ما أراني أملُّ صحبةَ الملكِ الضِّليل! كتبتُ منذ مدة تغريداتٍ عن امرئ القيس والليل، ومنذ ذاك وأنا أقرأ في ديوانه، فإذا بصورته تتغير في روعي =
كنتُ أراهُ شابا فاتكاً، يداهمُ الخدور، ويسبأ الخمور، ويُشغِلُ الحليلةَ عن حلِيلها، والظئرَ عن صبيها، كما تصوّرُ معلقته ولاميته الأخرى =
ثم استغرقت في ديوانه، فإذا بصورة أخرى تظهر، أجد نفسي أشدّ تعلقا بها، وأكثر حدباً عليها؛ إذا بشيخٍ فعل به الهم والمرض أكثر مما فعلته السنون =
عرك الحياةَ وعركته، ولقح الحربَ ولقحته، فساءَ رأيُه بها، وصار يراها عجوزا شمطاء، مجزوزةَ الرأس، عطِنة النفس، تتلطخ بالأصباغ دون أن تزيّنها =
فيالها صورةً لم أقرأ في كتبِ الأدب أروع ولا أخوف منها، وعجباً ماذا غيّر طالب الذحل الذي كان يتحرق لعناق الأسل فإذا به يشمئزُ من سحنة الحرب =
لا بدّ أنها كوته بنارها، ووسمته بميسمها، قتلت أقاربه وأخلاءه، وذهبت بملكه وبماله، وساء ظنه بالحياة كلِّها، فإذا به يقول ذاماً غِيَرَ الدهر =
ألم أخبركَ أنَّ الدهرَ غُولٌ/ خَتورُ العهدِ يلتهمُ الرجالا/ أزالَ من المصانعِ ذا رِياشٍ/ وقد ملكَ السهولةَ والجبالا.. ويزداد خُبرا بالحياة =
وسوءَ ظنٍ بأهلها، فيقول: أرَانا مُوضِعينَ لأمرِ غَيبٍ/ ونُسحَرُ بالطعَّامِ وبالشرابِ/ عصافيرٌ وذُبّانٌ ودودٌ/ وأجرأُ من مُجَلِّحةِ الذئابِ =
وإنّي أزعمُ أنك لو أخذتَ كل ما قالهُ حكيم المعرّة في ذم الحياة وأهلِها في لوزمياته ووضعته في كفة، ووضعت هذين البيتين في كفة، لرجحَ البيتان =
وقد تظلمُ مريرةُ امرئ القيس، وتغلبهُ السوداء، ويمتلئ بالعدمية وإحساس بالفناء، فيضيف: وأعلمُ أنّني عمّا قريبٍ/ سأنشبُ في شبَا ظُفرٍ ونابِ =
وإنّكَ حين تقرأ أبياته هذه الطافحةَ مرارةً ويأساً لا يسعُك لومُه، فأنتَ تدري داءَه العضال، الذي أحسن ما شاء في وصفه حتى أراكَ قروحَه عيانا =
فيصورها تارةً ثوباً يغشّي جسدَه لغَلبتها على هذا الجسد، ويشبهها تارةً بما تتركه الخواتم من أثر حين يُكبسُ بها فوق الشمع، فياللقيحِ والخمج! =
يقول امرؤ القيس واصفا علّته: فإمّا تَرَينيَ بي عُرّةٌ/ كأني نَكيبٌ منَ النِّقرسِ/ وصيّرني القَرْحُ في جُبّةٍ/ تُخالُ لَبيساً ولم تُلْبَسِ =
ترى أثَرَ القَرْحِ في جِلدِهِ/ كنقشِ الخواتمِ في الجِرجِسِ.. وقد تدركه الحمّى آخرَ الليل، وتؤلمه القروح، ولا تطاوعهُ ذراعُه، فينظرُ متحسرا =
إلى جسدِه، وقد عاثت به القروحُ فكأنه عصفٌ مأكول، ويتذكرُ أيامَ شبِابِه حين كان أملسَ الإهابِ حَسَن الجِلد، فيألمُ للذكرى، ويألمُ للقَرح =
وينشد: تأوّبني دائي القديمُ فغلّسا/ أُحاذرُ أن يرتدَّ دائي فأُنكَسا/ فيارُبَّ يومٍ قد أروحُ مُرَجَّلاً/ حبيباً إلى البيضِ الكواعبِ أملَسا =
وما خِفتُ تبريحَ الحياةِ كما أرى/ تضيقُ ذراعي أن أقومَ فألبسا/ فلو أنها نفسٌ تموتُ جَميعةً/ ولكِنّها نفسٌ تَسَاقَطُ أنفُسا.. والبيت الأخير =
أجودُ ما قرأت في وصف الموت البطئ والمرض المزمن العضال، لا تملك حين تقرأه إلا أن ينفطرَ قلبُك لهذا الرجل الذي نُكب في ملكه وعائلته وجسدِه =
هذه صورته التي تحصّلتْ بعد أن قضيتُ مع الملك الضِّليل لياليَ من الدهر أصاحبُ ديوانه، أرجو أن يكونَ في حديثي عنها ما يزاحمُ الصورةَ القديمة =
ويقنع القارئ بأنّ شعر كهولة امرئ القيس يفوقُ شعرَ شبابِه. ما أحرى هذا الديوان بالمُطالعة والحفظ! لقد خلعت قبائل العرب ملك امرئ القيس وملكَ =
آبائه، فإذا به ينصّبُ نفسَه ملكاً للشعر العربي بما تيسر له من التصرفِ بفنون القول والتعمق في سبر النفس، فياله ملكاً خالداً إلى أبد الآبدين!
جاري تحميل الاقتراحات...