عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

20 تغريدة 5 قراءة Apr 12, 2023
لو صح أن نطلق على أحد لقب "فيلسوف الحزن" لكان كيركجارد. سأضع تحت هذه التغريدة كلاماً له عن الحزن بلغ الغاية في الحسن
هذا الكلام مقتبس من كتابه "إما/أو" الفصل الرابع تحديدا، كتبه وهو يرزح تحت الألم بعد أن فسخ خطبته من ريجينا أولسن =
يبدأ كيركجارد متفلسفاً كالعادة؛ فيقرّر أنّ الرسم ينتمي إلى فئة الفضاء، والشعر إلى فئة الوقت؛ وأنَّ الرسم يصوّر السكون، والشعر يصوّر الحركة =
ولهذا ينبغي للشيء المُقرر رسمُه أن يحظى بشفافيةٍ تسمحُ لداخلِه أن يستقرَّ في خارجه، وكلما تعذّر هذا التطابق تصبح مهمة الرسّام مستحيلةً =
ثم يخلص إلى أن الحزن عصيٌّ على التصوير؛ بعكس الفرح؛ فالفرح -بطبيعته- ينزع إلى الإفصاح عن نفسه، بينما الحزن يتدارى ويلجأ أحيانا إلى التضليل =
الفرح صريح، واجتماعي، ومكشوف، ولذا يطابق داخله خارجه، بينما الحزن متحفظ، وصامت، ومتوحد، ويحور دائما إلى نفسه، ولا تحزره إلا من شحوب صاحبه =
هناك ناسٌ مجبولونَ بطريقةٍ تجعلُ الدمَ يندفعُ متدفقاً إلى جلودِهم عندما تُثارُ عواطفُهم، وبهذه الطريقة تظهرُ حركةُ الداخلِ في الخارج =
وهناك آخرون مجبولون بطريقةٍ تجعلُ الدمَ يتقهقهرُ إلى حُجرةِ القلبِ والأجزاء الداخلية من أجسادهم، وهكذا يعبرون عن البهجةِ والحزن =
الجُبلة الأولى أسهلُ ملاحظةً وأطوعُ للدرس؛ يرى المرءُ كل شيءٍ على السطح؛ بينما في الجُبلةِ الثانية لا يسعه إلا أن يحزرَ ما يدورُ في الداخل =
إنّه يرى ذاك الشحوب الداخلي؛ وكما لو أنه كلمة وداعٍ نطق بها الداخل هارباً، فيهرع الفكرُ والخيال خلفه ولا يتوقفان إلا في تلك الكهوف السريّة =
الحزن إذن عصيّ على التصوير، فهناك خلل في التوازن بين الداخل والخارج؛ داخلهُ لا يستقر في خارجه، وهناك سبب آخر؛ فهو لا يملك سكوناً داخلياً =
إنّ الحزنَ في حركةٍ دائمة، حتى وإنْ لم تبدُ هذه الحركة على السطح. إنّه يدور ويدور حول نفسه، كسنجابٍ في قفص، ويأبى أن يركنَ إلى الإخلاد =
الحزنُ ليس واحداً مع نفسه، لا يستطعُ أن يستريحَ في تعبير، وكمثل المريضِ المتألم؛ يتقلبُ من جنبٍ إلى آخر، محاولاً أن يجدَ لنفسِه تعبيرا =
ولو حصل وأن وصلَ الحزنُ إلى إخلاد، إذن لوجدَ الداخلُ طريقَه -شيئا فشيئاً- إلى الخارج، ولأصبح مرئياً، وحينها فقط يمكن تصويره فنياً =
لكنه -على عكس ذلك- يتقهقهرُ إلى الداخل، كما يحصلُ للدم حين ينسحبُ ويعطي ايحاءً بالشحوب. وحينها يجد الحزنُ مخبأه؛ ملجأه الأكثرَ إيغالاً =
حيث يعتقدُ أنّ بإمكانه أن يبقى إلى الأبد، ومن ثمّ يبدأ حركته الدائبة؛ كبندول الساعة، يتأرجح يمينا وشمالاً، ولا يمكنه أن يتوقفَ أو يستريح =
إنه يعودُ دائماً إلى نقطة الصفر، ليبدأَ من جديد، فيحاورَ نفسه، ويحققَ مع الشهود، ويفحصَ الأدلة، كما فعل قبل ذلك مئات المرات، دون نهاية =
وبمرور الوقت، يصنعُ هذا الاتساقُ خدراً، كما يحدث مع قطرات المطر حين تقطر من السطح، أو العجلة حين تدور بشكلٍ رتيب، أو رجلٍ يذرع غرفتَه فوقك =
كل ذلك يحدث بتلقائية تبعثُ الخدر، وهكذا يجد الحزنُ العزاءَ أخيرا في هكذا حركة، ويعيش كسجينٍ أُغلق عليه وسط زنزانة تقبع في أعماق الأرض =
وسنةً إثرَ سنة؛ يذرعُ الحزنُ أرضَ زنزانتِه في حركةٍ دائبة، ولا يملُ -ولو للحظةٍ واحدة- سفرَه اللانهائي فوقَ دربِ الآلام. (انتهى)

جاري تحميل الاقتراحات...