موجهة لنقد الجماعات، وأحسب أن الإخوان كانوا هم المستهدفين، وكان الشيخ يجيب باستطراد وتفصيل
97-فكتبت ورقة إلى المقدم أذكرها تمامًا: يا أبا إسحاق هذه الجموع جاءت لتسمع علم الشيخ أما هذه القضايا فيستطيع الحديث عنها كل تلاميذ الشيخ.
98-ورمقت الورقة وهي تتنقل من يد إلى يد حتى وصلت ليد أبي إسحاق فنظر إليها نصف نظرة ثم نحاها جانبًا.
99-انتهت الأسئلة وبقي شوقي أن أصافح الشيخ وألثم محياه، ولكن ما إن قام الشيخ حتى ازدحم حوله جم غفير فتلقيته من أمامه وصافحته ولثمت محياه.
100-وكان خلفه الشيخ أبو إسحاق وكان حينها شابًا جلدًا يحيط الشيخ بعناية بالغة، وفي نظرنا حينها مُبالغة.
101-لفت نظري مزيد عناية وتعظيم طلاب الشيخ له وقارنتها بتعاملنا مع أشياخنا ابن باز وابن جبرين والذي كان فيه احترام وحب قلبي، وتعامل بسيط عفوي
102-رحم الله الشيخ فقد كان تاريخاً من الدأب والمثابرة،والصبر الطويل الجميل،وحصيلة ضخمة من الإنجاز العلمي ومجددا من مجددي السنة في حياة الأمة
104-وبقيت صبابة من شجون الحديث، وذكرى من ذكرياته أستتمها إليكم ما أبقى الله صبركم جميلاً.
105-وممن لقيتهم في الحج الشيخ محمد بن صالح العثيمين،وكان اللقاء به قبل أن يشتهر خارجياً،وأما محليًّا فمنذ عرفت العلم وأنا أعرف الشيخ عالماً.
106-وكان ذلك في مخيم الدعوة، وفي المخيم جموع من علماء مصر والسودان ومورتيانيا وغيرهم ورأيت انبهارهم بالشيخ وهم يسمعون له لأول مرة فيما أظن.
107-ممن رأيت إعجابهم وتقديرهم له الشيخ محمد جميل غازي رحمه الله،وكان له محاضرات في المخيم،ولكن اختار أن يكون المقدم للشيخ وقارئ الأسئلة عليه
108-لقيته وهو متهيئ للخروج من المخيم وبشته الداكن تحت يده سلمت عليه فقال: نبي نروح لكلية الملك عبد العزيز داعينن ألقي كلمة عندهم.
109-لا أزال أتذكر الموقف والمكان وإشراقة وجه الشيخ، لموع عينيه، نصاعة أسنانه مبتسمًا، وقع هذا الكلام في نفسي.
110-وأتساءل اليوم ما علاقة شاب حدث لا يعرفه الشيخ حتى يخبره بوجهته، ويتحدث معه بهذه الخصوصية، إنه أسلوب تربوي للإشعار بالأهمية لكل من يلقاه.
111-إنها شعائر حسن الخلق كان الشيخ يؤديها في الحياة، كما يؤدي شعائر الحج في المناسك.
112-لا أذكر على كثرة استنزاف الشيخ بالأسئلة أنه غضب أو انفعل أو ظهر عليه الضجر، كان يفتي باسترواح عجيب حتى كأنما تشعر أن هذه لذاذته ومتعته.
113-كانت ابتسامة الشيخ تشع في وجهه دائما حتى كأنها جزء من ملامحه، ولا أحسب أحداً يتخيل الشيخ إلا يتخيله مبتسماً.
114-ولا أحسب أحداً لقي الشيخ ولو لمرة واحدة إلا ونقش الشيخ على قلبه وسماً من الحب.
115-سئل عن فتوى الألباني بوجوب الانتظار بالرمي يوم النحر إلى طلوع الشمس، فقال: ينبغي أن يكون العالم ربانيًّا يتعرف حكمة الشارع في شرعه.
