حفظ الرواة لنا كثيرا من أخبار امرئ القيس بن حُجر، وأوديسته الطويلة للثأر من قاتلي والده، عن إيقاعه ببني أسد، وموقفه مع ذي الخُلصة =
وقد يذهب بهم الخيال، ويضطرهم شح الأخبار، فيضعون أخبارا تملأ ما يجهلونه عن رحلته إلى قيصر الروم ومقتله مسموما، لكن ماذا عن حياته الداخلية =
وتلك اللقاءات التي تصقلُ النفس وتُحدث هزاتٍ داخلها؟ ماذا مثلا عن لقائه بالليل؟ سكت الرواة عن ذلك. أستطيع أن أرى امرأ القيس يخرج من خبائه =
ويقف والليلَ وجها لوجه، ليس بينهما أحد. يتذكرُ والده وأعمَامه، وصبواته القديمة، وغراماته العابرة، فيكرب، ويتململ في موقفه، ويحدق في الظلام =
وفي سُدفه الكثيفة، ويحسُّ لليل حركة مدٍّ وجزر لا تنكسر إلا على صخور قلبه، حركةً أشبه بالهدهدة، يحتاجها المكروب، فيعلم أنه والبحر شيء واحد =
ثمّ يبدأ الليل أولَ تحولاته أمام الملكِ الضلّيل، فإذا به بعير ضخم، يتمطى بعجزه، وينوء بكلكله، فلا يكاد ينهض، وكأنه جاثم فوق صدر امرئ القيس =
وهذه والله صورة عجيبة يقصر عنها أوفيد في كتاب تحولاته! ثم ينظرُ إلى الأعلى، فيخالُ أنّ النجومَ معلقةٌ بحبال من كتّان لا تبرحُ مكانَها =
ثم يذهبُ به الخيالُ بعيداً، وتغبشُ عيناه، فإذا هو يرى في صفحةِ الليل رهبانا يخرجون من صومعتهم لينيروا درب العائدين، وإذا بالنجوم مصابيحهم =
فقل لي -يا رعاكَ الله- أهذا اللقاء أشدّ وقعا وأكبر خطرا على نفس وشعر الملك الضِلّيل أم لقاؤه بقيصر الروم؟ بل إني أزدادُ شططا وأزعمُ =
أنّ المغني حين يردد: يا ليل يا عين، فإنما هي إحدى تداعيات ذلك اللقاء الأسطوري في ماضينا السحيق عندما وقف الملك الضِلّيل والليل وجها لوجه!
جاري تحميل الاقتراحات...