عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

24 تغريدة 4 قراءة Apr 12, 2023
تحتَ هذه التغريدة سأكتبُ عن جمالية انحلالِ المكان وتفسّخِه، وماذا خسرت القصيدةُ العربية بتركها الوقوفَ على الأطلال
كانَ الشاعرُ الجاهلي لا يبدأ قصيدته -أياً كان غرضُها- دون أن يقفَ على أطلالِ حبيبته، فيبكيها، ويصفها بدقةٍ وتبتّل يصلان حدَّ الهوس =
كان يقف على أطلالِ حبيبته، فيصفُ أثرَ الخيام والأوتاد، والأثافي الثلاث، ومجتمعَ المياه، ومهبَّ الرياح، يجدُ في كل ذلك عزاءً ولذّة =
ويبالغُ بعضهم حتى تهبطَ به هذه العادة إلى القبح، كأن يشبّه روثَ البعران بحب الفُلفل (امرؤ القيس) أو يصف مجتمعَ أبوال الإبل (ذو الرُّمة) =
ساهمت حياةُ الترحلّ في ترسيخِ هذا التقليد -أعني الوقوف على الأطلال- لكن لو نظرنا بدقةٍ أكثر لأدركنا أنّ خلفه نظرةً فلسفيةً وجماليةً عظيمة =
لقد كان الشاعر الجاهلي يدركُ -أو يحدسُ- أنَّ هذه الأثافيَ والأحجارَ والأوتادَ والآثارَ وغيرَ ذلك من "الأشياء" المحيلة إنما هي مخازن للذكرى =
ما عليه إلا أن يسميّها أويصوّتَ بها فإذا بالذكرى تنبعثُ مزمجرةً متمطيّةً وكأنّها جني المصباح؛ بعثهُ علاء الدين لكن بكلماته عِوضاً عن كفه =
كانَ الشاعرُ الجاهلي يحدسُ بأنَّ لهذه الآثار والأشياء المحيلة وظيفةً "فتيشية" -ليسامحنا أطباء النفس- يعوّضُ حضورها عن غيابِ المحبوب =
من أجل ذلك ترسّخ الوقوف على الأطلال كتقليدٍ لا تكتمل القصيدة العربية الكلاسيكية إلا به، وأصبحَ شرطاً من شروطها، وعلامةً فارقةً في بنائها =
ثمّ تغيرت الأزمان، وانتقل العربُ من سُكنى الخيامِ إلى سُكنى البيوت والقصور، فأصبحوا يسخرون ممن يبكي على طللٍ في شعره، ويعدّونه مجرّد مقلّد =
وكان لأبي نُواس الحسن بن هانئ الدورُ الأكبر في القضاء على هذا التقليد، فصارَ الوقوف على الأطلال مادةً مفضّلة يفتتح بها قصائده للسخرية منها =
فيقول: عُجْ للوقوفِ على راحٍ وريحانِ/ فما الوقوفُ على الأطلالِ من شاني. ويقول: دعِ الوقوفَ على رسمٍ وأطلالِ/ ودِمنةً كسحيقِ اليمنةِ البالي =
وكان هجومُ أبي نُواسٍ من الجِدّةِ والعنفِ والمضاءِ بحيثُ قضى قضاءً مبرماً على الوقوف بالديار، وصارَ الشعراء -إلى يومنا هذا- يتهيبونه =
كي لا يصبحوا مادةً للسخرية. لكنكَ وأنتَ تتابعُ زوالَ واندثارَ هذا العُرفِ الجميل لا يسعُك إلّا أن تأسى وتتساءل في قرارةِ نفسِك : =
ماذا عن المنازلِ والبيوتاتِ الحديثة؛ ألا تعفى هي أيضاً؟ أليست "أشياءَ" تصلحُ كي تكونَ مخازنَ للذكرى؟ وماذا عن جمالية انحلال المكان =
ألم يلتفتْ إليها أدبُ ما بعدَ الحداثة حديثاً، فأصبحت ثيماتُ المكانِ والذاكرةِ وجمالية التفسّخ الشغلَ الشاغلَ لأدباء بقامة سيبالد ومديانو؟ =
بلى، وبلى، ثمّ بلى! فياشعراءَ هذا العصرِ أصغوا جيداً؛ إنّي فاتحٌ لكم باباً لم يخطر على بالِكم! أنظروا إلى أحياءِ الرياض وجدّة والدمّام =
تأمّلوها جيداً ثمّ ابكوها، وابعثوا ماردَ الذكرى من قمقمِ المكان. لو كان الشعرُ يطاوعني -كما كان يفعلُ وقت صباي- لقصرتُ على ذلك جُلَّ شعري =
لو كنتُ شاعراً؛ لوقفتُ في فناء دار المحبوب، ولن أتحرّج من استخدام لفظة "حوشهم"، سأصفُ كيفَ تراكمَ الغُبارُ فيه، وكيف سكتت مضخّة الماء =
سأصفُ الطلّاءَ المتكسّر فوق الجُدران، والشُرفاتِ المتحطّمةَ المائلة، وأعشاشَ الحَمائم، والماءَ الذي ما عاد يجري كلَّ جمعةٍ تحتَ الباب =
سأصفُ مئذنةَ الحيّ، وجُدرانَ المسجد، والنخلَ والأشجار، ولونَ الإزفلت، والشارعَ المبقورَ الأحشاءِ لأنّ البلديةَ لم تفرغ من إصلاحِه =
ولربما وصفتُ مكبَّ النفاياتِ وأضمرتُ اعتذارا لامرئ القيس لأني انتقدت حبَّ فلفُلِه ثم وقعتُ سريعاً في نفس جريرته حين تمكنت مني لَذة الوصف؟! =
ناشدتكم الله؛ أليس ذلك أحلى من الشراعِ الممزق والمجدافِ المتكسر وغير ذلك من تشبيهات شعرائنا البائرة التي ما إن أقرأها حتى أصابَ بالغثيان =
وهنا تأتي المفارقة؛ كثير ممن يسعى خلفَ التجديدِ هو مقلّدٌ من حيث أنه يقلدُ المُحدثين! ولا دواء لذلك ما لم تكن شعلة الشعر حيةً تتقد في قلبك!

جاري تحميل الاقتراحات...