يبدأ كيركجارد متفلسفاً كالعادة؛ فيقرّر أنّ الرسم ينتمي إلى فئة الفضاء، والشعر إلى فئة الوقت؛ وأنَّ الرسم يصوّر السكون، والشعر يصوّر الحركة =
ولهذا ينبغي للشيء المُقرر رسمُه أن يحظى بشفافيةٍ تسمحُ لداخلِه أن يستقرَّ في خارجه، وكلما تعذّر هذا التطابق تصبح مهمة الرسّام مستحيلةً =
ثم يخلص إلى أن الحزن عصيٌّ على التصوير؛ بعكس الفرح؛ فالفرح -بطبيعته- ينزع إلى الإفصاح عن نفسه، بينما الحزن يتدارى ويلجأ أحيانا إلى التضليل =
الفرح صريح، واجتماعي، ومكشوف، ولذا يطابق داخله خارجه، بينما الحزن متحفظ، وصامت، ومتوحد، ويحور دائما إلى نفسه، ولا تحزره إلا من شحوب صاحبه =
هناك ناسٌ مجبولونَ بطريقةٍ تجعلُ الدمَ يندفعُ متدفقاً إلى جلودِهم عندما تُثارُ عواطفُهم، وبهذه الطريقة تظهرُ حركةُ الداخلِ في الخارج =
وهناك آخرون مجبولون بطريقةٍ تجعلُ الدمَ يتقهقهرُ إلى حُجرةِ القلبِ والأجزاء الداخلية من أجسادهم، وهكذا يعبرون عن البهجةِ والحزن =
الجُبلة الأولى أسهلُ ملاحظةً وأطوعُ للدرس؛ يرى المرءُ كل شيءٍ على السطح؛ بينما في الجُبلةِ الثانية لا يسعه إلا أن يحزرَ ما يدورُ في الداخل =
إنّه يرى ذاك الشحوب الداخلي؛ وكما لو أنه كلمة وداعٍ نطق بها الداخل هارباً، فيهرع الفكرُ والخيال خلفه ولا يتوقفان إلا في تلك الكهوف السريّة =
الحزن إذن عصيّ على التصوير، فهناك خلل في التوازن بين الداخل والخارج؛ داخلهُ لا يستقر في خارجه، وهناك سبب آخر؛ فهو لا يملك سكوناً داخلياً =
إنّ الحزنَ في حركةٍ دائمة، حتى وإنْ لم تبدُ هذه الحركة على السطح. إنّه يدور ويدور حول نفسه، كسنجابٍ في قفص، ويأبى أن يركنَ إلى الإخلاد =
الحزنُ ليس واحداً مع نفسه، لا يستطعُ أن يستريحَ في تعبير، وكمثل المريضِ المتألم؛ يتقلبُ من جنبٍ إلى آخر، محاولاً أن يجدَ لنفسِه تعبيرا =
ولو حصل وأن وصلَ الحزنُ إلى إخلاد، إذن لوجدَ الداخلُ طريقَه -شيئا فشيئاً- إلى الخارج، ولأصبح مرئياً، وحينها فقط يمكن تصويره فنياً =
لكنه -على عكس ذلك- يتقهقهرُ إلى الداخل، كما يحصلُ للدم حين ينسحبُ ويعطي ايحاءً بالشحوب. وحينها يجد الحزنُ مخبأه؛ ملجأه الأكثرَ إيغالاً =
حيث يعتقدُ أنّ بإمكانه أن يبقى إلى الأبد، ومن ثمّ يبدأ حركته الدائبة؛ كبندول الساعة، يتأرجح يمينا وشمالاً، ولا يمكنه أن يتوقفَ أو يستريح =
إنه يعودُ دائماً إلى نقطة الصفر، ليبدأَ من جديد، فيحاورَ نفسه، ويحققَ مع الشهود، ويفحصَ الأدلة، كما فعل قبل ذلك مئات المرات، دون نهاية =
وبمرور الوقت، يصنعُ هذا الاتساقُ خدراً، كما يحدث مع قطرات المطر حين تقطر من السطح، أو العجلة حين تدور بشكلٍ رتيب، أو رجلٍ يذرع غرفتَه فوقك =
كل ذلك يحدث بتلقائية تبعثُ الخدر، وهكذا يجد الحزنُ العزاءَ أخيرا في هكذا حركة، ويعيش كسجينٍ أُغلق عليه وسط زنزانة تقبع في أعماق الأرض =
وسنةً إثرَ سنة؛ يذرعُ الحزنُ أرضَ زنزانتِه في حركةٍ دائبة، ولا يملُ -ولو للحظةٍ واحدة- سفرَه اللانهائي فوقَ دربِ الآلام. (انتهى)
جاري تحميل الاقتراحات...