عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

14 تغريدة Apr 12, 2023
يروي ابن بقيّ أن جماعة من الوشاحين اجتمعوا في مجلس بإشبيلية، وكان كل واحد منهم قد صنع موشحة وتأنق فيها، فتقدم الأعمى التطيلي للإنشاد وقال =
ضاحكٌ عن جُمان/ سافرٌ عن بدرِ/ ضاقَ عنهُ الزمانْ/ وحواهُ صدري. فما وسع ابن بقيّ إلا أن يخرّق موشحته، وتبعه الباقون youtu.be
فانظر يا رعاك الله إلى هذا الأعمى ما أحذقه عندما اختص الزمان بالضيق دون المكان رغم أن الضيق صفة مكانية، وهو ينزع بذلك إلى المبالغة =
فجمال حبيبه يضيق به المكان والزمان لكنه يجد له متسعا في صدر عاشقه الأعمى! ثم انظر إلى خرجته الرائعة في نهاية الموشح حين قال: =
قد رأيتك عيانْ/ آش عليك ستدري/ سا يطولُ الزمانْ/ وستنسى ذكري .. ألا تشعر مثلي أنه وضع أبديةً كاملة في أَلِفِ: سا يطول الزمان؟
ومن تعبيرات الأعمى التُطيلي البديعة مطلع موشحه: حُثّ الكؤوسَ رَويّة/ على رُواءِ البساتين/ من قهوةٍ بابليّةْ/ أرقّ من دمعِ محزونْ =
اقرأها ثانية: أرقّ من دمعِ محزون! فتش الدنيا كلها، لن تجد أرق وأصفى ماءً من الدمعة، وليس أية دمعة، وإنما دمعة الحزين المكروب!
ومن تعبيراته البديعة هذا الغصن في نفس الموشحة السابقة: لم يُبقِ مني بقيّةْ/ تُرجى لدنيا ولا دينْ/ ما الحبُ إلا منيّةْ/ وارحمتا للمُحبينْ! =
ويقول التُطيلي في موشحة أخرى: قدٌ كالقضيبِ/ في الانثنا واللينِ/ وخصرٌ إن ضاهى/ بهِ كرقّةِ ديني.. تاللهِ لن تجد وصفاً بهذا الظَرف والتلطف =
وكأنه حين حُرم نعمة البصر كان ذلك لصالح قريحته، فمن يطيق تشبيه شيء ماديّ كخصر الحبيب بشيء غير مادي كرقة الدين؟ هذا ضرب لا يطيقه المبصرون.
ويقول التُطيلي في موشحة أخرى: أحلى من الأمنِ/ يرتابُ من قربي / وَيفرقُ/ في وجهِه سُنّةْ/ يشجى بها العذلُ/ وَيشرَقُ .. وهذا ضرب آخرُ عجيب =
من التعبير، صادفته في موشحاتٍ عدة، وكنت أسأل نفسي: ألم يجد الوشّاح شيئا أحلى من الأمن كي يقيس عليه؟ ثم أتذكر أنه عاش إبّان ملوك الطوائف =
زمنَ الحروب والثورات والسبي والإحن، فأفهمه تماما، وأردد معه: أي نعم، لا يوجد في وقت الحروب ما هو أكثر حلاوة من الأمن!
أطلت الحديث عن الموشحات، وسأختمه بهذه الهدية: هذه قناة في يوتيوب تُعنى بجمع الموشحات وإلقائها بطريقة إيقاعية ..

جاري تحميل الاقتراحات...