116-هل يعقل أن يرخص الله للضعفة أن ينفروا من مزدلفة بعد نصف الليل على سعتها رفقًا بهم، ثم يجمعهم مع من خلفهم في بقعة صغيرة يتدافعون فيها!
117-صلى بنا يومًا العشاء فقرأ سورةالبلد وكان المخيم مزدحمًا والجو حارًا فشق ذلك على الناس فقام رجل بعد الصلاةوأنكر على الشيخ إطالته الصلاة
118-فرد الشيخ بأنه يقرأ بأواسط المفصل كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ.
119-ولكني لاحظت بعد ذلك أن الشيخ صار يقرأ بقصار المفصل ويخفف الصلاة، ويبدوا أنه روجع وتبين له حال الناس.
120-تأخر الشيخ إلى اليوم الثالث عشر فلما رمى الجمرات أراد أن ينفر مع المشايخ قبل صلاة الظهر- كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم-
121-خالفه المشايخ في المخيم ورأوا إقامة صلاة الظهر في منى مراعاة لاجتماع الناس فشق ذلك عليه ،وكان يحب إصابة السنة في ذلك ولكنه وافق على مضض
122-وألقى كلمة قبل الصلاة بين فيها أن النبي ﷺ لم يصل الظهر في منى وإنما صلاها في الأبطح قال: ولكنا سنصلي هنا موافقة للإخوة فإن الخلاف شر.
123-كان الشيخ لافتًا للنظر بإشراق ابتسامته التي لا تكاد تختفي من محياه،وفي بساطته وعفويته وبذاذة هيئته التي كانت عفوية، كانه يتكلف ألا يتكلف
124-ثم صار للشيخ مخيم خاص بجوار مخيم نائب المفتي سماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، وكان حفيًّا به معظمًا لعلمه ومكانته.
125-زرته في مخيمه وسألته عن ثمرة الخلاف في أشهر الحج هل هي شوال وذو القعدة وذو الحجة أو وعشر من ذي الحجة فقال: نعم له ثمرة.
126-ومن ذلك لو نذر أن يصوم أشهر الحج فهل يصومها كلها أم إلى عشر ذي الحجة؟
127-وسألته عن إيجاب الدم لترك واجب فرأيت أنه يقول بذلك سياسة لحال المستفتين.
128-وقال: لو قلت لكل من ترك واجبًا عليك الاستغفار لفرطوا في الواجبات وملؤوا منى استغفارًا.
130-وكان التنقل بين هذه النوعية النادرة من العلماء، ولقاء الأكابر من أهل العلم وجبة علمية وتربوية ووجدانية أقتاتها العام كله.
131-فقد كان لكل واحد منهم تميزه واختصاصه، وعند كل واحد ماليس عند غيره وفي كل منهم خير طيب كثير مبارك فيه.
132-ثم عرفت الطريق إلى مخيم الشيخ بن باز فلزمته وقصرت عن كثير من التطواف، ومن قصد البحر استقل السواقيا.
134-قال مسروق جالست أصحاب محمد ﷺ، فوجدتهم كالإخاذ -أي مجتمع الماء في الأرض كالغدير- فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين.
135-والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، فوجدت ابن مسعود من ذلك الإخاذ.
136-أقول وجالستُ العلماء فوجدتهم كما وصف مسروق، ووجدت الشيخ ابن باز من ذلك الإخاذ الأخير، لو قصده أهل الأرض لصدروا عنه رواءً علماً وفضلاً.
137-وكان مجرد الجلوس إلى الشيخ في مجلسه والنظر إلى حاله وسمته يعود بفائدة وجدانية وإن لم تسمع منه علماً طريفا.
138-وكنت أتذكر وصف الحسن البصري كلما نظرت إلى الشيخ، قالوا: إن كان الرجل ليرى الحسن، لا يسمع كلامه ولا يرى عمله، فينتفع بذلك.
