يحلو لبعض إخواننا العرب -سامحهم الله- أن ينبزونا بين فينة وأخرى بأننا رعاة إبل، وآكلو جرابيع، وينفون الحضارة عنا بالمرة، فيما يلي رد عليهم =
لكن قبل أن أبدأ أحب أن أؤكد أن قلوبنا تخفق بحب القاهرة وبغداد ودمشق والقدس والرباط وغيرها من حواضر حضارتنا، هكذا نشأنا، وهكذا سنظل دائما =
ولذا إذا سمعنا كلاماً ينتقصنا -نحن أهل هذه الجزيرة العربية "الأم"- عجزنا عن فهمه، واحترنا كيف لا يحبنا من نحن نحبه! ونحارُ أكثر =
كيف وقع الشانئون في هذا الخلل المعرفي الذي يشي بعدم فهمٍ لجوهر حضارتهم العربية، وللكيفية التي تكوّنت وانتقلت فيها هذه الحضارة =
نعم؛ كنا إلى عهد قريب نرعى إبلنا ونأكل الجرابيع والجراد، وكم نأسف أن أنستنا التكنولوجيا الحديثة هذه المهارات الأساسية للعيش في الصحراء =
كنا نرعى إبلنا، ونسرّح بصرَنا في المساحات الشاسعة والصحراء والنجوم، ونحلمُ بالله، ولقد اصطفى الله رجلاً وطأ بقدمه الطاهرة أرضَ هذه الجزيرة =
كي يلقي عليه رسالته ويملأَ قلبه بالحقيقة، فكان أهلاً لها، ﷺ . بزغَ الدين بمكة، ثم انتشر في الجزيرة، ليعمَّ بعدها باقي حواضر الإسلام =
بدأ الدين صافياً فطرياً، يخاطب عقل البدويّ -الذي يرعى بإبله- فيقنعه، ثمّ انتشر في الأمصار والأمم، فكان حتماً أن يواجه مشكلاتٍ فلسفية جديدة =
فنشأ علم الكلام، وكذا الفلسفة الإسلامية، وكذا التصوف، وكان حتماً أيضاً أن يواجه مشكلات سياسية بعد موت الرسول ﷺ فنشأ التشيّع، وهذه هي وظيفة =
الأمصار والعواصم والتخوم، لذا نحن ننظر إلى هذه العلوم بشيءٍ من الفهم، وشيءٍ من الحب، ونتدارسها، وندرك حتميتها التاريخية، لكن في نفس الوقت =
ندرك أهمية أن يحافظَ أحدهم على الإسلام كما تلقاه محمد ﷺ، بصورته الفطرية الصافية، قبل أن يضطره التلاقح مع الأمم الأخرى إلى التغير =
ولا مكانَ أصلح ولا أمثلَ لآداء هذه المهمة من أرض هذه الجزيرة العربية، حيث نشأ الإسلام أول مرة. هذه هي المهمة التي اخترنا التصدّي لها =
وهي مهمة نؤمن بأنها جليلة وحيوية؛ أن يُحفظَ الإسلام بصورته الأساسية الفطرية في "قلب" الجزيرة، وأن يتطور ويتلاقح في العواصم والتخوم =
أما بالنسبة للغة العربية، ومن يقول إنّه ليس هناك عالم لغةٍ ذو شأن من الجزيرة، ويستشهد بأنّ سيبويه فارسيّ، وبأنّ الجاحظ نشأ وعاش في البصرة =
فكلُ ما عليه أن يفتحَ حماسة أبي تمام، أو كتاب سيبويه، أو أحد أسفار الجاحظ، ولينظر فيمن يستشهد هؤلاء وعمّن يأخذون لغتهم؛ أليس من رعاة الإبل =
وآكلي الجرابيع؟ هذه هي المهمة التي اخترناها؛ أن نكونَ "قلباً" يحفظُ الإسلام واللغةَ العربيةَ في صورتيهما الأولتين الفطريتين =
وإن كنا سباقين في الانتباه إلى ضرورة المهمة الأولى (الدينية)، فلقد تأخرنا قليلاً في آداء المهمة الثانية (اللغوية)، لكني الآن أرى أجيالاً =
من الشباب المهتم باللغة، المتقن لعلومها، المتحدثِ بها دونَ لحن أو خلط، وإذا استمر الأمر بنفس الوتيرة سنتمكن من آداء حق هذه اللغة الجميلة =
هذا مع اهتمامٍ جديّ ومتسارع بالعلوم الحديثة، والتقنية، والطبية، والإنسانية، وتكالبٍ على القراءة لم أرَ له نظيراً في معارض الكتاب العالمية =
فيا بعضَ إخواننا العرب حنانيكم علينا؛ فإن كنا ننظر إليكم وإلى دوركم بفخرٍ وحب، فلا أقلّ من أن تنظروا إلى دورنا وتتطلعوا إلينا بفهمٍ وتقدير.
جاري تحميل الاقتراحات...