139-فإلى الحلقة القادمة والأخيرة، نستعيد فيها أحاديث ما رأيت وما سمعت في مجلس الشيخ ابن باز في الحج.
140-هذه بعض ذكرياتي لأيام منى في مخيم الشيخ ابن باز رحمه الله.
141-كان من سعادة عمري أني كنت أجلس أيام منى في مخيم الشيخ ابن باز رحمه الله، وفيها أفدت أهم ما أفدته منه.
142-كنت أرى في هذا المخيم كرم الشيخ، وحكمة الشيخ وعلمه وحلمه وطاقته النفسية المذهلة.
143-كان باب مخيمه مفتوحاً كأنما يدعو الناس ويرحب بهم، كان المخيم يمتلئ عن آخره بالناس ويوضع فيه الطعام لجميع الحاضرين.
144-كنت ألاحظ تنوع القاصدين لمخيم الشيخ من كل الجنسيات عربا وعجما، وهذا يظهر شخصية الشيخ العالمية.
145-في مخيم الشيخ كنت أرى بعض الضعفه الذين يحج بهم الشيخ على حسابه وكأنه يتحرى قول نبيه (ابغوني ضعفاءكم).
146-كان مخيم الشيخ مقصد أهل العلم،هناك رأيت المشايخ عبدالرزاق عفيفي،و عبدالله بن قعود،وعبدالله المطوع ونسيب الرفاعي رحمهم الله، وغيرهم.
147-رأيته أول ما نزل المخيم يوم التروية في منى وجلس كان أول ما فعله أن عين مؤذنا للمخيم وأوصاه بتعاهد الوقت.
148-كانت الصلاة تقام في المخيم فيؤمنا الشيخ ويلقي كلمات بعد الصلاة غالباً ثم يجلس للإجابة على الأسئلة.
149-وربما تأثر الشيخ وهو يتحدث، ولا أزال أتذكره وكأني أراه الآن رافعا إصبعة يحكي بتأثر قول رسول الله: اللهم هل بلغت اللهم أشهد.
150-كنت أعجب من صبر الشيخ العاجب على الأسئلة رغم تكرارهاوإلحاف السائلين فيها، وكانت طاقته وهو يجيب على آخر سؤال كحاله وهو يجيب على أول سؤال.
151-كان أكثر الأدلة ترددا على لسانه وهو يجيب على أسئلة الحجاج (فاتقوا الله ما أستطعتم)، لا أكاد أحصي كم يقولها.
152-له أقتدار عجيب على تجريدالسؤال الطويل الشائك من الأوصاف غيرالمؤثرة والصمودإلى محل الإشكال بحيث نفاجأ بقرب تناوله للجواب الذي ظنناه بعيدا
153-أتاه ناس فسألوه عن امرأه وقفت بعرفه ثم جنت هناك،فاستغربالسؤال واطال التأمل وطلب حاشيةالروض وبعدالمغرب زاره الشيخ بن عثيمين فذاكره السؤال
154-سأله سائل عن النفرة من مزدلفة بعد منتصف الليل فقال له جائز فقال يا شيخ لسنا كلنا ضعفه فقال: كل الناس ضعفه.
155-سأله سائل فقال ما حكم ارتداء الذهب المحلق للنساء، فضحك الشيخ وقال: الارتداء لما يلبس على الظهر، ثم أجابه.
156-سأله شاب عن الأذان الأول لصلاة الجمعة والقول بأنه بدعة فغضب وقال: هذا قول قبيح فيه نسبة الصحابة للبدعة.
157-سأله أخي الشيخ علي المري وأنا معه عن طواف الحائض إذا سارت رفقتها فأجاب بفتوى شيخ الإسلام، أن تتحفظ وتطوف.
158-أتى إلى الشيخ شاب ومعه جهاز تسجيل يطلب إجابات على أسئلة من أمريكا فاحتفى به وقام معه للمجلس الخاص،كانت عالمية الشيخ تمتد للبعيد والقريب.
159-ربما أعقب الشيخ في الإجابة على الأسئلة بعض المشايخ وأكثر من كنت أراه يعقبه الشيخ عبد الله ابن غديان رحمهما الله.
160-في يوم عرفة كنت ترى مسيره تطبيقا عمليا ليوم النبي سواء بسواء لا تكاد تلحظ ثانية تفلت منه دون ان يرحلها بصالح عمل ذكر ودعاء واجابة سائل.
161-في يوم عرفة يتناول غداءه في المخيم في زحام الناس كأنه يتعبد لله بالمسكنة مع الناس، ويزدحم الناس على سفرته برغم كثرة السفر الموضوعة.
162-في عصر يوم عرفة وفي انشغاله بما هو فيه أتى إليه أحد كبار السن بصبي صغير ليسلم عليه فأقبل الشيخ على الصبي وجعل يلاطفه ثم قال من ربك؟
163- من نبيك؟ وجعل يدعو له. يا لله أي سعة في النفس هذه؟ كان الشيخ يتعبد لله بإدخال السرور على قلوب من حوله.
164-رأيته عند النفرةمن عرفةقبل الغروب وهو في الحافلة في غمار الناس مستغرقًا في دعائه،فما أحسبني رأيت حالاً هي أعظم عظةلقلبي أبلغ من حاله تلك
165-دخلت المخيم يوم العيد ضحى فإذا الشيخ بإحرامه وله لهج بالتلبية لأنه لم يرم جمرة العقبة بعد، وكان يرى استمرار التلبية إلى الرمي.
166-لقيته مرة بالليل عند جمرة العقبة، فرمقت طريقته في الرمي وتحريه لمكان الوقوف عند الجمرة، كحديث ابن مسعود في صفة وقوف النبي ﷺ .
167-في كل السنوات التي جلست فيها في مخيم الشيخ لاحظت أن الشيخ يتأخر إلى اليوم الثالث عشر وأحسب أن هذا كان دأبه دائمًا.
168-كان اليوم الثالث عشر فرصة للاقتراب أكثر من الشيخ لقلة الحضور فنكون معه كأننا في جلسة خاصة.
169-من أكثر ما استفدته منه في هذا المخيم رؤية التطبيق العملي لحسن الخلق والقدرة على احتواء الناس على اختلاف أجناسهم وأخلاقهم وأغراضهم.
170-رغم رهق العمل الذي يتحمله وكثرة الأسئلة التي يجيبها وكثرة من في المخيم ممن هم في ضيافته فأتى لم أره يومًا متوترًا أو متحفزًا
171- وإنما تراه مسترخيًا عليه السكينة كأنه لا يكرثه شيء يسع الجميع بره ولطفه.
172-عندما تقدم له القهوةفي الصباح في المخيم يدعوالناس بنفسه للقهوة والتمرفتسمعه ينادي: تفضلوا القهوة التمر. كان يجد السعادة في إكرام من عنده
173-سأله رجل عن حاج دخل مخيمًا وجلس فيه وأكل معهم وليس منهم فقال: ما داموا يرونك فهذا إذن منهم. وواضح أن لكرم الشيخ أثرًا في هذه الفتوى.
174-تطبيقه للسنن وفضائل العمل راسخ في حياته تراه يطبقه بشكل عفوي لا تكاد تفلت سنة عن محلها.
175-رأيته يكلم بالهاتف مكالمة يبدو أنها مهمة فلما سمع الأذان قال لمن يكلمه: أذن عندنا سنجيب المؤذن ثم نحى الهاتف واستغرق في متابعة الأذان.
176-حج الشيخ 52 حجة ولم ينقطع عن الحج منذ عام1372هـ إلا في عام1419هـ لمرضه، وكأنما كان غيابه عن الحج ذلك العام إيذاناً بقرب غيابه عن الحياة.
179-رحم الله الشيخ عبد العزيز بن باز وغفر له وأعلى في درجات الجنة نزله.
جاري تحميل الاقتراحات...